تُعرف الشاعرة الفلسطينية "نهى شحادة عودة" في المجتمع الأدبي العربي باسم "ياسمينة عكَّا"، أبصرت النور في مُخيّمات اللاجئين في لبنان ذات يوم مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصولها إلى قرية شعب في قضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينية وضمان توريثها لأجيال اللاجئين.. نشرت رواية واحدة وعددا من الدواوين الشعرية، وخصّت جريدة "الأيام نيوز" بمجموعة من القصاصات التي أودع فيها الأسرى المُحرّرون الفلسطينيون بعض ذكرياتهم في رحلة العذاب..
بعد ساعات طويلة، أدخلوني إلى معسكر "حوارة" في مقرٍّ للحجز، كل شيء حولي يشي بالموت والقهر، لكني الثابت ثبات جذور الزيتون في بلادي، راسخ رسوخ تاريخ بلادي وحضاراتها، ومتمسّك بكل قيمي الوطنية وما يغذّيني بالعزة والكرامة. هذا سجّاني أمامي لكن الوطن وطني أنا.. 60 يوما قضيتها في معسكر "حوارة"، وأنا منعزل عن العالم الخارجي، ولا أعلم ما يموج فيه من أحداث!
كانت الساعات تسير متثاقلة وكأنها دهرٌ، والوجوه التي أراها من عالم آخر لا تشبهني ولا أشبهها، حتى أنا ما عدت أنا. أدخلوني غرفةً أعتقد بأن قياسها لا يتجاوز عرض مترين في طول أربعة أمتار. كان يوجد فيها عشرة أشخاص، وعلى أرضيتها فراشٌ لا يتسع لثمانية أشخاص، بالإضافة إلى أغطية قليلة مهترئة، ناهيك عن الرائحة الكريهة جدا.
غرفةٌ لم تصلها الشمس ولن تفعل وكأنها عدوّة لها، ولم يكن هناك كهرباء طوال الوقت.. عندما تحضرني هذه الأيام عنوةً على ذاكرتي، لا أجد تفسيرًا للسرّ الذي جعلنا أقوياء بما يكفي لنصبر ونتحمّل، وكيف كنا نقضي وقتنا، وكيف كانت تمرّ ساعات أسرنا المتثاقلة كسلحفاة تصعد جبلا.
كان هناك طاقة (نافذة) صغيرة في الغرفة تطل على الساحة الخارجية المضاءة نهارًا من الشمس لكنها إضاءة خافتة خجولة، وعندما يأتي الأكل كنّا نضعه إلى جهة الضوء ونتقاسمه. هذه الغرفة كانت مخصصة للأسرى الجُدد.
كنا نغنّي ونُنشد الأغاني والأناشيد الوطنية، فما أشنع الاحتلال في بلادي.. كانت لعبة الأسئلة والأجوبة، وكانت جلّ الأسئلة عن الثورة الفلسطينية.. كنا في أوقات أخرى نحفظ بعض السور من القرآن الكريم، ونصلّي، ويمكنك القول بأن الليل كان للأسئلة والنهار للقرآن. وكانت إذا ما ارتفعت أصواتنا وتسرّبَت إلى الخارج، يثور علينا السجّانون ويطلبون منا التوقف عن الكلام..
كانت وجبة الطعام التي يجب أن تكون لعشرة أشخاص لا تكفي حتى لشخص واحد.. كنا نصوم من أجل تجميع ثلاث وجبات في وجبة واحدة حتى نصل إلى مرحلة الإشباع.
السجّانون أغلبهم من البدو والدروز وهم الأكثر بطشا وإذلالا للأسرى.. كانوا يحضرون كل ليلة في المساء ويفتحون طاقة الأبواب الثمانية، يرفعون أصواتهم ويحتفلون بطريقة ماجنة ويتناولون الطعام أمام أعيننا، ظنّا منهم بأن هذه الطريقة ستسبب لنا الألم والحرقة.. ولم يعلموا بأنّ ما في دواخلنا أقوى منهم وأكبر بكثير من تفاهاتهم وتصوّراتهم المُشوّهة.
يُخرجوننا إلى الحمّام (المرحاض) مرّتين يوميا، وعندما نشعر باحتياجنا لقضاء الحاجة، ولا نستطيع الخروج، نضطر أن نُخرج الزجاجات التي نستخدمها داخل الغرف بديلا للحمّام ونعيدها معنا.
كل يوم يدخل سجناء جُدد ويخرج سجناء قدامى، وأنا في مكاني ثابت.. لم يتحدثوا معي حرفا واحدا، وقضيت أطول مدة بين كل الموجودين.. أمارس طقوس القوة والصبر، وأحيانا ما يتملّكني السؤال: ماذا أفعل هنا، ومن هؤلاء الغرباء، ومتى سينتهي هذا الكابوس؟

