الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

أزمة الثقة داخل الناتو.. إعادة تموضع أم بداية مرحلة جديدة؟

Author
ربيعة خطاب 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ظل مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تتزايد المؤشرات على وجود تباينات عميقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن مستقبل الحلف وأولوياته الاستراتيجية. فبينما يتمسك الأوروبيون بمبدأ الأمن الجماعي باعتباره الركيزة الأساسية التي قام عليها الناتو، تتجه الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب نحو رؤية مختلفة تقوم على إعادة توزيع الأعباء، وربط الالتزامات الأمنية بالمصالح الأمريكية المباشرة. وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وتصاعد المنافسة مع روسيا والصين، ما يثير تساؤلات حول قدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه، وما إذا كانت هذه القمة ستشكل نقطة تحول في مساره ومستقبله.

وفي هذا السياق صرح وائل خليل ياسين، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، والباحث والاستشاري المتخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا، لـ”الأيام نيوز”، أن الخلافات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية تعكس أزمة ثقة حقيقية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أنها لا ترقى، في الوقت الراهن، إلى مستوى التهديد الوجودي للحلف أو الإشارة إلى اقتراب تفككه. وأوضح أن طبيعة هذه الخلافات ترتبط بتحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، وبإعادة صياغة الأولويات الاستراتيجية لدى القوى الكبرى، ما يجعل الناتو أمام مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.

وأشار وائل خليل ياسين إلى أن جوهر الخلافات الحالية داخل الحلف يتمثل في مسألة توزيع الأعباء الدفاعية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إضافة إلى الجدل المتواصل بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، والتباين في مقاربة الحرب الأوكرانية، فضلاً عن اختلاف الرؤى المتعلقة بكيفية التعامل مع التحديات التي تفرضها كل من روسيا والصين. ويرى أن هذه الملفات مجتمعة أوجدت حالة من التوتر السياسي والاستراتيجي داخل الحلف، يمكن وصفها بأنها من بين الأعمق منذ انتهاء الحرب الباردة، بالنظر إلى تعقيد البيئة الأمنية الدولية واتساع نطاق التنافس بين القوى الكبرى.

وأضاف وائل خليل ياسين أن هذه التباينات لا تعني بالضرورة أن الناتو يعيش مرحلة انهيار، بل تعكس وجود اختلافات في تقدير المصالح والأولويات بين ضفتي الأطلسي. فالمصالح الأمنية المشتركة، بحسب تقديره، ما تزال تشكل الأساس الذي يحافظ على تماسك الحلف، حتى وإن شهدت العلاقات الأمريكية الأوروبية توترات متكررة بشأن إدارة الأزمات الدولية ومستوى الإنفاق العسكري وتقاسم المسؤوليات الأمنية.

و أوضح وائل خليل ياسين أن بكين تنظر إلى الخلافات داخل الناتو باعتبارها انعكاساً لاتساع الفجوة في المصالح بين الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها لا تعتبرها مؤشراً على قرب انهيار الحلف. فالصين، ترى أن الدول الغربية لا تزال تدرك أهمية المحافظة على التحالف الأطلسي باعتباره أحد أهم ركائز الأمن الأوروبي، إلا أنها تلاحظ في الوقت نفسه تراجع درجة الانسجام السياسي مقارنة بالمراحل السابقة، نتيجة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.

وفي المقابل، أوضح وائل خليل ياسين أن الرؤية الروسية تختلف بصورة واضحة، إذ تعتبر موسكو أن الخلافات الحالية تكشف أزمة بنيوية داخل الناتو، وتعكس تراجعاً في مستوى التوافق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. ووفق هذا المنظور، فإن هذه التطورات تعد مؤشراً على تغير تدريجي في ميزان القوى العالمي، وعلى تراجع القدرة الغربية على المحافظة على وحدة المواقف السياسية والاستراتيجية التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وبخصوص رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه مستقبل الحلف، أوضح وائل خليل ياسين أن ترامب يتبنى مقاربة تقوم على إعادة تعريف دور الناتو، من خلال مطالبة الدول الأوروبية بتحمل نصيب أكبر من الأعباء الدفاعية، وربط حجم الالتزام الأمريكي بمستوى مساهمة كل دولة في الإنفاق العسكري. ويرى أن هذه السياسة قد تدفع الحكومات الأوروبية إلى زيادة استثماراتها العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية، لكنها في الوقت نفسه قد تثير تساؤلات بشأن مدى استمرارية الضمانات الأمنية الأمريكية التي شكلت لعقود الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي.

وأكد وائل خليل ياسين أن هذه المقاربة قد تؤثر مستقبلا في مستوى الثقة بين أعضاء الحلف، إذ إن ربط الالتزامات الأمنية بالاعتبارات المالية قد يفتح الباب أمام اختلافات سياسية أوسع حول طبيعة الشراكة داخل الناتو، وهو ما قد ينعكس على وحدة القرار الاستراتيجي، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه أوروبا.

ويرى وائل خليل ياسين أن سياسة ترامب لا تُقرأ بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل، التي تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات العالمية، بما يسمح لواشنطن بتوجيه مزيد من الموارد العسكرية والسياسية نحو المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع تحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها الإقليمي. وبذلك، فإن إعادة توزيع الأعباء داخل الناتو تصبح جزءاً من عملية إعادة تموضع استراتيجي أمريكي، أكثر من كونها مجرد خلاف مالي مع الحلفاء.

ويؤكد وائل خليل ياسين أن موسكو تنظر إلى سياسة ترامب باعتبارها عاملاً قد يضعف التماسك السياسي داخل الحلف، إذا ما شعر الأوروبيون بأن المظلة الأمنية الأمريكية أصبحت مشروطة أو أقل التزاماً من السابق. ويرى هذا التصور أن مثل هذه التطورات قد تدفع عدداً من الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية، وتوسيع مشاريع التعاون العسكري الأوروبي بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، مع بقاء الناتو قائماً كإطار مؤسسي للأمن الجماعي.

وفي تقييمه لقدرة الحلف على تجاوز هذه الخلافات، شدد وائل خليل ياسين على أن الناتو يمتلك خبرة مؤسسية طويلة وآليات تعاون متطورة مكنته من تجاوز أزمات عديدة منذ تأسيسه، وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على احتواء التباينات الحالية والحفاظ على مبدأ الدفاع الجماعي. لكنه أشار في المقابل إلى أن البيئة الدولية أصبحت أكثر تعقيداً بفعل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وظهور تهديدات أمنية غير تقليدية، الأمر الذي يفرض على الحلف إعادة صياغة أولوياته وتطوير آليات عمله بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة.

وأوضح وائل خليل ياسين أن الصين تتوقع استمرار الناتو، لكنها ترى أنه سيدخل مرحلة مختلفة تقوم على إعادة توزيع الأدوار بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع احتمال مواجهة تحديات إضافية إذا وسع الحلف اهتمامه إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي المقابل، تعتقد روسيا أن الحلف سيبقى قائماً أيضاً، لكنه سيجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على وحدة مواقفه الاستراتيجية في ظل الانتقال التدريجي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، لم تعد فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها يتمتعون بالمستوى نفسه من الهيمنة الذي ساد خلال العقود الماضية.

واكد وائل خليل ياسين على أن مختلف الرؤى الدولية، رغم تباين دوافعها، تتفق على أن الناتو يعيش مرحلة إعادة تموضع استراتيجية عميقة. فبينما تعتبر الدول الغربية أن ما يجري يمثل عملية تكيف تهدف إلى الحفاظ على فاعلية الحلف، تنظر الصين إلى التطورات باعتبارها إعادة توزيع للأدوار داخل التحالف، في حين ترى روسيا أنها تعكس بداية تراجع الهيمنة الغربية وصعود توازنات دولية جديدة، الأمر الذي يجعل مستقبل الناتو مرتبطاً بقدرته على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.