الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

أزمة ثقة تتجاوز الاقتصاد.. تحولات عميقة تعيد تشكيل المجتمع الأمريكي

Author
ربيعة خطاب 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشير مقال تحليلي نشره موقع “أكسيوس” إلى أن الولايات المتحدة تعيش حالة من “فجوة الثقة” غير مسبوقة بين الواقع الموضوعي الذي يعكس مؤشرات اقتصادية واجتماعية إيجابية، وبين شعور عام متزايد بالتشاؤم وفقدان الثقة في المؤسسات. ويرى المقال أن هذا التناقض هو نتاج تحولات عميقة شهدها المجتمع الأمريكي خلال العقدين الأخيرين، خاصة مع صعود التكنولوجيا الرقمية وتفاقم الأزمات الاجتماعية والصحية والسياسية.

وفي هذا السياق أكد وائل خليل ياسين، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة شنغهاي ريتش ووال لاستشارات الأعمال، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ما وصفه تقرير حديث لموقع “أكسيوس” بـ”فجوة الثقة” بين الواقع الاقتصادي ومشاعر المواطنين، يمثل إحدى أبرز الظواهر التي تعكس طبيعة المرحلة الراهنة في الولايات المتحدة، حيث تتعايش المؤشرات الاقتصادية الإيجابية مع مستويات متزايدة من التشاؤم وفقدان الثقة بالمؤسسات.

وأوضح وائل خليل ياسين أن هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها من خلال الأرقام الاقتصادية وحدها، بل ترتبط بجملة من التحولات البنيوية التي شهدها المجتمع الأمريكي خلال السنوات الأخيرة. فبرغم تسجيل الاقتصاد الأمريكي معدلات نمو مستقرة وانخفاض مستويات البطالة وتحسن أداء الأسواق المالية، فإن شريحة واسعة من المواطنين لا تشعر بانعكاس هذه النتائج على حياتها اليومية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم، وهي عوامل تجعل الكثير من الأمريكيين يشعرون بأن التحسن الاقتصادي لا يصل إليهم بصورة مباشرة.

وأشار وائل خليل ياسين إلى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء اتساع فجوة الثقة يتمثل في عدم تساوي توزيع المكاسب الاقتصادية، حيث تستفيد بعض الفئات من النمو الاقتصادي أكثر من غيرها، ما يخلق شعورا متزايدا بعدم العدالة الاقتصادية والاجتماعية. وأضاف أن المواطن العادي لا يقيس الواقع من خلال مؤشرات النمو الكلي أو أداء البورصات، بل من خلال قدرته على تلبية احتياجات أسرته وتحقيق الاستقرار المالي، وهو ما يفسر استمرار مشاعر القلق رغم تحسن المؤشرات الرسمية.

ويرى وائل خليل ياسين أن وسائل التواصل الاجتماعي أدت دورا محوريا في إعادة تشكيل نظرة الأمريكيين إلى الواقع السياسي والاجتماعي. فمع تحول المنصات الرقمية إلى المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات بالنسبة لملايين المواطنين، أصبح الرأي العام أكثر تأثرا بالمحتويات التي تبرز الأزمات والخلافات والانقسامات. كما ساهمت الخوارزميات الرقمية في خلق ما يعرف بـ”الفقاعات المعلوماتية”، التي تعزز القناعات المسبقة للمستخدمين وتحد من فرص الحوار بين الاتجاهات المختلفة.

وأكد وائل خليل ياسين أن الاستقطاب السياسي الحاد الذي شهدته الولايات المتحدة، خلال العقدين الماضيين، ساهم بدوره في تآكل الثقة بالمؤسسات الحكومية والإعلامية والقضائية. فكلما ازدادت النظرة إلى هذه المؤسسات باعتبارها منحازة لطرف سياسي معين، تراجعت قدرتها على الاحتفاظ بشرعيتها وثقة المواطنين. ويرى أن هذا الانقسام أصبح من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الأمريكي في المرحلة الحالية.

وأوضح وائل خليل ياسين أن الأزمة الصحية العالمية شكلت نقطة تحول مهمة في الوعي الاجتماعي الأمريكي، حيث أعادت طرح أسئلة جوهرية حول دور الدولة والمؤسسات الصحية والعلمية. وأضاف أن تضارب بعض الرسائل الرسمية خلال مراحل الجائحة ساهم في تعزيز الشكوك لدى فئات من المواطنين، في حين دفع آخرين إلى التمسك أكثر بأهمية المؤسسات العلمية والطبية.

كما أشار وائل خليل ياسين إلى أن الجائحة كشفت بصورة واضحة حجم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الأمريكي، سواء من حيث فرص العمل أو الحصول على الرعاية الصحية أو مستويات الدخل. وأدى ذلك إلى ارتفاع مستوى الوعي العام بالمشكلات البنيوية التي كانت قائمة قبل الأزمة، لكنها أصبحت أكثر وضوحا بعد انتشار الوباء.

وأشار وائل خليل ياسين إلى أن التأثير الأكبر نتج عن التفاعل بين وسائل التواصل الاجتماعي وجائحة كوفيد-19 في آن واحد، حيث أصبحت المنصات الرقمية، خلال فترات الإغلاق، المجال الأساسي لتبادل المعلومات والنقاش العام. وبينما ساهمت هذه المنصات في نشر التوعية الصحية وتعزيز التضامن المجتمعي، فإنها في الوقت نفسه أدت دورا في انتشار المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، ما عمّق حالة الانقسام والشك داخل المجتمع.

وفيما يتعلق بما بات يعرف بـ”الجيل المرتبك”، أكد وائل خليل ياسين أن هذه الظاهرة تعكس تحوّلا بنيويا عميقا أكثر من كونها حالة مؤقتة مرتبطة بمرحلة عمرية معينة. وأوضح أن الأجيال الشابة نشأت في بيئة رقمية مختلفة جذريا عن الأجيال السابقة، حيث أصبحت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من تشكيل الهوية الفردية والاجتماعية، وهو تحوّل سيستمر تأثيره لسنوات طويلة.

وأضاف وائل خليل ياسين أن الشباب الأمريكي يواجه اليوم واقعا مختلفا عن ذلك الذي عرفته الأجيال السابقة، في ظل ارتفاع تكاليف التعليم والسكن وتغير طبيعة سوق العمل وتراجع المسارات التقليدية التي كانت تضمن الاستقرار المهني والاجتماعي. كما أن هذا الجيل عايش أزمات متتالية، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كوفيد-19 والاستقطاب السياسي المتزايد، وهي أحداث تركت آثارا عميقة على رؤيته للمستقبل ومستوى ثقته بالمؤسسات.

ويلفت وائل خليل ياسين أن بعض جوانب هذه الظاهرة قد تكون مرتبطة أيضا بمرحلة عمرية قابلة للتغير مع مرور الوقت، مشيرا إلى أن المجتمعات تمتلك قدرة على التكيف وإعادة بناء الثقة من خلال تطوير السياسات والمؤسسات بما يتناسب مع التحولات الجديدة. كما أن التاريخ الأمريكي يظهر قدرة المجتمع على تجاوز أزمات كبرى وإعادة صياغة علاقته بمؤسساته.

ويؤكد وائل خليل ياسين إلى أن المجتمع الأمريكي يعيش اليوم مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها التحولات الرقمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ما يفسر اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات. وأكد أن معالجة هذه الظاهرة لا تتوقف عند تحقيق النمو الاقتصادي، بل تتطلب إعادة بناء الشعور بالأمان والعدالة والانتماء، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة واستعادة ثقة المواطنين في المستقبل.