آمنة الحايك.. سيدة غزاوية تكسر احتكار الرجل لمهنة “الشيف”

في مشهد غير مألوف في قطاع غزة، تنشغل “الشيف” الفلسطينية آمنة الحايك بإعداد أنواع من الوجبات الغذائية السريعة داخل مطبخ بأحد المطاعم.

بدأت الحايك العمل طاهيا رئيسيا (شيف) في مطعم “صبايا VIP”، منذ نحو شهر تقريبًا، بالتزامن مع افتتاحه، وتشجّعت على العمل بهذا المطعم كونه أحد الأماكن القليلة التي تقدّم خدماتها لفئة “النساء فقط” في قطاع غزة.

وبحسب العادة، يحتكر الرجل في المجتمع الفلسطيني مهنة الشيف في المطاعم، بسبب ظروف العمل التي يقول الطُهاة إنها صعبة في ظلّ ما تتطلّبه من ساعات عمل طويلة.

فنون الطهي

الحايك (50 عامًا) أم لأربعة أبناء، التحقت بدبلوم لتعلّم فنون الطهي في جامعة غزة، والذي تم إطلاقه عام 2019 بالتعاون مع مركز “سمايل كيتشن” المتخصص بتعليم تلك الفنون.

وتقول في حديثها لوكالة الأناضول: “العمر لا يقف عائقًا أمام تحقيق الأحلام والطموح، خاصة إذا كان الشخص لديه شغف في ما يرغب بتعلّمه”، وتضيف: “بدأت دراسة الدبلوم الذي استمر لمدة عامين في عام 2019، وأنا بعمر 47 عامًا”.

ورغم أنها واجهت نوعًا من الاستهجان لالتحاقها بالدبلوم التعليمي، إلا أنها – كما تقول – لم تلتفت إلى ذلك وأكملت طريقها نحو “الحلم والشغف”، وتتابع: “كانت توجّه لي ملاحظات أنني أجيد طهي الطعام، ولست بحاجة إلى بذل المال والوقت لتعلّم هذا الفن في الجامعة”.

لكنها تردف قائلة: “العامان اللذان قضيتهما في تعلّم فنون الطهي في الجامعة، كانا من أجمل أعوام حياتي”، وأوضحت أن هذا الدبلوم ساهم في صقل مهاراتها وهوايتها بفنون الطهي، بشكل يؤسّس لاحترافها هذا المجال.

وذكرت أنها خطت أولى خطواتها في هذا الطريق منذ سنوات طويلة، حيث أسّست عام 2015 مطبخا على فيسبوك، وسوّقت فيه لموهبتها والوجبات التي تتقن طهيها، وأشارت إلى أنها أغلقت هذا المطبخ مع بداية رحلتها الدراسية في الدبلوم للتفرغ لتعلّم أسس هذا الفن.

ولفتت إلى أن تعلّم طريقة طهي الأكلات الغربية والشرقية وأسس تقديمها في الأطباق “يعكس ثقافة وتقاليد الشعوب والبلاد التي وجدت فيها”، وتضيف: “يعتبر ذلك أحد الجوانب التي يحبها الطاهي وتشكّل دافعًا لتعلم الأكلات الجديدة”.

تطوير المهارات

في السياق، قالت الحايك إنها تلقّت عددًا من الدورات التدريبية سواء في قطاع غزة أو بالخارج، عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وأردفت أن من بين تلك الدورات ورشة نظّمتها جمعية الطهاة العالمية “واكس” WACS (مقرّها فرنسا)، حيث تعلّمت منها فنّ تزيين الأطباق.

وقالت إن “تنظيم الأطباق بشكلٍ جميل وجذاب هو أمر لافت في المطبخ الفرنسي، حيث ركّزوا في دورتهم على اللمسات الفنية في التزيين خاصة للتفاصيل التي يتضمنها الطبق، مع الدقة العالية في ذلك”.

كما ركزّت إحدى الدورات التدريبية، بحسب الحايك، على “المطبخ الجزائري بما فيه الأكلات والحلويات الشعبية”.

وتقول إن “الجزائريين يكثرون من استخدام الخضار في أطباقهم الرئيسية وإضافة الأعشاب العطرية أيضًا”.

ومن أبرز التحديات التي واجهت الحايك، خلال رحلة تطوير المهارات، وفق قولها، أنه “في غزة لا تتوفر بعض أنواع الأجهزة اللازمة لإعداد أصناف مختلفة من الأطعمة، خاصة المرتبطة بالمطبخ الفرنسي الجزيئي الذي يتيح طهي الطعام بالطرق غير التقليدية (عن طريق استخدام الخبرة الفيزيائية والكيميائية لتحضير الوجبات)”.

كما لا يتوفر في قطاع غزة، خيارات لـ”التوسّع في الدراسة الأكاديمية لهذا الفن”، وفق الحايك.

مسابقات

وفي خطوة لتحقيق حلمها للمشاركة بمسابقات دولية، تقول الحايك إنها انضمّت لعدد من المسابقات الفلسطينية المحلية والعربية للطهي، وأوضحت أنها شاركت في مسابقة “كأس فلسطين” لعام 2020 وحصلت آنذاك على الميدالية الذهبية في المسابقة.

كما شاركت الحايك عام 2021 ضمن فريق فلسطيني، في مسابقة “أكلة عالمية” التي نظّمتها مصر، وحاز الفريق على الميدالية الفضية.

فيما شاركت بالمسابقة نفسها، بشكل فردي، وحازت على الميدالية الفضية أيضًا، عن طبقها للأكلات والحلويات الشعبية الفلسطينية كـ”الرمانية والمفتول والكنافة العربية”.

وتقول إن مشاركتها في تلك المسابقات كانت على حسابها الخاص، دون وجود دعم كامل لمشاركة الطهاة الفلسطينيين في المسابقات التي يتم تنظيمها بالخارج.

وتوضح أنها تخلّفت عن المشاركة بعدد من المسابقات الخارجية بسبب عدم توفّر الميزانية اللازمة لذلك.

وتطمح الحايك للمشاركة في مسابقات الطهي الدولية في المستقبل، لنقل الثقافة والعادات والتقاليد الفلسطينية من خلال الأطباق الشعبية، إلى العالم.

منافسة الرجل

بدورها تقول نور البطة، مديرة مركز “سمايل كتشن”، ممثلة نادي الطهاة الفلسطيني في غزة، إن “نظرة المجتمع لتعلّم فن الطهي بشكلٍ عام، وعمل المرأة في هذا القطاع، شهد تغيّرا خلال السنوات الماضية”.

وقالت في حديث للأناضول، إن “المرأة باتت تنافس الرجل في هذا الفن، فلم يعد الرجل يحتكر المهنة بغزة، ومؤخرًا تقدّمت عدد من إدارات المطاعم بطلب كوادر نسائية كاملة من الخريجات لدى الأكاديمية، لتوفير فرص عمل لهن”.

وتضيف إن “الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2006، خلق حاجزًا كبيرًا يفصل بين المجتمع والعالم الخارجي”.

وبفعل الحصار، أصبح أي شيء “جديد من نوعه مستهجن ومحط انتقاد”، على حدّ قولها.

ولفتت إلى أنها واجهت سيلًا من الانتقادات في بداية افتتاحها للمركز قبل نحو 7 سنوات، قائلة: “لم ألتفت وأكملت الطريق حتّى نشرت ثقافة فنّ الطهي”.

وتقول إن “هذا الفن بات كالعلوم الأخرى، فطهي أي وجبة أو صناعة أي نوع من العجين يعتمد على كميات ونسب معينة سواء من الدقيق أو المحسّنات المستخدمة، أو غيرها من المواد”.

وتذكر أن هذا “العلم أوجد فرقًا شاسعًا بين الطاهي الذي تخرّج من دبلوم دراسي وبين الطاهي الذي ورث المهنة من آبائه”.

وتفيد بأن المطاعم اليوم باتت تتجه لتقفّي “الاستشارات الإدارية والفنيّة حول معايير المطبخ وطرق التقديم، فضلاً عن أنها باتت تطلب طواقم من الشيفات (الطاهيات) الخريجات وليس الهواة”.

وتلفت إلى أن الأكاديمية منذ افتتاحها إلى عام 2022، خرّجت نحو ألف طاهٍ وطاهية، وأن الأكاديمية حصلت على اعتراف من “واكس” في فرنسا، وباتت تقدّم دعمًا للخريجين القادرين على منافسة الطهاة على المستوى العربي والدولي.

وتردف: “شارك عدد من الطهاة الفلسطينيين في مسابقات دولية أو عربية، وساهمت الأكاديمية في توفير الدعم لهم”.

غياب الاهتمام

تشكو البطة من عدم اهتمام الشركات الكبرى في غزة أو المؤسسات الدولية، بهذا المجال.

وتوضح أن “فن الطهي لا يختلف عن الفنون الأخرى أهميةً، حيث إنه يعبّر عن ثقافات الشعوب ويؤصّل لها، وتنظّم لأجله مسابقات عالمية لطهاة يمثّلون بلادهم”.

وتسترسل: “فن الطهي يحظى باحترام كافة الدول، ويجب أن يحظى بهذا الاحترام في الأراضي الفلسطينية ويحصل على الدعم اللازم لتمكين الطهاة من الظهور والمشاركة الدولية”.

ويحظى فن الطهي باهتمام عالميّ، حيث أنشأت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” عام 2004 شبكة للمدن الإبداعية لتعزيز التعاون الدولي بين المدن الملتزمة بالاستثمار في مجالي الثقافة والإبداع، من أجل الدفع بعجلة التنمية المستدامة والنهوض بها.

وتشمل الشبكة سبعة مجالات إبداعية، هي: الحرف والفنون الشعبية، والفنون الإعلامية، والتصميم، وصناعة الأفلام، وفن الطبخ، والأدب، والموسيقى.

التحرير – الأناضول