الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أدب الكوارث والأزمات.. حين تتحول المأساة إلى ذاكرة تقاوم النسيان 

Author
هارون عمري 01 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

 يتحول “أدب الكوارث والأزمات” إلى وثيقة وجدانية وحضارية بالغة الأهمية، إذ يتعمق النص الإبداعي في تفكيك الصدمة النفسية الجمعية، وتخليد تضحيات الإنسان، واستنطاق مشاعر الفقد والأمل والتضامن التي تولد من قلب المأساة، بما يجعل الكتابة أداة للتعافي والتشافي، وحصنًا يحفظ الذاكرة الوطنية من النسيان والتلاشي. 

وترى الناقدة والأستاذة الجامعية، الدكتورة سامية غشير، أن الأدب رافق أصعب اللحظات التي مرت على البشرية، وصوّر الألم والضياع واستشرف الأمل والخلاص، مع ضرورة منح الواقع صياغة جمالية تحقق للنص فرادته، فيما يؤكد الشاعر الشعبي البار البار أن الأزمات تحرك النفس المبدعة، وتدفعها إلى تصوير التضامن وتحريك الشعور الجمعي، مشيرًا إلى أن النصوص المكتوبة تحت وطأة الصدمة تميل إلى المباشرة، ويمنحها الصدق قدرة سريعة على الوصول إلى المتلقي والبقاء في ذاكرة من عاصروا الحدث. 

الكارثة تكتب التاريخ الإنساني الحساس 

في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، قالت الناقدة والأستاذة الجامعية، الدكتورة سامية غشير، إن الأدب، شعرًا ونثرًا، طالما احتفى بكتابة أصعب اللحظات التي مرت على البشرية، وخلّد أبرز الكوارث الإنسانية التي تركت أثرًا ووجعًا وألمًا، فجاء الحرف ليعبر بعمق عن ملامح الجرح والضياع، ويستشرف مواطن الأمل والانعتاق والخلاص. 

وتمنح الكارثة الأديب مادة كثيفة تختلط فيها التجربة الفردية بالمصير الجماعي، إذ لا يكتب عن خسارة مادية معزولة، وإنما يقترب من الخوف والفقد والعزلة وانهيار الإحساس بالأمان، كما يرصد ما يتولد في المقابل من تضامن وشجاعة وتضحية وإصرار على استعادة الحياة. 

وقالت غشير إن الكوارث تكتب التواريخ الإنسانية الأشد حساسية وأهمية وتأثيرًا، وإن الإبداع الأدبي يواكب اللحظات الكابوسية ويرسمها، فتأتي مشاهد القصيدة فوتوغرافية ومرئية، وتقول الوجع في أقسى صوره. 

ويختلف النص الأدبي عن التقرير الذي يحصي الضحايا والمساكن المحترقة وحجم الأضرار، لأنه يبحث عن أثر الحدث في باطن الإنسان، وعن الطريقة التي غيّر بها علاقته بالمكان والأسرة والموت والمستقبل، وقد تحفظ جملة روائية أو صورة شعرية إحساسًا جماعيًا يصعب العثور عليه لاحقًا في الوثيقة الإدارية. 

نصوص خالدة ولدت من الأوبئة 

استحضرت غشير نماذج أدبية ارتبطت بالأوبئة والكوارث الإنسانية، من بينها قصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة، ورواية “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز، ورواية “الطاعون” لألبير كامو، وغيرها من الأعمال التي تماهت مع الهم الإنساني، وصورت شرخ الذات وبواطن القلق والمناطق المظلمة في التجربة البشرية. 

وكتبت نازك الملائكة قصيدة “الكوليرا” سنة 1947 متأثرة بتفشي الوباء في مصر، واستطاعت أن تحوّل أخبار الموت الجماعي إلى بناء شعري ارتبط بتجديد إيقاع القصيدة العربية، إذ جاءت حركة الأسطر وتكراراتها متصلة بحالة الخوف وتسارع نقل الضحايا، وتحولت الاستجابة العاجلة لحدث صحي إلى علامة بارزة في مسار الشعر العربي الحديث. 

أما “الطاعون” الصادرة سنة 1947، فقد جعلت مدينة وهران فضاء لسؤال الإنسان عن مسؤوليته أمام الألم الجماعي، وركزت على استجابة المجتمع للوباء وما يفرزه الخطر من عزلة وتضحية وتوتر بين المصلحة الفردية والمسؤولية العامة، ولهذا استعاد القراء العمل خلال الأزمات الصحية اللاحقة بوصفه نصًا يتصل بمقاومة اليأس وبناء التضامن. 

وتوقفت غشير عند جائحة كورونا التي عرفها العالم منذ سنة 2020، وما خلفته من خسائر بشرية وخوف وعزلة واضطراب في حياة الأفراد والمجتمعات، مشيرة إلى أنها ساهمت أيضًا في تنمية الوعي وإظهار صور من التكافل الاجتماعي والعودة إلى القيم الروحية، وألهمت عددًا كبيرًا من المبدعين. 

وقد أنتجت الجائحة يوميات وقصائد وروايات ومسرحيات وأفلامًا وشهادات تناولت العزلة والخوف من العدوى وفقدان الأقارب وعمل الأطباء، وستشكل هذه المادة مستقبلًا سجلًا موازيا للوثائق الصحية، لأنها تحفظ الطريقة التي عاش بها الناس الأزمة، واللغة التي استخدموها لفهمها ومقاومة آثارها. 

الصدق يسبق الصياغة تحت الصدمة 

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال الشاعر الشعبي البار البار إن الظواهر الاجتماعية والوقائع الكبرى تحرك النفس الشاعرة والمبدعة، وتدفع صاحبها إلى التعبير عما يختلج داخله من أحاسيس كامنة، وإظهار موقفه تجاه ما يمر به المجتمع من أزمات وكوارث طبيعية. 

وأضاف أن المبدع يعبر من خلال عمله عن حالة التضامن التي يعيشها المجتمع تجاه هذه الوقائع، لأنه الأقدر على التصوير الحسي المنظم داخل قوالب أدبية وفنية معروفة، تشمل القصة والرواية والنص النثري والشعر واللوحة والأغنية والمسرحية. 

ويرى البار البار أن الإبداع يحرك الشعور الجمعي، ويدفع المتلقي إلى الاندماج مع النص وتبني مخرجاته الإنسانية والوطنية، لأن العمل ينقل تجربة شعر بها الناس، ثم يعيد تقديمها في صورة تمنحهم القدرة على التعرف إلى أنفسهم ومشاعرهم المشتركة. 

وأوضح أن النصوص التي تكتب تحت تأثير الوقائع تكون فيها المباشرة أوضح من الأعمال التي تبنى على الصورة والخيال والرمزية والإحالات، لأن الكاتب يعمل تحت وطأة الصدمة، واستشهد بمعنى أن الباكي لا ينمق كلماته، والمستغيث لا يختار أحسن ما في مخزونه من كلام. 

ويمنح الصدق، وفق هذا التصور، النص طريقًا أقصر إلى المتلقي الذي يكون قريبًا زمنيًا ووجدانيًا من الحدث، ولا يحتاج في اللحظة الأولى إلى تحليل مطول وقراءة متأنية بقدر حاجته إلى خلفية واضحة تعبّر عن الخوف والحزن والتضامن. 

غير أن المباشرة التي تفرضها اللحظة لا تمنع مراجعة النص لاحقًا، فالكتابة الأولى قد تكون شهادة انفعالية تحتفظ بحرارة الحدث، ثم تأتي مرحلة الاشتغال الفني التي تعيد ترتيب التجربة وتحميها من الذوبان في الخطاب العابر. 

الجماليات تنقل الحدث إلى الخلود 

تؤكد الدكتورة سامية غشير أن الكاتب الحقيقي لا ينقل الواقع بتفاصيله وجزئياته ودقائقه كما وقعت، وإنما يصبغ نصه بجماليات تمنحه شعرية متفردة على مستوى اللغة والصورة والإيقاع والخيال والرمز والتكثيف والبناء الهندسي. 

فالأدب لا يكرر الكارثة في صورة تقرير آخر، وإنما ينتقي منها ما يكشف طبيعة الإنسان، ويعيد تنظيم الزمن والأصوات والذكريات، ويمنح الضحية اسمًا وملامح وحكاية، ويستطيع النص أن ينتقل من وصف بيت احترق إلى مساءلة علاقة الإنسان بالمكان، ومن تسجيل وفاة شخص إلى استكشاف الفراغ الذي تركه داخل أسرته ومجتمعه. 

وترى غشير أن الإبداع مغامرة وتجديد وتجريب، وأنه يحتاج إلى ثورة فنية توظف أساليب وأنماطًا جديدة تحقق له الفرادة والاختلاف والخلود الشعري، وقد تدفع الكارثة المبدع إلى البحث عن شكل غير مألوف، لأن القوالب المعتادة قد تعجز عن احتواء حجم الصدمة. 

وتظهر هذه الحاجة في تعدد الأصوات داخل الرواية، وتداخل الشهادة بالخيال، والاستناد إلى اليوميات والصور والرسائل والتسجيلات، أو تفكيك التسلسل الزمني حتى يقترب البناء من ذاكرة الناجي التي تستعيد الحدث في شظايا متقطعة. 

ويؤكد البار البار أن النصوص الصادقة تبقى خالدة لدى من عاصروا الوقائع وأحسوا بما تحمله من مشاعر، وقد تتحول إلى مادة تدرس في البحوث التاريخية وتصنيفات الأدب، على غرار أدب التحرر وأدب الرحلة، بما يسمح بتبلور مجال يمكن تسميته أدب الظواهر الاجتماعية والوقائع الكبرى. 

كتاب النار يواجه محو الذاكرة 

تمثل مبادرة “دار خيال” لنشر العمل الجماعي “كتاب النار”، بإشراف الدكتورة نصيرة مغمولي، نموذجًا حيًا لقدرة الإبداع على تخليد اللحظات الفارقة واختراق النسيان، حيث يتجاوز النص الأدبي توثيق الكوارث والأحداث الطارئة نحو ملامسة الظواهر الاجتماعية الكبرى، وإعادة قراءة الواقع الإنساني المشترك. 

ويكتسب العمل الجماعي أهميته من جمعه زوايا وتجارب وأصواتًا مختلفة حول حدث واحد، إذ لا تحتكر ذاكرة الكارثة رواية منفردة، وإنما تتشكل من شهادات الناجين والمتطوعين والأسر والمبدعين الذين تابعوا تفاصيلها، ومن ذاكرة القرى والمدن التي حملت آثارها. 

وحين يستجيب الأدب لهذه المحطات الحارقة، يتحول من تدوين انطباعي عابر إلى مدونة جمالية وفكرية تترجم مشاعر المجتمع، وتصوغ ذاكرته الجمعية، وتمنح الأحداث قيمة إنسانية تقاوم الاندثار. 

الكتابة تعيد ترتيب الألم والمعنى 

يمكن للكتابة أن تمنح الفرد مساحة لتسمية أحاسيسه وترتيب ما عاشه داخل سرد مفهوم، فتنتقل التجربة من صور مبعثرة ومخيفة إلى كلمات تربط الأحداث بأسبابها ونتائجها، وقد تساعد هذه العملية بعض الأشخاص على تخفيف التوتر وبناء معنى شخصي لما حدث. 

وتشير دراسات في الكتابة التعبيرية إلى أن تدوين التجارب المؤلمة والمشاعر المرتبطة بها ضمن جلسات محددة ارتبط لدى بعض المشاركين بتحسن في مؤشرات نفسية وجسدية، كما تستخدم تقنيات الكتابة داخل بعض الممارسات العلاجية بوصفها أداة مساعدة على الاستبصار والتعافي والنمو الشخصي. ولا تعد الكتابة بديلًا عن الرعاية النفسية المتخصصة في الحالات التي تتطلب علاجًا. 

ويمارس السرد وظيفة جماعية أيضًا، لأن قراءة شهادة تشبه تجربة القارئ تخفف شعوره بالعزلة، وتمنحه لغة يستطيع بها وصف ألمه، فيما تساعد قصص التضامن والإنقاذ على استعادة الثقة بالآخرين بعد اهتزاز الإحساس بالأمان. 

ويحتاج الكاتب مع ذلك إلى مسافة فنية وأخلاقية تمنعه من استغلال الألم، وتحفظ حق الضحايا في الصمت والخصوصية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو بالعائلات التي فقدت أفرادًا منها، فالقيمة الأدبية لا تبرر كشف ما لا يريد صاحبه نشره أو تحويل مشاهد الفقد إلى وسيلة للإثارة. 

ويؤدي أدب الكوارث مهمته حين يحفظ الإنسان داخل الحدث، ويمنع اختزاله في رقم ضمن حصيلة الخسائر، ويربط الذاكرة بالأسماء والأماكن والأصوات والمواقف الصغيرة التي صنعت ملحمة التضامن، عندها تتحول المأساة إلى معرفة وتجربة جمالية وشهادة إنسانية، ويصبح النص فضاء يحفظ الوجع، ويستعيد الأمل، ويمنح المجتمع ذاكرة حية تقاوم النسيان. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"