الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

أرض الحشيش.. العالم المظلم يبدأ من المغرب

Author
راضية زبانة 17 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أكد الدكتور محمد الصالح جمال، أستاذ جامعي وباحث مختص في الشؤون الأمنية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الحديث حول تجارة المخّدرات في المغرب، لم يعد يقتصر على كونها نشاط تهريب تقليدي أو مجرّد بلد إنتاج للـقنّب الهندي، أو نقطة عبور للشحنات الأوروبية، بل أصبح مرتبطا بما يعرف في الأدبيات الأكاديمية المتخصّصة، بـالمناطق الرمادية للأمن.

وتشير هذه المناطق إلى فضاءات لا تغيب فيها الدولة بشكل كامل، لكنها تعاني ضعفا في مستويات الرقابة والضبط، وهو ما يتيح لشبكات الجريمة المنظمة هامشا أوسع للتحرك وإعادة ترتيب مواقعها، مستفيدة من الثغرات القانونية والمؤسساتية لتعزيز نشاطها وتوسيع امتدادها.

محمد الصالح جمال

وأوضح جمال أن المغرب ظل لعقود أحد أبرز منتجي القنب الهندي في العالم، حيث استمر هذا النشاط لسنوات كجزء من اقتصاد محلي غير رسمي واسع الانتشار، لكنه تصاعد تدريجيا من نشاط غير قانوني إلى اقتصاد إجرامي منظم مرتبط بشبكات تهريب دولية تمتد من شمال إفريقيا نحو الأسواق الأوروبية.

ومع مرور الوقت، أدى هذا الاقتصاد غير المشروع إلى ظهور شبكة معقدة من الوسطاء والممولين والمهربين، فظهرت تنظيمات تهريب عابرة للحدود تتمتع بدرجة كبيرة من المرونة والاحترافية، لم تعد تقتصر على تهريب الحشيش فقط، بل توسعت لتشمل أنشطة متعددة مثل الكوكايين وعمليات غسل الأموال عبر شركات واجهة وشبكات مالية متعددة الدول.

تشير البيانات الدولية إلى أن المغرب لا يزال من بين أكبر منتجي راتنج القنب عالميا، إذ تتراوح التقديرات السنوية للإنتاج بين 2500 و3000 طن، وتمتد المساحة المزروعة على نحو 37 ألف هكتار في مناطق شمال المغرب، ويعتمد على هذا النشاط أكثر من 140 ألف أسرة كمصدر رئيسي للدخل. وتعكس هذه الأرقام حجم الاقتصاد الموازي للمخدرات، الذي أصبح جزءا أساسيا من شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

الملاذات القانونية.. لماذا أصبح المغرب قاعدة لبارونات المخدرات؟

وأشار جمال إلى أن بعض التقارير الأوروبية لاحظت تحول المغرب إلى منصة لوجستية إقليمية، فقد أصبح مركزا يمكن لشبكات الجريمة المنظمة إدارة عملياتها الدولية من خلاله، مستفيدة من التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال المشفرة، وهو ما يعكس نمط الإدارة اللامركزية للجريمة المنظمة.

ويضيف أن القرب الجغرافي من أوروبا يمنح هذه الشبكات مزايا استراتيجية، إذ يسمح بالتحكم في مسارات التهريب عبر البحر المتوسط، بينما توفر البيئة الاقتصادية المحلية فرصا لإعادة تدوير الأموال غير المشروعة داخل قطاعات مثل العقار والسياحة والتجارة، ضمن ما يُعرف باقتصاد الظل وعمليات غسل الأموال المنظمة.

وأكد جمال أن المغرب يمثل وجهة جذابة لبعض كبار مهربي المخدرات الأوروبيين بفضل ما يُعرف بـ”الملاذات القانونية”، حيث تصبح إجراءات التسليم القضائي معقدة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي، ما يمنح المهربين فرصة لإعادة التموضع وإدارة شبكاتهم الدولية عن بعد.

وأشار جمال إلى أن الظاهرة تتجاوز البعد المحلي لتطال دول الجوار، إذ يمكن لشبكات الجريمة المرتبطة بالمغرب أن تتحول إلى أدوات ضغط على بعض الدول الأوروبية، وفي الوقت نفسه تمثل خطرا ملموسا على الأمن الوطني للدول المجاورة.

وفي الجزائر، تمكن الجيش الوطني الشعبي، خلال عام 2025، من إحباط عدة عمليات تهريب للمخدرات القادمة من المغرب، وحجز أكثر من 1,8 طن من الكيف المعالج خلال أسبوع واحد، إضافة إلى كميات من الكوكايين والأقراص المهلوسة، ما يعكس خطورة هذه الشبكات على الشباب واستقرار المجتمع. كما حجزت دول الاتحاد الأوروبي نحو 551 طنا من راتنج القنب خلال السنوات الأخيرة، فيما ضبطت إسبانيا وحدها حوالي 672 طنا خلال عام 2021، ما يعكس حجم شبكات التهريب المنظمة المتجهة نحو أوروبا.

ويؤكد جمال أن استمرار هذه الديناميكية قد يحوّل شبكات الجريمة إلى فاعل مؤثر في الاقتصاد والسياسة الإقليمية، بما يحمله ذلك من مخاطر طويلة المدى على الأمن والاستقرار في الفضاء المغاربي والأورو-متوسطي. كما يتيح هذا الوضع لبارونات المخدرات إعادة التموضع داخل المغرب لفترات طويلة نسبيا دون مواجهة خطر التسليم السريع للعدالة الأوروبية، ما يمنحهم الوقت الكافي لإعادة هيكلة التنظيمات وتغيير طرق التهريب وإعادة توزيع الأدوار داخل الشبكات.

الأبعاد الدولية والأمن الأوروبي

ويشير جمال إلى أن الجدل الأوروبي حول دور المغرب في تجارة المخدرات يعكس تحولات عميقة في الجغرافيا الأمنية للفضاء الأورو-متوسطي. فالمغرب تخطى كونه بلد إنتاج أو عبور، وأصبح بيئة تسمح لشبكات الجريمة المنظمة بإعادة التموضع وإدارة أنشطتها بعيدا عن الضغوط القضائية الأوروبية. كما أن وجود هذه الشبكات يمنح المغرب دورا غير مباشر في العلاقات الدولية، خصوصا في ملفات الهجرة والحدود، إذ يمكن لسلطات المخزن استثمار وجود هذه الشبكات في خلق ضغوط على بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، لإعادة التوازن السياسي والاستراتيجي.

ويخلص جمال إلى أن استمرار التجارة غير المشروعة للمخدرات في المغرب، يشكل تهديدا متعدد الأبعاد، يغطي الأمن المحلي والإقليمي والدولي، ويحوّل شبكات الجريمة المرتبطة بالمغرب إلى فاعل مؤثر في إدارة اقتصاد إجرامي عابر للحدود. ومع توسع هذا النشاط ومرونته، يصبح المغرب تدريجيا مركزا إقليميا للجريمة المنظمة، وهو ما يستدعي مقاربة أمنية واستراتيجية شاملة، تجمع بين التعاون الدولي، وتعزيز القانون المحلي، ومواجهة شبكات غسل الأموال والتمويل غير المشروع.