الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

أزمة اليقين في عالم النسخ المتعددة.. حين تتشظى الحقيقة

Author
الأيام نيوز 28 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

يحتفل العالم، هذا الاثنين 28 سبتمبر، باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، في وقت تبدّلت فيه طبيعة المشكلة نفسها؛ فمليارات البشر يستطيعون الوصول خلال ثوان إلى الأخبار والوثائق والصور والفيديوهات، غير أن سهولة العثور عليها تقابلها صعوبة متزايدة في معرفة ما يستحق الثقة وسط تدفق هائل من المحتوى، حتى إن التحقّق من معلومة واحدة قد يستغرق وقتا ويتطلب جهدا يفوقان ما يحتاجه الوصول إليها.

واختارت الأمم المتحدة لمناسبة هذا العام موضوع “صون نزاهة المعلومات في العصر الرقمي: دور الوصول إلى المعلومات في مواجهة اضطراب المعلومات”، فيما تنطلق اليوم في سيراليون أعمال المؤتمر العالمي الذي تنظمه اليونسكو بالتعاون مع حكومة البلاد، بالتزامن مع الدورة السابعة عشرة للمؤتمر الدولي لمفوضي المعلومات، وتستمر الأعمال حتى 30 سبتمبر.

ويشير موضوع هذا العام إلى تغير طبيعة القضية؛ إذ انشغل العالم طويلا بقدرة الإنسان على الوصول إلى المعلومة، بينما تطرح البيئة الرقمية سؤالا مختلفا عندما تصل إليه آلاف المواد دفعة واحدة، وتختلط أمامه الوثيقة الأصلية بالنسخة المبتورة، والصورة الحقيقية بالمعدلة، والخبر المهني بمحتوى صممه صاحبه لخداع الجمهور.

غير أن معركة الوصول نفسها ما تزال قائمة؛ إذ تشير أحدث تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى بقاء 2.2 مليار إنسان خارج الشبكة خلال 2025، وسط تفاوت يرتبط بالدخل والموقع ونوعية البنية التحتية، في وقت يواجه المتصلون تحديا آخر يتعلق بفرز التدفق الهائل للمحتوى ومعرفة مصدره ومدى موثوقيته.

ويرى خبير التكنولوجيا نادر غزال، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن العالم انتقل من مرحلة ارتبطت فيها المشكلة بندرة المعلومات وصعوبة الوصول إليها إلى مرحلة تطرح فيها الوفرة الهائلة للمحتوى الرقمي تحديا يتعلق بفرز المعلومات والتحقق من صحتها والسياق الذي جاءت فيه، مع استمرار فجوات رقمية واقتصادية ولغوية بين المجتمعات.

نادر غزال خبير في التكنولوجيا
نادر غزال خبير في التكنولوجيا

ويلفت غزال إلى فارق أساسي بين امتلاك الوسيلة التقنية والحصول على معلومة دقيقة وموثوقة وقابلة للاستخدام، وهو ما يرفع أهمية المصدر وجودة المحتوى. وتنتقل المناسبة بذلك من سؤال الوصول وحده إلى ما يحدث بعده، في عالم ينتج المواد الرقمية بوتيرة أسرع من قدرة الإنسان على متابعتها وفرزها.

من البحث عن المعلومة إلى البحث عن الموثوق

أعلنت اليونسكو “28 سبتمبر” يوما دوليا لتعميم الانتفاع بالمعلومات سنة 2015، ثم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة المناسبة سنة 2019، انطلاقا من ارتباط الحصول على المعلومات بحرية التعبير ودور الصحافة، وحاجة المواطن إلى البيانات العامة حتى يتابع القرارات التي تؤثر في حياته ويشارك في النقاش على أساس الوقائع.

وتشير بيانات اليونسكو إلى أن 141 دولة وإقليما كانت تملك، حتى أحدث مسح أوردته المنظمة، ضمانات قانونية للوصول إلى المعلومات، بينما شاركت 123 دولة وإقليما في مسحها خلال 2025، وهي أرقام تظهر اتساع الاعتراف القانوني بالمبدأ من دون أن تجيب وحدها عن مدى فعاليته في الحياة اليومية.

ولهذا أطلقت اليونسكو ومركز القانون والديمقراطية اختبارا عالميا لحق المعرفة، يقوم على إرسال طلبات معلومات متطابقة إلى سلطات عامة في 120 دولة لديها قوانين تخص الوصول إلى المعلومات، على أن يقدم القائمون على المبادرة النتائج خلال احتفالات 2026 لمعرفة المسافة التي تفصل النص القانوني عن الممارسة الفعلية.

ويحتاج المواطن إلى معلومات عامة موثوقة حتى يعرف طريقة إدارة المؤسسات للشأن العام، فيما يحتاج الصحفي إلى الوثائق والبيانات والمصادر حتى يؤدي وظيفته. غير أن البيئة التي تتحرك داخلها المعلومة تغيرت، ولم تبق الصحيفة والإذاعة والتلفزيون والمكتبة وحدها محطات يقصدها الإنسان للحصول على المعرفة.

وتصل المعلومات اليوم أثناء تصفح منصة اجتماعية أو مشاهدة فيديو قصير أو قراءة رسالة داخل مجموعة عائلية أو متابعة صانع محتوى، وقد يجد المستخدم الخبر من دون أن يكون قد شرع في البحث عنه، بينما تشارك أنظمة التوصية في اختيار جانب مما يصل إلى شاشته وما يبقى بعيدا عنها.

ويرصد تقرير الأخبار الرقمية 2026، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، حجم التحول؛ إذ أصبحت شبكات التواصل ومنصات الفيديو، في المتوسط عبر 48 سوقا، الطريق الأكثر استخداما للوصول إلى الأخبار بنسبة 54 بالمائة، مقابل 51 بالمائة للمواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية، في سابقة يسجلها التقرير للمرة الأولى.

واستند التقرير إلى قرابة 100 ألف مقابلة مع مستهلكي الأخبار عبر الإنترنت، لذلك لا تمثل نتائجه سكان العالم جميعا. ويظهر التحول بصورة أوضح لدى الفئات الشابة، إذ يعتبر 52 بالمائة من المشاركين بين 18 و24 عاما شبكات التواصل ومنصات الفيديو وروبوتات الذكاء الاصطناعي طريقهم الرئيسي إلى الأخبار.

وأصبح المستخدم نفسه طرفا في دورة تداول المحتوى؛ إذ يشير غزال إلى أن شبكات التواصل جعلت المواطن مستهلكا وناشرا ومعلقا في الوقت ذاته، بينما سرعت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والأصوات، ورفعت حجم المواد التي يستطيع الأفراد والمؤسسات إنتاجها خلال وقت قصير.

وتظهر مشكلة الوفرة عندما تقدم آلاف المواد إجابات عن السؤال نفسه، فتقل مدة العثور على إجابة من دون أن تختفي الحاجة إلى معرفة أصلها وتاريخها وسياقها، خصوصا عندما ينتشر المحتوى المثير بسرعة تفوق تقريرا دقيقا يحتاج إلى شرح واضح ومصدر يستطيع القارئ العودة إليه.

ويقدم تقرير رويترز مؤشرا على هذه المفارقة؛ إذ انخفضت الثقة العامة في الأخبار إلى 37 بالمائة في متوسط الأسواق التي شملها التقرير، بينما ارتفعت نسبة من يشعرون بالقلق من الأخبار الكاذبة أو المضللة على الإنترنت بأربع نقاط، لتصل إلى 62 بالمائة خلال 2026.

ويربط غزال هذه المعطيات بالفارق بين إتاحة المعلومة وموثوقيتها، لأن مادة واسعة الانتشار قد تصل مبتورة أو قديمة أو منفصلة عن سياقها، وقد يجمع منشور واحد معلومة صحيحة بادعاء خاطئ، خصوصا داخل بيئة تعتمد على السرعة وإعادة النشر والتفاعل المتواصل، وتدفع المستخدم إلى اتخاذ قرارات سريعة بشأن ما يصدقه.

6 مليارات متصل.. والعالم لم يحسم معركة الوصول

قد توحي كثافة المحتوى بأن البشرية تجاوزت مشكلة الاتصال، لكن بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات تقدم صورة مختلفة؛ إذ استخدم نحو ستة مليارات إنسان الإنترنت في 2025، أي 74 بالمائة من سكان العالم، بعد زيادة فاقت 240 مليون مستخدم خلال عام واحد، فيما بقي 2.2 مليار شخص خارج الشبكة.

ولا يتوزع الاتصال بالتساوي؛ إذ تصل نسبة استخدام الإنترنت إلى 94 بالمائة في البلدان مرتفعة الدخل، بينما تنخفض إلى 23 بالمائة في البلدان منخفضة الدخل. وتسجل المنطقة العربية، وفق تقديرات الاتحاد لعام 2025، نسبة استخدام تقارب 70 بالمائة، مقابل متوسط عالمي يبلغ 74 بالمائة.

وتظهر فجوة أخرى عند الانتقال من وجود الاتصال إلى نوعيته؛ إذ تغطي شبكات النطاق العريض المتنقل أكثر من 96 بالمائة من سكان العالم، لكن بلدانا منخفضة الدخل تعتمد بدرجة أكبر على شبكات الجيل الثالث، بينما يتركز انتشار الجيل الخامس في الاقتصادات الأعلى دخلا، بما يؤثر في الخدمات التي يستطيع المستخدم تشغيلها.

ووصلت تغطية الجيل الخامس خلال 2025 إلى 55 بالمائة من سكان العالم، بعدما سجلت 39 بالمائة في 2022، لكن النسبة بقيت عند 4 بالمائة فقط في البلدان منخفضة الدخل، وهو فارق يكشف أن كلمة “اتصال” تخفي مستويات شديدة الاختلاف من السرعة والجودة والقدرة على استخدام الخدمات الرقمية الحديثة.

وتدخل الكلفة في المعادلة نفسها؛ إذ يشير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو ثلثي الاقتصادات فقط وصلت إلى المستوى الذي يستهدفه بشأن القدرة على تحمل تكاليف خدمات الاتصال، لذلك قد يعيش شخص في منطقة تغطيها الشبكة تقنيا من دون امتلاك اتصال يعتمد عليه باستمرار في التعليم والعمل والخدمات والوصول إلى البيانات.

وتفسر هذه الفوارق استمرار قضية الوصول إلى جانب نزاهة المعلومات، لأن العالم يعيش المشكلتين في الوقت نفسه؛ جزء من البشرية يبحث عن اتصال جيد وميسور، فيما يعيش جزء آخر وسط تدفق كثيف يحتاج إلى أدوات تساعده على الفرز والمقارنة ومعرفة المصدر، وهو التداخل الذي يحضر في موضوع المناسبة خلال 2026.

وتركز الأمم المتحدة على المعلومات العامة الموثوقة التي تصل في الوقت المناسب، والإفصاح الاستباقي عن البيانات، ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية والبيانات ذات المصداقية. ويحضر ذلك في مؤتمر سيراليون من خلال نقاش حفظ السجلات والبيانات ذات المصلحة العامة والوصول إلى البيانات البيئية الموثوقة ودور المؤسسات خلال الأزمات والكوارث والنزاعات والعمليات الانتخابية.

وتبرز أهمية التوقيت لأن المعلومة العامة التي تصل متأخرة قد تفقد جزءا من فائدتها؛ عندما يتأخر المصدر الأصلي في قضية تشغل الجمهور، تملأ التكهنات والمنشورات والتفسيرات المتنافسة الفراغ، وقد تصل البيانات الصحيحة لاحقا بعدما تكون رواية أخرى قد انتشرت على نطاق واسع ورسخت لدى جانب من الجمهور.

ولهذا يركز مؤتمر 2026 على الإفصاح الاستباقي، أي نشر السلطات المعلومات ذات المصلحة العامة في الوقت المناسب بدل انتظار طلبها في كل مرة، انطلاقا من أن تقديم البيانات الرسمية الموثوقة بسرعة يساعد الجمهور على الوصول إلى الإجابة من المصدر ويقلل اعتماده على مواد مجهولة الأصل.

ويقود ذلك إلى معنى أوسع للوصول، لأن الاتصال يمثل شرطا أساسيا لكنه لا يؤدي وحده إلى المعرفة؛ إذ قد تحول صعوبة استخدام المواقع وغموض الوثائق وتقادم البيانات واللغة البعيدة عن الجمهور دون الاستفادة من المعلومة بعد بلوغها، وهو ما يجعل سهولة الاستخدام جزءا من الانتفاع الفعلي بها.

الجزائر.. اتساع الاتصال يرفع قيمة المعلومة الموثوقة

تأخذ القضية بعدا ملموسا في الجزائر مع التوسع السريع في استعمال الإنترنت والخدمات الرقمية؛ إذ تكشف بيانات سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية للثلاثي الثالث من 2025 أن الحظيرة الإجمالية لاشتراكات الإنترنت الثابت والنقال بلغت نحو 60.54 مليون اشتراك، مقابل 56.54 مليونا خلال الفترة نفسها من 2024، بزيادة 7.07 بالمائة.

ولا يعني رقم الاشتراكات عددا مماثلا من الأشخاص، لأن الفرد قد يمتلك أكثر من اشتراك أو يجمع اتصالا ثابتا بآخر نقال، لكنه يقدم مؤشرا على اتساع البنية الرقمية؛ إذ أحصت السلطة 6.819 ملايين اشتراك في الإنترنت الثابت و53.636 مليون اشتراك نشط في إنترنت الهاتف النقال بنهاية الثلاثي الثالث من 2025.

ويظهر التحول أيضا في نوع الاتصال الثابت؛ إذ سجلت سلطة الضبط أكثر من 2.565 مليون اشتراك في الألياف البصرية إلى المنزل خلال الثلاثي الثالث من 2025، بينما أعلنت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، في مؤشر أحدث خلال فيفري 2026، أن عدد الأسر الموصولة بهذه التكنولوجيا فاق ثلاثة ملايين أسرة.

وتتجاوز آثار زيادة السرعة الجانب التقني، لأن الاتصال عالي التدفق يغير كمية المحتوى التي يستطيع المستخدم استهلاكها وطبيعته، ويزيد حضور الفيديو عالي الدقة والبث المباشر والخدمات السحابية والمنصات التعليمية والتطبيقات الإدارية في الحياة اليومية، بالتوازي مع ارتفاع حجم البيانات التي تمر أمام المستخدم خلال ساعات قليلة.

وتكشف بيانات سلطة الضبط جانبا من هذا التحول؛ إذ ارتفع متوسط حركة البيانات الشهرية المستهلكة لكل مشترك في الإنترنت النقال من 8.72 جيغابايت خلال الثلاثي الثالث من 2024 إلى 10.13 جيغابايت خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة سنوية تفوق 16 بالمائة.

ويعني ارتفاع الاتصال واستهلاك البيانات وصول كمية أكبر من الأخبار والمنشورات والفيديوهات والرسائل إلى المستخدم الجزائري، لذلك تدخل المهارات المرتبطة بالمصدر والسياق والتاريخ والتحقق في تفاصيل الحياة الرقمية اليومية، ولا تبقى شأنا مهنيا خاصا بالصحفيين أو الباحثين الذين يتعاملون باستمرار مع الوثائق والمصادر.

وتضيف الرقمنة الحكومية بعدا آخر؛ إذ أطلقت الجزائر خلال جويلية 2026 البوابة الوطنية للخدمات الرقمية الحكومية “Dzair Digital Services”، وأعلنت المحافظة السامية للرقمنة في 21 سبتمبر وصول عدد المسجلين والمستخدمين إلى مليون شخص، فيما سجلت البوابة أكثر من خمسة ملايين زيارة منذ إطلاقها.

وتنتقل العلاقة بالمعلومة الرقمية بذلك إلى الخدمات العامة أيضا. تصبح معرفة الموقع الرسمي والوثيقة الصحيحة والمعلومة المحدثة مسألة عملية عندما يبحث المواطن عن إجراء إداري أو خدمة حكومية، وقد يؤدي الاعتماد على رابط زائف أو معلومة قديمة إلى ضرر يتجاوز الالتباس المعلوماتي إلى تعطل الإجراء نفسه.

ويظهر وزن المصدر الرسمي في تحذير المحافظة السامية للرقمنة، خلال جويلية، من الروابط غير الرسمية وتحديدها العنوان الإلكتروني الوحيد للبوابة الوطنية للخدمات الرقمية، وهو تنبيه يرتبط مباشرة بأمن المستخدم وجودة المعلومات التي يحصل عليها في بيئة تتعدد فيها الصفحات والروابط التي قد تحمل أسماء متشابهة.

ويضيف البرنامج الوطني للتمكين الرقمي “7.77” مؤشرا على حضور المهارات الرقمية في السياسات العمومية؛ إذ أعلنت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية في ماي تسجيل 64.508 أشخاص في البرنامج على المستوى الوطني، بما يربط توسع البنية التحتية بالحاجة إلى تطوير قدرة المستخدم على التعامل مع الأدوات والخدمات الرقمية.

ويقر دستور 2020 هذا المبدأ من زاويتين؛ إذ تنص المادة 54 على حق الصحفي في الوصول إلى مصادر المعلومات في إطار احترام القانون، بينما تقر المادة 55 حق المواطن في الوصول إلى المعلومات والوثائق والإحصائيات والحصول عليها وتداولها ضمن الحدود التي ينص عليها الدستور والقانون.

وتجمع التجربة الجزائرية بذلك بين وجهين للمسألة؛ أولهما توسيع الشبكات وتحسين السرعات وربط الأسر والخدمات، وثانيهما نوعية الاستخدام الذي يأتي بعد الاتصال، لأن الوصول إلى ملايين الصفحات لا يحسم وحده مسألة معرفة المصدر الرسمي والتمييز بين الخبر والإعلان والرأي والمحتوى المصطنع أو تحديد الصفحة الأصلية وسط التدفق المتواصل.

الخوارزمية تختار.. والذكاء الاصطناعي يقدم الإجابة مباشرة

قبل عقود، كان القارئ يعرف غالبا من اختار له الأخبار، سواء تعلق الأمر بمحرر الصحيفة أو هيئة تحرير النشرة أو المحطة الإذاعية، بينما تشارك اليوم أنظمة رقمية في ترتيب جانب واسع مما يصل إليه اعتمادا على إشارات ترتبط بالمستخدم والمحتوى والتفاعل، لذلك أصبحت الخوارزمية وسيطا حاضرا في الحياة المعلوماتية لمليارات الأشخاص.

ولا يعني وجود الخوارزمية أنها تقود المستخدم دائما إلى محتوى خاطئ، لكنها تعمل وفق أهداف قد تختلف عن معايير العمل الصحفي؛ إذ تدخل معدلات التفاعل والوقت الذي يقضيه المستخدم مع المادة ضمن العوامل المؤثرة في الانتشار، وهو ما يجعل تصميم المنصة عنصرا في تحديد المعلومات التي تصل إلى الجمهور.

ويشرح ذلك جانبا من المفارقة التي يسجلها تقرير رويترز، لأن الجمهور يعتمد بصورة متزايدة على منصات يعطيها مستويات محدودة من الثقة؛ إذ تبلغ الثقة في الأخبار عبر شبكات التواصل 22 بالمائة، وتصل في إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالأخبار إلى 20 بالمائة، مقابل 37 بالمائة للثقة العامة في الأخبار.

ويرى نادر غزال أن سهولة الوصول والسرعة وتنوع المحتوى تساعد على تفسير توسع استخدام هذه الأدوات رغم فجوة الثقة؛ إذ يجد المستخدم المادة أمامه من دون بحث طويل ويستطيع الانتقال بسرعة من موضوع إلى آخر، غير أن هذه الراحة تبقي السؤال قائما عن الجهة التي أنتجت المحتوى والدليل الذي تستند إليه.

ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة أخرى إلى العلاقة بالمعلومة؛ إذ اعتاد مستخدم محرك البحث كتابة كلمات والحصول على قائمة روابط ثم اختيار الصفحة التي يريد زيارتها، بينما يستطيع الآن طرح سؤال كامل على روبوت محادثة والحصول على إجابة مركبة داخل نافذة واحدة، من دون المرور دائما بالمواقع التي جاءت منها عناصر الإجابة.

ووصل هذا السلوك إلى الأخبار؛ إذ يكشف تقرير الأخبار الرقمية 2026 أن 10 بالمائة من المشاركين في الأسواق التي شملها البحث يستعينون بروبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أسبوعيا، بعدما سجلت النسبة 7 بالمائة في العام السابق، وترتفع إلى 16 بالمائة لدى من تقل أعمارهم عن 35 عاما.

ولا تمثل هذه الروبوتات المصدر الرئيسي للأخبار لدى معظم الجمهور حتى الآن؛ إذ يذكر معهد رويترز أن واحدا بالمائة فقط من المشاركين يعتبر الذكاء الاصطناعي مصدره الرئيسي للأخبار، بما يشير حاليا إلى دور تكميلي أكثر من كونه بديلا شاملا للمسارات الأخرى، رغم النمو السريع في الاستخدام الأسبوعي.

وتكمن جاذبية هذه الأدوات أيضا في قدرتها على مواصلة الحوار، لأن المستخدم يستطيع طلب خلفية الخبر أو شرح مصطلح أو تلخيص قضية طويلة، ثم طرح سؤال آخر استنادا إلى الإجابة السابقة، وبذلك تتحول العلاقة مع المعلومة من قائمة صفحات إلى حوار يبدو أقرب إلى الاستعانة بمن يجمع المادة ويشرحها.

لكن هذه الراحة تحمل معها سؤال المصدر. يعرف قارئ الصحيفة الجهة الناشرة، ويرى مستخدم محرك البحث المواقع التي يستطيع مقارنتها، بينما يستطيع روبوت الذكاء الاصطناعي دمج معلومات من جهات مختلفة داخل إجابة واحدة، ولذلك تصبح إمكانية تتبع الأصل عنصرا أساسيا عند تقييم المادة التي تظهر أمام المستخدم.

ويلفت غزال إلى تحد آخر يرتبط بقدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنتاج صور وأصوات وفيديوهات تبدو واقعية بدرجة كبيرة، ومع انخفاض الوقت والكلفة اللازمين لصناعة هذا المحتوى، يحتاج المستخدم إلى مهارات تساعده على فحص المصدر والتاريخ والسياق قبل التعامل مع المادة بوصفها تسجيلا حقيقيا لحدث.

ولا تضمن الطلاقة اللغوية دقة المعلومة، لأن نظام الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج إجابة متماسكة حتى عندما تحتوي مادته على خطأ أو نقص. وترتفع لذلك أهمية الرجوع إلى المصادر، خصوصا في الصحة والعلوم والقانون والأزمات والأحداث السريعة التي قد تتغير تفاصيلها خلال ساعات.

حين تصبح المعلومة كثيرة والانتباه قليلا

وسط هذه الوفرة يظهر مورد لا تستطيع التكنولوجيا زيادته بالوتيرة نفسها، وهو انتباه الإنسان؛ إذ يتلقى المستخدم طوال يومه رسائل وإشعارات وأخبارا وصورا وفيديوهات، بينما يبقى الوقت الذي يستطيع تخصيصه لكل مادة محدودا، لذلك انتقلت المنافسة الرقمية بدرجة كبيرة من إنتاج المحتوى إلى الفوز بجزء من انتباه صاحبه.

ويساعد ذلك على تفسير صعود الفيديو والمحتوى السريع والشخصيات التي تقدم الأخبار مباشرة إلى الجمهور؛ إذ يشير تقرير رويترز إلى تحول واضح نحو المشاهدة داخل البيئة الإخبارية الرقمية، مع اتساع دور الفيديو وشبكات التواصل وصناع المحتوى في الطريقة التي يتابع بها الجمهور الأحداث، خصوصا لدى الفئات الأصغر سنا.

ويقول 30 بالمائة من المشاركين في تقرير 2026 إن شبكات التواصل ومنصات الفيديو تمثل مصدرهم الرئيسي للأخبار، مقابل 22 بالمائة قبل خمس سنوات، فيما ارتفعت نسبة من يعتمدون على هذه الشبكات وحدها للحصول على الأخبار إلى 12 بالمائة، بعدما سجلت 6 بالمائة في 2020.

وتكشف الأرقام مشكلة أساسية في اقتصاد المعلومات الحالي، لأن المحتوى يحتاج إلى جذب الانتباه حتى يصل إلى الجمهور، وقد تدفع المنافسة الشديدة بعض المنتجين نحو الاختصار والإثارة والمبالغة. ولا يعني ذلك أن المحتوى القصير ضعيف بطبيعته، بل إن البيئة الرقمية قد تكافئ الانفعال والسرعة أكثر من الشرح الهادئ والدقة.

وتزداد مهمة الصحافة صعوبة داخل هذه البيئة، لأنها تنافس على شاشة الهاتف نفسها الموسيقى والفكاهة والإعلان والمحادثات الشخصية، إلى جانب المؤسسات الإخبارية الأخرى. ويقرر المستخدم خلال ثوان ما إذا كان سيواصل قراءة التحقيق أو الخبر والوثيقة العامة، أم ينتقل بإصبعه إلى المادة التالية التي تتنافس على انتباهه.

ويرى نادر غزال أن هذا التحول يزيد مسؤولية المؤسسات الصحفية المهنية، لأن قدرة أي شخص على إنتاج كميات كبيرة من النصوص والصور خلال وقت قصير تربط قيمة المؤسسة الإعلامية بدرجة أكبر بقدرتها على التحقق والتفسير وربط الوقائع بسياقها، بدلا من التعامل مع سرعة النشر بوصفها القيمة الأساسية التي تقدمها للقارئ.

من يتحمل مسؤولية حماية المعلومة؟

لا يستطيع الفرد تحمل المسؤولية كاملة، لأن مطالبة كل مستخدم بفحص مئات المنشورات التي تمر أمامه يوميا وتحليل كل صورة وفيديو تبدو مهمة غير واقعية. لذلك تحتاج البيئة الرقمية إلى مؤسسات شفافة ومصادر واضحة وأدوات تساعد على معرفة أصل المحتوى، بدلا من تحويل التحقق إلى وظيفة يومية تستنزف وقت المستخدم.

ويناقش مؤتمر سيراليون استجابة تشترك فيها هيئات المعلومات والإعلام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والجهات الحكومية ومؤسسات أخرى، انطلاقا من أن نزاهة المعلومات تحتاج إلى أدوار موزعة، في ظل عجز جهة واحدة عن إدارة تدفق عالمي ينتج كل لحظة كميات هائلة من النص والصورة والصوت.

ويبرز حفظ السجلات ضمن محاور المؤتمر بوصفه أساسا للوصول الموثوق إلى المعلومات، لأن المؤسسة لا تستطيع تقديم معلومة دقيقة إذا كانت سجلاتها ناقصة أو سيئة التنظيم، فيما يصعب على المواطن أو الصحفي التحقق من قرار عام إذا غابت الوثيقة التي تسجل كيفية اتخاذه والبيانات التي استند إليها.

ويؤدي المصدر الرسمي دورا محوريا عندما ينشر البيانات بسرعة ووضوح، لأن وجود أصل واضح للمعلومة عندما يريد الجمهور معرفة رقم أو قرار أو نتيجة تخص قضية عامة يقلل الاعتماد على منشور مجهول، ويعطي الصحفي والباحث نقطة يستطيعان الانطلاق منها لفحص الروايات المتداولة عبر المنصات.

وتأتي الصحافة في المرحلة التالية، لأن نشر الوثيقة لا يحولها وحده إلى معرفة سهلة؛ فقد يحتوي جدول واحد آلاف الأرقام وقد يمتد تقرير رسمي مئات الصفحات، لذلك يحتاج القارئ إلى من يفحص البيانات ويقارنها ويقدمها داخل سياق يساعده على معرفة معناها وحدودها وما تغير فيها.

أما المنصات، فتملك مسؤولية مختلفة بسبب قدرتها على ترتيب المحتوى وتوزيعه على نطاق واسع، وهو ما يرفع الحاجة إلى قدر من الشفافية يسمح للباحثين والجمهور بدراسة طريقة عمل أنظمة التوصية وتأثيرها، خصوصا عندما تحدد قرارات تقنية لا يراها المستخدم المواد التي تصل إلى ملايين الأشخاص خلال وقت قصير.

ويرى غزال أن التعامل مع فائض المعلومات يحتاج إلى الانتقال من الاستهلاك السريع إلى المقارنة والعودة إلى المصدر، خصوصا عندما يحمل المحتوى ادعاء استثنائيا أو يتعلق بقضية صحية أو اجتماعية أو اقتصادية مهمة، لتصبح التربية الإعلامية والرقمية جزءا من القدرة على الانتفاع بالمعلومات نفسها.

ويشدد الخبير على أن الاحتفال باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات لا ينبغي أن يتحول إلى احتفاء بالإنترنت ومحركات البحث والمنصات وحدها، لأن الانتفاع الحقيقي يحتاج، وفق طرحه، إلى معلومة متاحة ومفهومة وقابلة للتحقق، وإلى مستخدم يمتلك الأدوات التي تساعده على التمييز بين المعرفة والتضليل.

ويضيف الذكاء الاصطناعي التوليدي بعدا جديدا لهذه المسؤولية؛ إذ خفضت الأدوات الحديثة الوقت والكلفة اللازمين لإنتاج النصوص والصور والأصوات والفيديوهات، وتستطيع الأدوات نفسها مساعدة الصحفيين والباحثين والجمهور على البحث والمقارنة وتحليل كميات كبيرة من البيانات عندما يستعينون بها ضمن قواعد واضحة.

ولا ترتبط المسألة باعتبار التكنولوجيا مصدرا للمشكلة أو وسيلة للحل، بل بطريقة استعمال الأفراد والمؤسسات لها، وبقدرة المستخدم على معرفة المصدر، ودرجة شفافية المنصات، وسرعة نشر المؤسسات للبيانات، وقدرة الصحافة على فحص المواد قبل نقلها إلى الجمهور، وهي مسؤوليات تتوزع بين أطراف البيئة المعلوماتية المختلفة.

العودة إلى المصدر.. أقصر طريق وسط الضجيج

يعيد هذا كله الاعتبار إلى المصدر الأول، لأن المنشور يستطيع الانتقال من حساب إلى آخر حتى يضيع صاحبه، وتستطيع صورة قديمة العودة مع حدث جديد، وقد يغير مقطع قصير معنى حديث طويل إذا اقتطعه ناشره من سياقه، بينما تعيد العودة إلى الوثيقة أو التسجيل الأصلي جزءا من المعلومات التي فقدتها المادة أثناء رحلتها.

وتصبح التربية الإعلامية هنا مهارة يومية وليست موضوعا خاصا بالصحفيين؛ إذ يستطيع سؤال بسيط من قبيل “من نشر هذا؟” تغيير طريقة التعامل مع المادة، وقد يكشف البحث عن التاريخ أن صورة تقدم على أنها جديدة تعود إلى سنوات، فيما تظهر مقارنة مصدرين اختلافا أخفته صياغة شديدة الثقة.

ولا تعني هذه المهارات نشر الشك في كل شيء، لأن فقدان الثقة في جميع المصادر لن يقود المستخدم إلى معرفة أفضل، بل قد يجعله أكثر عرضة لمن يقنعه بأن الحقيقة نفسها غير موجودة. لذلك تحتاج البيئة المعلوماتية إلى بناء الثقة على أساس الدليل والشفافية وتصحيح الأخطاء وإظهار المصادر.

وتظهر هنا مفارقة تحدد جانبا مهما من مستقبل المعلومات؛ إذ يتجه الجمهور إلى أدوات سريعة ومريحة رغم تحفظه على موثوقية ما تقدمه، ثم يبحث عن وسائل تساعده على سد فجوة الثقة، وهو ما يعيد المصدر الواضح والتوثيق والعمل الصحفي المهني إلى قلب العلاقة بالمعلومة.

وتحمل اجتماعات سيراليون هذه الأسئلة إلى نقاش دولي يستمر حتى الأربعاء 30 سبتمبر، فيما يخصص برنامج الثلاثاء 29 سبتمبر جلسة لاعتماد “إعلان فريتاون” المشترك حول الوصول إلى المعلومات ونزاهتها، ضمن نقاش يجمع مفوضي المعلومات وصناع السياسات والصحفيين والباحثين وممثلي المجتمع المدني.

ويأتي انعقاد المؤتمر في إفريقيا في وقت تواجه فيه القارة تفاوتا في مستويات الاتصال، بينما تعيش مجتمعاتها المتصلة تحديات التضليل والاحتيال الرقمي والمحتوى الاصطناعي والاعتماد المتزايد على المنصات. وتجتمع بذلك مشكلة الوصول القديمة مع سؤال الموثوقية الجديد داخل البيئة الرقمية نفسها، وإن بدرجات مختلفة بين بلد وآخر.

وبعد عقود من التعامل مع الإنترنت بوصفه طريقا إلى أكبر مخزون معرفي عرفه البشر، يتعلق السؤال اليوم بما يفعله الإنسان داخل هذا المخزون عندما يستطيع الجميع إضافة محتوى إليه طوال الوقت. ولا تكمن المشكلة في كثرة المعلومات ذاتها، ولا تشكل العودة إلى زمن الندرة حلا لعصر الوفرة.

وتبقى قدرة مليارات البشر على الوصول إلى المعرفة خلال ثوان تحولا تاريخيا هائلا، غير أن الوفرة تحتاج إلى طرق أوضح لمعرفة صاحب المعلومة ومصدرها وتاريخها والأدلة التي تستند إليها، حتى يستطيع المستخدم الانتقال من الحصول على المحتوى إلى تقدير قيمته، ومن مشاهدة الادعاء إلى البحث عن الدليل الذي يدعمه.

وفي الجزائر، يجعل اتساع البنية الرقمية والخدمات المتصلة بالشبكة هذه المسألة جزءا من الحياة اليومية، لأن سرعة الوصول تزيد عدد المسارات التي يستطيع المستخدم بلوغ المعلومات عبرها، بينما ترتبط الاستفادة الفعلية منها بقدرته على معرفة الصفحة الأصلية والمصدر الصحيح والوثيقة التي يستطيع الاعتماد عليها.

وقد تكون المسافة التي تفصل المعلومة عن المعرفة هي القضية الأهم في عصر الوفرة الرقمية. تصل المعلومة إلى شاشة الهاتف خلال ثانية، أما المعرفة فتحتاج إلى مصدر وسياق ومقارنة ودليل. ويبقى السؤال في عالم ينتج المحتوى أسرع من قدرة البشر على متابعته: كيف نعرف أن ما وصل إلينا يستحق أن نعرفه؟

وسط وفرة المعلومات..

ماذا يحدث عندما يختفي المصدر الأصلي؟

تبدو شبكة الإنترنت للوهلة الأولى كأنها ذاكرة لا تنسى؛ خبر نشر قبل عشر سنوات قد يظهر في نتيجة بحث خلال ثوان، وصورة قديمة تستطيع العودة إلى التداول بعد سنوات من التقاطها، ووثيقة رسمية يستطيع الباحث الوصول إليها من بلد آخر. غير أن هذه الذاكرة أكثر هشاشة مما يوحي به حجمها الهائل.

تكشف دراسة لمركز “بيو” للأبحاث حجم هذه الهشاشة بعدما فحص الباحثون عينة قاربت مليون صفحة إلكترونية ظهرت خلال الفترة من 2013 إلى 2023. وأظهرت النتائج أن ربع الصفحات التي شملتها الدراسة لم تكن متاحة في أكتوبر 2023، بينما وصلت النسبة إلى 38 بالمائة بالنسبة إلى الصفحات التي تعود إلى 2013.

ولا يعني الاختفاء دائما زوال الموقع بكامله، لأن الدراسة وجدت أن الجزء الأكبر من الحالات يرتبط بحذف صفحة بعينها أو إزالتها مع استمرار الموقع الأصلي في العمل. وقد يغير موقع تصميمه أو ينقل محتواه إلى عنوان جديد، وقد تحذف مؤسسة وثيقة قديمة، لينتهي الرابط الذي احتفظ به الصحفي أو الباحث إلى صفحة خطأ بدل المصدر الذي استند إليه.

ويحمل الباحثون لهذه الظاهرة اسم “تعفن الروابط”، ويقصدون به توقف العنوان الإلكتروني عن إيصال المستخدم إلى المحتوى الذي كان موجودا فيه. وتشير مكتبة الكونغرس إلى مشكلة أخرى أشد صعوبة في اكتشافها، تتمثل في استمرار الرابط بالعمل مع تغير المحتوى الذي كان المرجع الأصلي يشير إليه، وهو ما يعرف بتآكل المرجع.

وتصل المشكلة إلى مصادر يفترض أن تؤدي دورا أساسيا في التوثيق، إذ وجد مركز “بيو” أن 23 بالمائة من صفحات المواقع الإخبارية التي فحصها تحتوي على رابط واحد معطل على الأقل، وسجلت صفحات المواقع الحكومية نسبة 21 بالمائة. ووجد الباحثون روابط غير متاحة أيضا داخل المراجع التي تستند إليها صفحات موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية.

وتغير هذه الظاهرة معنى النصيحة التقليدية بالعودة إلى المصدر الأصلي، لأن المستخدم قد يجد الخبر الذي نقل المعلومة بينما يختفي التقرير أو البيان أو الوثيقة التي استند إليها الخبر. عندها تبقى النسخة الثانوية متاحة، لكن الطريق الذي يسمح بمراجعة الأصل والتأكد من السياق أو الرقم أو العبارة يصبح مقطوعا.

وتزداد أهمية المسألة بالنسبة إلى الصحافة والبحث العلمي والوثائق العامة، لأن الرابط لا يؤدي وظيفة تقنية وحسب، بل يحمل جزءا من سلسلة التحقق. وعندما يختفي المصدر بعد سنوات، قد يعرف القارئ أن الكاتب استند إلى وثيقة ما، لكنه يفقد القدرة على فحص الوثيقة بنفسه ومعرفة ما إذا كانت المادة قد نقلتها بدقة.

لهذا تعمل مؤسسات الأرشفة الرقمية على حفظ نسخ من صفحات الويب، بينما توصي مكتبة الكونغرس أصحاب المواقع بالحفاظ على عناوين إلكترونية مستقرة وتحويل الروابط القديمة إلى المواقع الجديدة عند تغييرها. وتوضح المكتبة أن استقرار العنوان يساعد على استمرار الروابط المتداولة ويسهّل حفظ الصفحات واستعادتها داخل الأرشيفات الرقمية.

ولا تستطيع الأرشفة حفظ كل شيء بالطريقة نفسها، لأن تصميم بعض المواقع وتقنياتها قد يصعّبان عمل أدوات الحفظ، وقد تحول إعدادات تقنية دون وصول برامج الأرشفة إلى أجزاء من المحتوى. ولهذا تدعو مكتبة الكونغرس إلى استخدام معايير وتصميمات تساعد أدوات الأرشفة على الوصول إلى الصفحات والملفات والروابط التي تتكون منها المواقع.

وهنا تظهر مفارقة أخرى لعصر الوفرة الرقمية: يستطيع العالم إنتاج معلومات أكثر كل يوم، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى التفكير في كيفية إبقائها متاحة غدا. وقد يصبح العثور على المعلومة القديمة أصعب من العثور على آلاف المواد الجديدة، عندما تبقى الإشارة إلى المصدر في مكانها بينما يختفي المصدر نفسه.

لذلك لا تتعلق ذاكرة الإنترنت بحجم ما تخزنه الشبكة وحده، بل بقدرتها على الاحتفاظ بالسياق والوثيقة والطريق الذي يقود إليهما. وإذا كان عصر الوفرة قد جعل السؤال الأول “أي معلومة نصدق؟”، فإن هشاشة الويب تضيف سؤالا آخر لا يقل أهمية: كيف نتحقق غدا من معلومة إذا اختفى اليوم مصدرها الأصلي؟

الأخبار في كل مكان.. لماذا يهرب منها الجمهور؟

قد تبدو المفارقة غريبة: كلما أصبح الوصول إلى الأخبار أسهل، ازداد عدد الذين يحاولون الابتعاد عنها. الهاتف يحمل الأخبار إلى صاحبه منذ اللحظة التي يستيقظ فيها، والمنصات تلاحقه بالتنبيهات والفيديوهات والتحديثات، لكن وفرة الطرق المؤدية إلى الخبر لا تعني بالضرورة أن الجمهور يريد السير فيها طوال الوقت.

ويكشف تقرير الأخبار الرقمية 2026، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن 42 بالمائة من المشاركين عبر الأسواق التي شملها البحث يقولون إنهم يتجنبون الأخبار أحيانا أو غالبا. ولم تتغير النسبة مقارنة بالعام السابق، لكنها تبدو أكثر دلالة عند مقارنتها بعام 2017، حين بلغت 29 بالمائة فقط.

وتسير هذه الظاهرة بالتوازي مع تراجع الاهتمام بالأخبار نفسها. وفي 46 سوقا تتوفر بشأنها بيانات قابلة للمقارنة، انخفضت نسبة الذين يصفون اهتمامهم بالأخبار بأنه مرتفع جدا أو شديد من 59 بالمائة سنة 2021 إلى أقل بقليل من 46 بالمائة خلال 2026، أي بتراجع بلغ 13 نقطة مئوية.

ولا يعني تجنب الأخبار بالضرورة أن صاحبه قرر الانقطاع عنها نهائيا. قد يختار المستخدم عدم متابعة موضوع بعينه، أو يقلل عدد المرات التي يتفقد فيها الأخبار، أو يتجاوز مادة تظهر أمامه لأنه لا يريد الدخول في تفاصيلها. وهنا يختلف الابتعاد الانتقائي عن فقدان الاهتمام الكامل بما يجري.

وتكتسب الظاهرة معنى أكبر داخل بيئة لا ينتظر فيها الخبر أن يبحث عنه الجمهور. يصل التنبيه إلى الهاتف، وتظهر المقاطع أثناء تصفح المنصات، وتدخل الأخبار بين المواد الترفيهية والمنشورات الشخصية. بذلك يستطيع الإنسان محاولة الابتعاد عن مؤسسة إخبارية، لكنه يجد صعوبة أكبر في الابتعاد عن تدفق الأخبار نفسه.

ويربط تقرير رويترز المشهد الأوسع بحالة من القلق وعدم اليقين والتباعد عن الأخبار، وسط اضطرابات سياسية واقتصادية وتكنولوجية متلاحقة. ولا يسجل التقرير استجابة واحدة لدى الجمهور؛ إذ تظهر إلى جانب القلق والابتعاد نزعة إلى البحث عن مصادر وصيغ جديدة، مع استمرار الاعتقاد بأن الصحافة تستطيع أداء وظيفة مهمة عندما تقدم الأخبار بصورة مفيدة.

وهنا يظهر تحد مختلف أمام المؤسسات الإعلامية. لم تعد المنافسة مرتبطة فقط بمن يصل إلى الخبر أولا أو يجذب أكبر عدد من القراء، بل تمتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف يمكن تقديم الأحداث باستمرار من دون أن يشعر الجمهور بأن متابعة العالم أصبحت عبئا يوميا لا يستطيع تحمله؟

وتزداد صعوبة الإجابة عندما يجتمع الكم الكبير مع سرعة التحديث. الخبر الذي بدأ صباحا قد يحمل عشرات التطورات قبل المساء، والقضية الواحدة تنتج إشعارات ومقاطع وتصريحات وتحليلات وتعليقات متلاحقة. وقد يجد المتابع نفسه أمام كمية من التفاصيل تفوق حاجته الفعلية إلى معرفة ما حدث وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إليه.

ويشير معهد رويترز إلى أن التحولات الحالية تفرض على المؤسسات التفكير في الطريقة التي تساعد بها الناس على تفسير الأحداث ومعرفة صلتها بحياتهم، بدلا من التعامل مع المشكلة باعتبارها سباقا على زيادة كمية المحتوى وحدها. هنا تصبح القدرة على الاختيار والشرح والترتيب جزءا أساسيا من قيمة العمل الصحفي.

وتضيف ظاهرة تجنب الأخبار مفارقة جديدة إلى اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات. فقد ناضل العالم طويلا حتى يستطيع الإنسان الوصول إلى الخبر، بينما يظهر اليوم تحد من نوع آخر لدى جزء من الجمهور: المعلومة متاحة، والشبكة موجودة، والهاتف في اليد، لكن صاحبه يقرر أحيانا ألا يعرف.

ويصبح السؤال عندها مختلفا عن سؤال الوصول التقني أو التحقق من الموثوقية: ما قيمة بيئة تنتج معلومات بلا توقف إذا وصل الإنسان إلى درجة يختار معها إغلاق الباب أمامها؟ وربما يبدأ الجواب من الانتقال من فكرة “المزيد من الأخبار” إلى سؤال آخر: ما القدر الذي يحتاجه الإنسان فعلا حتى يعرف، من دون أن يغرق؟

 

 

↑