الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أدب الرحلة المعاصر.. هل قتلت الصورة البصرية عمق التجربة الإنسانية؟

Author
هارون عمري 02 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تجسد الرحلة في التاريخ الفكري الإنساني أحد أهم الروافد التي قام عليها بناء الوعي النقدي وتفكيك المركزيات الثقافية الصلبة، حيث اعتمدت تلك النصوص الخالدة على تجربة الانزياح الجغرافي والاجتماعي لمواجهة الآخر واكتشاف الأنا في مساحة مفتوحة من الحوار الحضاري، غير أن التحوّل الهيكلي الذي أصاب الحركة عبر الحدود في العصر الحديث حوّل الفعل من مكابدة وجودية ومعرفية إلى سياحة استهلاكية معولمة توجهها خوارزميات المنصات الرقمية، وهو ما يضع الحقل الثقافي أمام سؤال حارق حول مدى قدرة الاغتراب الميداني المعاصر على صقل الرؤية الفكرية الكاشفة، حيث انعكس ذلك على الكتابة في حد ذاتها بما غيّر مفهوم أدب الرحلة في هذا العصر التكنولوجي.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الناقد وأستاذ الأدب بجامعة بجاية، البروفيسور لونيس بن علي، أن الهجرة أصبحت إحدى السمات البارزة للعصر الحديث، رغم تحوّلها في بعض الدول إلى قضية سياسية، معتبراً أنها في جوهرها تعكس سعي الإنسان إلى البحث عن آفاق أرحب وحياة أفضل عندما تضيق به سبل العيش في وطنه.

المكابدة المعرفية بين تحفة ابن بطوطة ومادية الشاشات

تأسس أدب الرحلة الكلاسيكي في الذاكرة العربية والغربية على مفاهيم الشدة والمكابدة وقطع القفار بحثاً عن المعرفة، وهو ما تتجلى أبعاده في مدونات الرحالة الأوائل الذين خاضوا تجارب الاغتراب الميداني الشاقة، إذ تظهر مذكرات ابن بطوطة في “تحفة النظار” ورسالة ابن فضلان في توثيقه لبلاد الصقالبة كيف تحوّل الانزياح الجغرافي إلى صدمة حضارية تعيد تشكيل وعي الذات تجاه الآخر، وتفكك الاستعلاء الثقافي المتبادل عبر المعايشة المباشرة والتأمل العميق، متصلة بإرهاصات الحداثة مع رفاعة الطهطاوي في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، وأندريه جيد في “رحلة إلى الكونغو”، حيث شكّل الاغتراب الفعلي منصة لتفكيك النظرة الاستعمارية ونقد الموروث وتأصيل المعرفة المكتسبة من الواقع الحي.

وتتراجع اليوم هذه المكابدة المعرفية التاريخية أمام سيادة المشهد الرقمي، إذ يكتفي المسافر المعاصر باستهلاك الفضاءات الجغرافية الجاهزة عبر منصات التواصل والخرائط التفاعلية، فتختفي لحظة الدهشة الأولى التي ولد من رحمها النص الرحلي الخالد، وتستبدل بانطباعات خاطفة تصوغها خوارزميات الترويج البصري المقترنة بالنزوع الاستهلاكي الحديث.

وأوضح البروفيسور لونيس بن علي أن الهجرة كانت عبر التاريخ أحد أهم مصادر التجديد الثقافي والفكري، لما تتيحه من احتكاك مباشر بالحضارات والثقافات المختلفة، وهو ما يسهم في توسيع آفاق الإنسان وإثراء معارفه.

تتجلى هذه المفارقة بين الأمس واليوم في طبيعة المنتج الكتابي المتولد عن الترحال، حيث تحوّل النص من وثيقة موسوعية تحتفظ بقيمتها التاريخية والأنثروبولوجية لعقود متطاولة إلى نوع آخر من التدوينات لا ترتكز على التوثيق المتوفر لدى الجميع، ولكن على أساسات أخرى داخل النص كالتجربة الذاتية والنفس التحليلي والتفاعلي لدى الكاتب مع الأمكنة، وهو ما يشكل الاختلاف من تجربة إلى أخرى، ولا نجده دائما كمعلومة توثيقية، ما يغيّر تجربة الكتابة المعاصرة من توثيق التحولات الاجتماعية الثقافية في المجتمعات المزارة إلى تحليل الظواهر وانعكاسها لدى الزائر ما بين الصورة الاستباقية والصورة التي ترسخت فيما بعد.

سطوة الصورة البصرية وانكماش المساحة السردية للنص

يواجه الكاتب في العصر الرقمي تحدياً بنيوياً ينبع من منافسة الصورة السريعة والتغطيات التفاعلية التي تقدم للجماهير تفاصيل المدن والمجتمعات قبل أن تطأها قدما الأديب، ما أدى إلى تقليص التأثير الذي كان يتمتع به السرد الوصفي التقليدي الذي كان يعتمد عليه الرحالة لنقل مشاهداته إلى القارئ، وفرض هذا الانفجار البصري على أدب الرحلة المعاصر الهروب من التوثيق السطحي للجغرافيا والتاريخ المباشر نحو الاشتغال على التحليل الأنثروبولوجي والفلسفي، والبحث في المفارقات الاجتماعية والتحوّلات النفسية التي يخوضها المسافر في زمن التنميط الثقافي، معتمداً على أدوات التعبير الحديثة التي تجعل من اللغة حصناً لأصالة التجربة الإنسانية.

يولد طغيان المحتوى الرقمي حالة من الشبع المعرفي المزيف لدى المتلقي، حيث يخيّل للمتابع أنه اكتشف العالم وعرف كنه المجتمعات بمجرد مشاهدة المقاطع الخاطفة، في حين أن هذه الوسائط تنقل القشور الجمالية وتغفل الأبعاد الاجتماعية والتاريخية العميقة.

وشدد الناقد لونيس بن علي على أن التطور التكنولوجي، رغم ما يوفره من فرص للتواصل مع الآخر، لا يمكن أن يعوّض تجربة السفر والتنقل الفعلي، لأن الاحتكاك المباشر بالمجتمعات والثقافات المختلفة يظل أكثر قدرة على بناء الخبرة الإنسانية وتوسيع الرؤية.

تدفع هذه الهيمنة البصرية الباحث الأدبي إلى إعادة النظر في الوظيفة التعبيرية للنص المكتوب، إذ يغدو لزاماً على أدب الرحلة الحديث البحث عن أفق سردي مغاير يتجاوز السطح الذي تلتقطه عدسات الكاميرا، والتركيز على مكاشفة الظواهر النفسية والانفعالية المعقدة التي تنشأ أثناء مواجهة المكان الغريب، وهي مساحات شعورية محتجبة تستعصي على أي توثيق تقني آلي.

تنميط الفضاءات المعولمة واختزال التنوع الثقافي

تتسبب تطبيقات العولمة الاقتصادية في إلغاء الفروق الثقافية البنيوية بين العواصم والمدن الكبرى، حيث بات المسافر ينتقل بين فضاءات معمارية وتجارية متماثلة توفر نفس الخدمات الاستهلاكية والأنماط المعيشية من فنادق ومطاعم ووسائل نقل متطابقة، ما يقلل من فرص الاحتكاك المباشر بالثقافة المحلية الخالصة لكل مجتمع.

وتنتج هذه المماثلة العمرانية حالة من الاغتراب المعزول الذي يمنح الفرد شعوراً وهمياً بالتواجد في ثقافة مغايرة، في حين أنه يتنقل داخل بيئة نمطية معزولة عن النسيج الاجتماعي الحقيقي للمواطنين الأصليين، وهو ما يحرم الكاتب من المادة الخصبة التي كانت تغذي النصوص الأدبية في العقود الماضية.

ينعكس هذا التوحيد النمطي للمجالات العمرانية والسياحية في اختفاء ثنائية “الأنا والآخر” التي بُني عليها أدب الرحلة التقليدي، إذ تحوّل العالم إلى مشهد واحد مكرر يفتقر إلى عناصر التباين الشديد والتعدد الثقافي المباشر، ما يحرم الكاتب المعاصر من وقود المفاجأة والدهشة الحضارية التي غرس عليها الرحالة القدامى تحفهم الأدبية.

التحولات الموضوعاتية من أدب الاستكشاف نحو أدب المنفى

يشهد أدب الرحلة في تحولاته المعاصرة انزياحاً عميقاً في بوصلته الموضوعاتية، إذ ينفصل عن أدبيات الاستكشاف والرفاهية السياحية ليتصل بالهجرة القسرية وتجربة الاقتلاع من المكان، تحسساً لأزمات الهوية والانتماء التي تخلفها الحدود المغلقة والنزاعات السياسية في العالم المعاصر.

يتجسد هذا التحوّل في نصوص مفصلية تناولت ارتحال الذات المغتربة ومكابدة العبور، كما يتجلى في اشتغالات مفكرين وأدباء معاصرين أصّلوا لمفهوم “الهويات القاتلة” ووجع الترحال الدائم بين ضفتين، فضلا عن الشهادات الأدبية التي ترافق ظواهر النزوح القسري عبر الحدود البرية والبحرية.

تكتسب الكتابة الرحلية بهذا المنظور حمولة نقدية ووظيفة شهادة تاريخية، عندما تمنح الصوت للمهمشين والمهجّرين الذين تغيّبهم التغطيات الرقمية الخاطفة، وتختزل قصصهم في أرقام وإحصائيات صماء.

تتضح القوة الأخلاقية لهذا التدوين الحديث في قدرته على نقد آليات التهميش وسياسات الحدود، حيث يتحوّل النص من مجرد وصف لمعالم الجغرافيا إلى تعرية للتصدعات السياسية والاجتماعية، وإعادة اعتبار للإنسان المغترب كفاعل حضاري يبحث عن المعنى والكرامة.

تثبت هذه التجارب أن الرحلة المعاصرة، حين تفقد طابعها الاستهلاكي الترفيهي، تستعيد دورها الوجودي الأصيل في نقد الواقع وترسيخ أبعاد التضامن الإنساني، معلنة بداية مرحلة جديدة يتحدد فيها النص الرحلي بمقدار ما يوثقه من تحولات وجودية ونضالات إنسانية حية.

الكاتب عبد الرزاق بوكبة

رهانات التجديد السردي وأفق أدب البيت في النص المعاصر

تستدعي التحولات التكنولوجية والثقافية الراهنة صياغة أساليب تعبيرية تجدد البنية المفهومية لأدب الرحلة وتصون عمقه المعرفي والنقدي، وذلك عبر استثمار تقنيات السرد الروائي والتحليل الأنثروبولوجي الميداني للعبور بالنص إلى تفكيك الظواهر الاجتماعية والثقافية المعقدة، والابتعاد عن الوصف الجغرافي السطحي الذي أضحت توفره المنصات الرقمية بكفاءة وسرعة.

ويرتبط استمرار هذا الجنس الأدبي بقدرته على حماية الأمن الثقافي وترسيخ وعي نقدي يتخذ من الارتحال وسيلة لتوسيع المدارك الإنسانية، متجاوزاً وهم السفر الافتراضي والمعرفة السريعة التي تصنعها مجتمعات الشاشة والتطبيقات الرقمية المعزولة عن النسيج البشري الحي.

وتتجسد الممارسة الأدبية الرافضة للتنميط في تقديم نماذج سردية تجمع بين دقة التوثيق وعمق التناول الإنساني، بما يعيد صياغة العلاقة بين الذات المبدعة والمكان، ويضمن استمرارية النص الرحلي بوصفه وثيقة حضارية تقاوم السطحية الرقمية وتصون الذاكرة الجمعية للمجتمعات.

وفي هذا الأفق المتجدد للنص الجزائري المعاصر، يبرز نموذج سردي يعيد تعريف مفهوم الجغرافيا نفسها، كما يتجلى في التجربة التدوينية للكاتب والروائي عبد الرزاق بوكبة عبر كتابه “مسافر في البيت”، وما تلاه من تأملات مفاهيمية، إذ يعيد الكاتب صياغة شرط السفر التقليدي القائم على قطع المسافات الجغرافية، ليؤسس لما يُعرف بـ”أدب البيت” و”أدب الغرفة” في لحظات المرض والحجر الاضطراري، محولاً الجسد المنهك والجدار المغلق إلى مسرح لارتحال ذكرياتي ونقدي واسع النطاق.

ينتقل بوكبة في هذه التجربة من التدوين الذاتي اليومي إلى التنقيب في الذاكرة الجمعية وتفكيك التحولات الاجتماعية والسياسية للواقع، إذ ينطلق من تفاصيل المكان الضيق ليعود إلى مجاهل الطفولة وشواهد القرية، منقباً بعين المفكر في أزمات التنوير، والذكورة، والفجوات التنموية والثقافية بين الريف والمدينة، لينتج نصاً إنسانياً يثبت أن أصالة أدب الرحلة تتحدد بعمق الكشف الفكري والقدرة على انتزاع الحقيقة الإنسانية من بين طيات مادية العصر الرقمي، بعيداً عن أوهام البعد المادي للمسافات المقطوعة بالوسائط الحديثة.

ويظل الارتحال المباشر، سواء تمثل في اختراق الحدود الجغرافية أم في الغوص في أعماق الذات والمكان المغلق، الحصن الأمتن لبناء الفكر النقدي المستقل، وتأكيد قدرة الكلمة المكتوبة على صيانة الأثر الحضاري للتفاعل الإنساني الخالد.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"