الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أزمة الكفاءة في السينما الجزائرية.. هل تكفي مراكز الامتياز لسد الفجوة؟

Author
هارون عمري 27 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتسارع الخطوات الحكومية في الجزائر الرامية إلى إعادة هيكلة القطاع الثقافي وضخ دماء جديدة في شرايين الفن السابع، عبر الانتقال من منطق “الدعم المناسباتي” إلى منطق “الاستثمار الهيكلي في العنصر البشري”، وفي هذا السياق، أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، رفقة وزيرة التكوين والتعليم المهنيين، نسيمة أرحاب، بمقر وزارة الثقافة، على توقيع اتفاقيتي إطار استراتيجيتين؛ تؤسسان لمرحلة جديدة من التكوين الميداني والاحترافي عبر إطلاق مركزَي امتياز للصناعة السينمائية ومهن الفن.

​المشروع يهدف بالأساس إلى سد الفجوة بين التكوين وسوق العمل، من خلال تأسيس مركز امتياز متخصص في الصناعات السينمائية بولاية الجزائر، مدعومًا بملحقة متطورة في ولاية تيميمون بالجنوب الكبير، بالإضافة إلى مركز لمهن الفن لضمان حماية المهارات الفنية وتطويرها. غير أن هذا التوجه يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات المهنيين والنقاد حول مدى قدرة هذه المراكز على إحداث تحول قطاعي حقيقي يتجاوز حدود “التنشيط” إلى “الإنتاج الصناعي”.

بين النظري والميداني: تحدي التكوين المنهجي

​بموجب التعاون الجديد، تلتزم وزارة الثقافة والفنون بتقديم دعم جوهري يتمثل في توفير المكونين والخبراء، وفتح المجال أمام المتربصين لإجراء تدريبات تطبيقية مباشرة في كواليس الأفلام السينمائية التي تشرف عليها الوزارة. هذا الربط بين المعهد وموقع التصوير يراه فاعلون خطوة ضرورية لكسر الرتابة النظرية.

​وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أكد المخرج السينمائي وصانع الأفلام الوثائقية، محمد الأمين بن لولو، أن إنشاء مراكز متخصصة في التكوين السينمائي يمثل خطوة مهمة وضرورية لتطوير الصناعة السينمائية في الجزائر، مشيرًا إلى أن الساحة الوطنية عرفت خلال السنوات الماضية العديد من المبادرات التكوينية الموجهة للشباب، سواء عبر الجامعات أو مراكز التكوين التابعة لوزارة الثقافة والفنون، أو من خلال النوادي السينمائية وورشات التدريب المنظمة على هامش المهرجانات.

​وأوضح المتحدث أن التكوين السينمائي ظل في كثير من الأحيان محصورًا في الجانب النظري، ما يجعل وجود مؤسسات متخصصة تقدم تكوينًا منهجيا وميدانيا أمرا ضروريا لتأطير المواهب الشابة وصقل مهاراتها. وفي المقابل، لفت إلى أن التطور التكنولوجي وتوفر الموارد التعليمية عبر الإنترنت جعلا التعليم الذاتي أكثر انتشارا، خاصة لدى الشباب الشغوف بالسينما والقادر على الاستفادة من المحتويات التكوينية العالمية.

​وأضاف بن لولو أن التعليم الذاتي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا كاملا عن التكوين الأكاديمي المنظم، الذي يساهم في بناء مرجعيات مهنية واضحة وترسيخ مقاربة جزائرية في الممارسة السينمائية. كما شدد على ضرورة أن تنفتح هذه المراكز على مختلف الفاعلين في المجتمع المدني من جمعيات ونوادٍ ثقافية، وأن تتبنى آليات عمل تسمح بوصول برامجها التكوينية إلى مختلف مناطق الوطن، بما فيها مناطق الجنوب ومناطق الظل، حتى يستفيد أكبر عدد ممكن من الشباب من فرص التكوين السينمائي.

ملحقة تيميمون: تفكيك المركزية ورهان “السينما الصحراوية

​يمثل إدراج ولاية تيميمون كملحقة متطورة لمركز الامتياز خطوة جيو-ثقافية هامة تتجاوز المفهوم التقليدي لحصر النشاطات في حوض العاصمة. فالجنوب الجزائري لم يعد مجرد “استوديو مفتوح” وموقع طبيعي لتصوير الأفلام العالمية والمحلية، بل يطمح المشهد اليوم ليكون شريكًا في صناعة المادة السينمائية بأيادٍ محلية.

​توطين التكوين المتطور في تيميمون من شأنه خلق بيئة سينمائية مستدامة ترتكز على “السينما الصحراوية” واستغلال الإرث البصري الفريد للمنطقة، ما يتيح للشباب هناك فرصة حقيقية للاحتكاك بالتقنيات الحديثة دون تكبد عناء التنقل، وهو ما يخدم تطلعات المجتمع المدني في تحقيق عدالة قطاعية في توزيع فرص التكوين.

من التنشيط الثقافي إلى منطق السوق: عين على البيئة الاقتصادية

​على الجانب الآخر من المشهد، تبرز قراءات نقدية تدعو إلى عدم الإفراط في التفاؤل بالحلول الهيكلية ما لم ترتبط بتغيير جذري في البيئة الاستثمارية والقانونية للسينما، معتبرة أن التكوين جزء من حلقة متكاملة تشمل التمويل وقوانين السوق الحرة.

​وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أكد الدكتور حبيب بوخليفة، الناقد والمخرج المسرحي، أن السينما لا يمكن اختزالها في بعدها الثقافي أو التنشيطي فقط، بل يجب النظر إليها باعتبارها صناعة فنية واقتصادية قائمة على الاستثمار والتمويل وقوانين السوق، موضحًا أن تطوير القطاع السينمائي يظل مرتبطًا بمدى قدرته على استقطاب مختلف الفاعلين الاقتصاديين وتوفير بيئة إنتاج حقيقية قادرة على ضمان الاستمرارية والاحترافية.

​وأوضح المتحدث أن المبادرات الرامية إلى إنشاء فضاءات أو مراكز للتكوين والتنشيط السينمائي تبقى خطوة إيجابية في إطار نشر الثقافة السينمائية وتشجيع الاهتمام بالفن السابع، غير أنها تندرج أساسًا ضمن خانة التنشيط الثقافي أكثر من كونها أدوات كفيلة بإحداث تحول جوهري في منظومة الإنتاج السينمائي. وأضاف أن السينما، منذ ظهورها في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية مع عروض الإخوة لوميار، كانت صناعة فنية بامتياز، وما تزال إلى اليوم مرتبطة بمنطق الإنتاج والاستثمار والطلب والعرض ضمن الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.

​وأشار بوخليفة إلى أن مسألة التكوين السينمائي ينبغي أن تُعالج من خلال دعم المؤسسات الأكاديمية المتخصصة وتطويرها، وعلى رأسها المعهد العالي لمهن فنون العرض والمعهد العالي للسينما والسمعي البصري بالقليعة، باعتبارهما الإطارين الأكاديميين القادرين على تكوين الكفاءات المؤهلة لممارسة مختلف المهن السينمائية. ولفت إلى أن هذه المهن لا تندرج ضمن المهن الجوارية أو الأنشطة التي يمكن تعميمها بشكل آلي، وإنما تعتمد أساسًا على الموهبة والإبداع الفني والتكوين المتخصص.

​كما دعا إلى إعادة النظر في السياسة الثقافية الخاصة بالسينما في الجزائر، من خلال تقليص مظاهر البيروقراطية المركزية وإفساح المجال أمام مقاربات أكثر مرونة ترتكز على الشراكة بين القطاعين الثقافي والاقتصادي.

وأكد أن دور الدولة يظل أساسيًا في مرافقة المشاريع الكبرى والمساهمة في تمويلها وتشجيعها، غير أن بناء صناعة سينمائية حقيقية يقتضي في المقابل تعزيز الاستثمار الثقافي والاقتصادي واستقطاب رؤوس الأموال الخاصة للمشاركة في تمويل المشاريع السينمائية.

​وختم المتحدث بالتأكيد على ضرورة الابتعاد عن المقاربات الشعبوية في معالجة قضايا السينما، محذرًا من أن التركيز على الحلول الظرفية أو غير المهنية قد يؤدي إلى إضعاف المواهب وإهدار الرأسمال الثقافي السينمائي الذي تمتلكه الجزائر، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى رؤية استراتيجية تجمع بين التكوين المتخصص والاستثمار الاقتصادي والدعم المؤسساتي المستدام.

“مهن الظل” والتقنيات الحديثة: ميزان الاحترافية الغائب

​إن الحديث عن معايير دولية وعصرنة السينما يستوجب بالضرورة التركيز على ما يُعرف بـ”مهن الظل”؛ كمهندسي الصوت، فنيي الإضاءة، خبراء الخدع البصرية (VFX)، والملونين (Colorists)، حيث يعاني السوق الجزائري تاريخيًا من شُحّ فادح في هذه التخصصات التقنية الدقيقة، ما يضطر الكثير من المخرجين للاستعانة بخبرات أجنبية لإتمام العمليات الفنية بعد الإنتاج (Post-production).

​لذا، فإن المحك الحقيقي لمركز الامتياز الجديد يتجلى في مدى قدرته على إدراج هذه التخصصات وتوفير عتاد تقني يواكب الثورة الرقمية الراهنة، بالتوازي مع حماية الحرف التقليدية عبر “مركز مهن الفن” كصناعة الديكور التاريخي والأزياء التراثية، لخلق تكامل بصري يخدم الهوية البصرية الجزائرية.

المنصة الوطنية لمرجعية الكفاءات: رهان الملاءمة

​لتفادي التضارب بين مخرجات التكوين وواقع السوق، تضمن الاتفاق الشق التقني المتمثل في “اتفاقية المساهمة القطاعية في المنصة الوطنية لمرجعية الكفاءات”، والتي تلتزم عبرها وزارة الثقافة بتحيين دوري ودقيق لقاعدة البيانات لتحديد الاحتياجات الحقيقية للسوق ووصف الكفاءات المطلوبة.

​تبقى هذه الخطوة، برأي المراقبين، محكًا حقيقيًا لقياس مدى جدية الشراكة بين القطاعات الوزارية. فبين رغبة الإدارة في خلق بيئة تكوينية احترافية تليق بمبدعي الجزائر، وتطلعات المهنيين لبناء سينما تحكمها قوانين الاستثمار لا البيروقراطية، يظل الرهان معلقًا على مدى مرونة آليات التنفيذ على أرض الواقع في قادم الأشهر.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"