السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

أحداث مدينة سبتة.. الثابت والمتغير في علاقة إسبانيا بالمغرب


فيما لا يخرج عن إطار “نظرية المؤامرة” التي تهيمن على الفكر السياسي العربي في تفسير الأحداث، يحاول بعض الكتّاب والمدونين ربط أحداث سبتة الأخيرة بمؤامرة كبرى تستهدف حكومة بيدرو سانشيز، لإجبارها على دفع ثمن مواقفها من غزة وإيران. وإن كنا لا نستطيع نفي هذا الاحتمال بصورة قاطعة، فإنه يبقى، في جميع الأحوال، عاملا هامشيا في فهم طبيعة وأهداف “أحداث سبتة” الحالية، التي تندرج ضمن ثابت هو “الابتزاز”، ومتغير هو “الرقص مع الذئاب”، تبعا لتحولات العلاقات الدولية.

الحقيقة أن “الابتزاز” يمثل عنصرا ثابتا في إدارة المغرب لعلاقاته الدولية، ولا سيما الإقليمية. ولا تقتصر هذه الممارسة على دول الجوار المباشر، بل تمتد إلى أوروبا عموما، التي تعد أكثر الأطراف تعرضا لهذا “التنمر” الممنهج من جانب الرباط. وقد تحول هذا السلوك إلى تقليد راسخ منذ تصريح الملك الحسن الثاني سنة 1994: “إذا لم نتمكن من تصدير طماطمنا إلى أوروبا، فإن الأمر سينتهي بنا إلى تصدير إرهابيين”.

تتعرض غالبية الدول الأوروبية اليوم لابتزاز ممنهج بهدف دفعها إلى دعم مقترح “الحكم الذاتي”، من خلال استخدام ورقة المهاجرين، وخاصة القُصّر.

تبقى إسبانيا، على امتداد العقود الماضية، أكثر الدول الأوروبية تعرضا للابتزاز المغربي، إلى درجة أن ذلك بدأ يؤسس تدريجيا لما يشبه “متلازمة المغرب” في السياسة الخارجية الإسبانية، والمتمثلة في الاستمرار في تقديم التنازلات سعيا وراء وهم إقامة علاقات مستقرة ومتميزة مع الجار الجنوبي.

ولعل رسالة رئيس الحكومة الإسبانية إلى ملك المغرب في مارس 2022، التي أعلن فيها ما يمكن وصفه بـ”أم التنازلات”، عبر دعم المقترح المغربي بشأن حل نزاع الصحراء الغربية، تمثل أحدث تجليات هذا النهج.

برر سانشيز حينها هذا “الانقلاب الراديكالي” في موقف القوة الاستعمارية السابقة، التي ما تزال، وفق القانون الدولي، القوة المديرة للإقليم، بأنه يهدف إلى:

  • ضمان الوحدة الترابية لإسبانيا والاعتراف النهائي بسيادتها على سبتة ومليلية.
  • معالجة ملف الهجرة غير النظامية.
  • إعادة فتح جمارك سبتة ومليلية.

بعد أربع سنوات، تقف إسبانيا أمام حقيقة مفادها أن “التنازل المؤلم” المتعلق بمسؤولياتها التاريخية تجاه الصحراء الغربية وشعبها جاء بلا مقابل. فقد أكد المغرب، في أكتوبر 2022، ضمن مراسلة رسمية إلى الأمم المتحدة في جنيف، أنه “لا تربطه حدود برية مع إسبانيا”. وإلى اليوم، ما يزال اقتصاد مدينتي سبتة ومليلية يعاني بسبب استمرار إغلاق جماركهما من جانب المغرب.

أما ملف الهجرة، فإن سواحل جزر الكناري تشهد موجات غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، فيما تقدم المشاهد المأساوية التي سُجلت مؤخرا في سبتة دليلا إضافيا على أن استمرار مدريد في الرضوخ للابتزاز المغربي لم يعد خيارا مطروحا. ويضاف إلى ذلك أن هذه المقاربة، فضلا عن افتقارها إلى البعد المبدئي والأخلاقي في إدارة العلاقات الدولية لدولة بحجم إسبانيا، تلحق ضررا مباشرا بمصالحها القومية، وبمصالح أوروبا، ودول الجوار المباشر.

للأسف، شكل التحول في الموقف الإسباني من النزاع نقطة انعطاف سلبية، خاصة في السياق الأوروبي. فبدلا من الانتصار للقانون الدولي، جرى دعم أجندة تقوم على التوسع والالتفاف على الشرعية الدولية، الأمر الذي أسهم في إشعال نار ستطال إسبانيا قبل غيرها، عاجلا أم آجلا. وهذا هو الثابت الحقيقي لفهم ما يجري اليوم في سبتة، وما قد تشهده المنطقة مستقبلا.

أما المتغير المتمثل في “الرقص مع الذئاب” ضمن المشهد الدولي الراهن، فيتمثل في سعي الرباط، بوصفها الحليف الأقرب لإدارة ترامب و”إسرائيل”، إلى استثمار ما تراه تفوقا تكتيكيا في موازين القوى أمام إسبانيا، التي تواجه ضغوطا سياسية، بهدف إعادة صياغة العلاقة معها والحصول على مكاسب جديدة بعد تراجع أثر رسالة مارس 2022. وقد برز ذلك بصورة أوضح عقب زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، ولقائه الرئيس عبد المجيد تبون، واتفاقهما على إعادة إطلاق العلاقات والمشاريع المشتركة.

غير أن رياضة “الرقص مع الذئاب” ليست مريحة، ولا تضمن دائما نتائج مأمونة. فالرئيس ترامب، الذي يعد من أبرز الداعمين للمغرب، لم يتردد في وصف أحداث سبتة بأنها “اجتياح لإسبانيا”. والسؤال الذي يفرض نفسه: اجتياحٌ ممّن؟

Author بابا السيد لعروسي
صحفي ودبلوماسي صحراوي