الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

أسواق الطاقة تحت الضغط.. مخاوف من عودة الركود التضخمي عالميا

Author
ربيعة خطاب 10 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، حيث باتت أسواق الطاقة تؤدي دورا محوريا في تحديد اتجاهات النمو والتضخم والاستقرار المالي. وقد أعادت التوترات في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما حول الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل النفط، المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية، في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الكبرى تواجه ضغوطا ناجمة عن ارتفاع الأسعار وتشدد السياسات النقدية.

ورغم أن بعض الأسواق المالية أظهرت قدرة لافتة على امتصاص الصدمات ومواصلة الصعود، فإن مؤشرات عدة توحي بأن تداعيات اضطرابات الطاقة لم تظهر كاملة بعد، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف النقل والوقود وتزايد المخاوف من عودة التضخم إلى الواجهة. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتذبذب أسواق النفط.

وفي هذا السياق، يؤكد أحمد ملاعبة، الخبير في الطاقة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط لفترات طويلة يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على معدلات النمو والتضخم والسياسات النقدية للدول الكبرى. ويشير أحمد ملاعبة إلى أن التأثيرات الآنية قد لا تظهر بشكل مباشر على جميع أسواق الأسهم والسلع، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار موجة الارتفاع لفترة طويلة، لأن ذلك قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة معقدة من الركود التضخمي الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.

ويضيف أحمد ملاعبة أن خريطة الطاقة العالمية دخلت مرحلة من الاضطراب وعدم اليقين، رغم المحاولات الدولية لتنويع مصادر الإمدادات عبر دول منتجة جديدة أو عبر زيادة الاعتماد على منتجين مثل النرويج وفنزويلا والجزائر ونيجيريا. ويرى أحمد ملاعبة أن هذه البدائل لا تزال غير قادرة في المدى القريب على تعويض أي اضطراب واسع النطاق في إمدادات الشرق الأوسط، باعتبار أن المنطقة ما تزال تشكل مركز الثقل الأساسي في سوق النفط والغاز العالمي.

ويشرح أحمد ملاعبة أن القفزة الأخيرة في أسعار النفط وعلاوات المخاطر الجيوسياسية أعادت الأسواق إلى مستويات القلق التي شهدها العالم خلال حرب الخليج الأولى عام 1990، وكذلك خلال الأزمة الروسية الأوكرانية في عام 2022، حيث ارتفعت الأسعار بصورة حادة واستمرت عند مستويات مرتفعة لعدة أشهر قبل أن تبدأ بالانخفاض التدريجي مع استقرار الإمدادات. إلا أن الوضع الحالي، بحسب أحمد ملاعبة، يبدو أكثر تعقيدا بسبب اتساع دائرة الصراعات في المنطقة واحتمال تأثر طرق الملاحة الاستراتيجية وممرات تصدير الطاقة مثل مضيق هرمز وباب المندب، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل تدفقات النفط والغاز نحو الأسواق العالمية.

ويؤكد أحمد ملاعبة أن تقييم قدرة الأسواق على مواجهة هذه المخاطر يرتبط بالفارق بين الأسعار الحالية والتوقعات المستقبلية خلال الأشهر القادمة، وهو ما تعتمده مؤسسات مالية عالمية مثل “فانغارد” في قراءتها لحجم المخاطر، استنادا إلى بيانات الأسواق وتحركات العرض والطلب. ويشير أحمد ملاعبة إلى أن استمرار ارتفاع علاوات المخاطر الجيوسياسية قد يبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق.

ويحذر أحمد ملاعبة من أن استمرار اضطرابات قطاع الطاقة لن يقتصر تأثيره على أسعار الوقود فقط، بل سيمتد إلى مجمل الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وتزايد الضغوط التضخمية، الأمر الذي سيضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة بين مكافحة التضخم والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي. ويرى أحمد ملاعبة أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة إذا استمرت صدمات أسعار الطاقة، بينما تبقى الاقتصادات الأوروبية الأكثر عرضة لمخاطر الركود التضخمي بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة.

ويتابع أحمد ملاعبة أن التوترات الجيوسياسية الحالية لا تؤثر فقط على النفط الخام، بل تشمل أيضا سلاسل النقل والتأمين والتخزين، وهي عوامل قد تقلص القدرة الفعلية على تصدير الطاقة من منطقة الشرق الأوسط. ويوضح أحمد ملاعبة أن التجارب التاريخية أثبتت أن استمرار هذه القيود لفترات طويلة يؤدي إلى آثار اقتصادية أعمق، لأن أزمة الطاقة تتحول عندها من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى أزمة هيكلية تؤثر على مختلف القطاعات الصناعية والمالية.

وبحسب أحمد ملاعبة، فإن استمرار اضطرابات أسواق النفط والغاز الطبيعي قد يقود العالم إلى موجة جديدة من الركود التضخمي، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم وتشديد الأوضاع المالية وارتفاع تكلفة الاقتراض، ما يعقد قرارات الحكومات والبنوك المركزية. ويؤكد أحمد ملاعبة أن هذه المرحلة تعد من أصعب المراحل الاقتصادية لأنها تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في وقت واحد.

ويرى أحمد ملاعبة أن منطقة اليورو واليابان ستكونان من أكثر المناطق تضررا في حال بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، إذ إن استمرار سعر النفط عند حدود 125 دولارا للبرميل، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى حدود 150 يورو لكل ميغاواط ساعة حتى نهاية العام، قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمنطقة اليورو بنسبة تصل إلى نقطة مئوية كاملة، وهو ما قد يدفع العديد من الاقتصادات الأوروبية إلى الدخول في مرحلة ركود.

ويشير أحمد ملاعبة إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد يجد نفسه مضطرا إلى مراجعة توجهاته النقدية إذا تعرضت القارة الأوروبية لصدمة ركود تضخمي جديدة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة سيضع صنّاع القرار أمام خيارات معقدة بين الاستمرار في مواجهة التضخم أو دعم النشاط الاقتصادي المتراجع. كما يوضح أحمد ملاعبة أن الضغوط قد تمتد إلى الأسواق المالية، حيث يمكن أن تتعرض الأسهم والسندات في الوقت نفسه لضغوط نتيجة ارتفاع مستوى عدم اليقين العالمي.

ويؤكد أحمد ملاعبة أن الحل الأكثر منطقية لتجنب تحوّل أزمة الطاقة الحالية إلى أزمة اقتصادية عالمية، يتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات وتخفيف حدة الشروط بين الأطراف المتنازعة، والعمل على احتواء الصراعات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات في الشرق الأوسط، وإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في أقرب وقت ممكن. ويخلص أحمد ملاعبة إلى أن استقرار أسواق الطاقة لا يتحقق فقط عبر زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضا تهدئة سياسية عالمية واتفاقات قادرة على تخفيض مستوى المخاطر التي تهدد أمن الطاقة العالمي.

↑