أربع قتيلات في شهر واحد.. القانون لا يحمي النساء في تونس!

تظهرُ عبارات مثل “أوقفوا قتل النساء” و”أنت الضحية القادمة” على شكل لافتات يمّ رفعُها ـ من بين شعارات أخرى ـ خلال احتجاجات تنظّمها ـ كل أسبوع تقريبا ـ جمعيات نسوية في تونس وذلك تنديدا بما تصفه الحقوقيات هناك بـ”تواصل ظاهرة العنف القاتل الذي يستهدف النساء”.

وعبّرت جمعية النساء الديمقراطيات في تونس عن استنكارها الشديد لـ”تواصل أحداث العنف في البلاد ضد النساء”، موضّحة ـ في بلاغ لها ـ أن الخروج إلى الشارع يأتي لـ”التنديد بغياب الدولة”، وذلك أياما بعد حادثة اغتيال شابة من محافظة الكاف على يد زوجها.

ووصفت الجمعية مقتل الشابة وفاء السبيعي بأنه يأتي ضمن سلسلة النساء اللواتي ذهبن ضحية العنف الزوجي، في بلد كان يُعتبر سباقا على مستوى حقوق النساء، بينما تتخلّى الدولة اليوم عن دورها في حماية النساء من العنف المسلّط ضدهن.

القانون فقط لا يحمي النساء

في أقل من شهر، لقيت 4 نساء في 4 مناطق مختلفة من الجمهورية، نهايتهن بالقتل، “لمجرد أنهم نساء” بحسب تعبير الجمعية التي خرجت مناضلاتها إلى منطقة الكاف، للتنديد بـ”غياب الدولة” وتجاهلها لتفاقم هذه الظاهرة الخطيرة والتحذير من “استشرائها”.

ورغم مرور أربع سنوات على دخول قانون مناهضة العنف ضد النساء حيز النفاذ، إلا إن حالات القتل وسط النساء في تونس تتزايد، دون اكتراث من الوحدات المختصّة بالمخاطر التي تهدّد حياة الضحايا وسلامتهن، فيما تحتفي المؤسسات الرسمية بصدور قانون مناهضة العنف ضد المرأة في المنابر والمناسبات، لكنْ، دون تطبيق هذا القانون على أرض الواقع.

“صمت” غير مبرّر

وأمام ما وصفته “بالصمت غير مبرّر” أعلنت مؤخرا «الديناميكية النسوية في تونس»، عن مقاطعتها نشاطات وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن المبرمجة في إطار الحملة الدولية لمناهضة العنف ضد النساء، وذلك “احتجاجا على الصمت المتواطئ وضعف التحرّك من أجل حماية النساء ضحايا العنف”.

وأطلق حراك «الديناميكية النسوية» الذي يضمّ منظمات وجمعيات نسوية صيحة فزع بعنوان “أوقفوا قتل النساء”، حين تعالت الأصوات الحقوقية الداعية إلى ضرورة وضع تقييم مشترك للإستراتيجية الوطنية الخاصة بمناهضة العنف ضد المرأة وبلورة خطة عمل خاصة.

كما دعا حراك «الديناميكية النسوية» إلى العمل على إيقاف العنف الزوجي والتخفيف من آثاره على الناجيات منه، إلى جانب المطالبة برصد ميزانية كافية وملائمة توفّر الحماية للنساء وتساعد على مكافحة العنف الاجتماعي بكافة أشكاله، تطبيقا للقانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.

جرائم “مروعة”

وتقول سارة بن سعيد رئيسة جمعية أصوات تونس لـ«الأيام نيوز» إن “وزيرة المرأة التونسية لم تقدم إحصائيات دقيقة عن عدد النساء اللواتي فقدن حياتهن جراء العنف، وبالمقابل، فإن هناك منظمات في المجتمع المدني تقول إن النساء اللواتي تم قتلهن منذ بداية سنة 2022، بلغ عددهن 16 امرأة نتيجة العنف الزوجي”.

وتعتبر بن سعيد أن “عديد النساء في تونس يلجأن إلى طلب الحماية الأمنية، لكن، لا يتم توفير هذه الحماية لهن مثل رفقة الشارني”، وهي شابة وأم لولد، قام زوجها ـ وهو عنصر في الحرس الوطني التونسي ـ بإطلاق خمس رصاصات من سلاحه الوظيفي عليها فأرداها قتيلة، وذلك بمنطقة الكاف بالشمال الغربي لتونس.

وكانت «رفقة» قبل مقتلها قد توجهت بشكاية رسمية ضد زوجها لاعتدائه عليها بالعنف، وحصلت بالفعل على شهادة طبية تثبت تعرضها للعنف، ما استوجب عشرين يوما من الراحة لها، لكن الزوج بقي في حالة سراح حتى قتلها، ثم أُلقي القبض عليه بعد الجريمة.

ظاهر قتل النساء في تونس على يد أزواجهن لم تتوقف عند رفقة الشارني، فقد استفاقت محافظة الكاف شمال غرب البلاد، في 29 أكتوبر 2022 على جريمة قتل مروعة راحت ضحيتها وفاء السبيعي (40 عاماً)، بعد أن أضرم زوجها النار في جسدها، ثم حاول حرق ابنته (15 عاماً).

وكانت الراحلة وفاء السبيعي قد تقدمت إلى السلطات المختصة بطلب الحماية من زوجها، لكنّ طلبها قوبل بالتجاهل لتلقى في النهاية مصيرها المرعب، مثلما حدث في الفترة ذاتها لامرأة أخرى فقدت حياتها نتيجة الضرب على يد زوجها بمنطقة قرقنة بمحافظة صفاقس.

ارتفاع الإشعارات بالعنف

وفي هذا السياق تؤكد سارة بن سعيد، في حديثها إلى «الأيام نيوز» أنه “تم تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الإشعارات بالعنف ضد النساء، وهو ما يؤشر إلى أن هناك ضحايا أخريات قد ينتهي بهن الأمر إلى القتل لأن القانون لا يُطبق فعليا، إذ تمت صياغته ليوضع في الرفوف وهو ما يؤكد مرة أخرى أن المشكل ليس في سَنّ التشريعات بل في وجود إرادة ووعي بضرورة تطبيق تلك النصوص”.

وتشهد تونس في السنوات الأخيرة ارتفاعا لجرائم العنف المادي والنفسي بحق النساء، وذلك بسبب بطء نفاذ القانون وعدم التركيز على المقاربة الوقائية من العنف، وفق ما جاء في آخر تقارير المرصد الوطني لمكافحة العنف ضد النساء.

وأظهر آخر تقرير أصدرته وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ، في أوت 2021، حول مؤشّرات العنف ضدّ المرأة، أنّ الفرق المختصّة في جرائم العنف، تعهدّت بما يقارب 69 ألف قضية عنف خلال عام 2021، ارتكبت أغلبيتها داخل الفضاء الأسري.

وأشارت بيانات الوزارة إلى أنّ العنف المعنوي يشكّل أكثر أشكال الاعتداء الذي تواجهه النساء بنسبة 84%، يليه العنف المادي بنسبة 72%، فيما يمثل العنف الاقتصادي 42% من الحالات المرصودة، كما أكدّت الوزارة، أن الزوج هو المتهم الأول بممارسة العنف ضد المرأة، وذلك بنسبة 74%.