الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

أطفال غزة بين الحرب والنزوح.. جيل كامل يواجه معركة البقاء

Author
إيمان بن يمينة 08 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلنت مصادر طبية في قطاع غزة، يوم أمس، ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال الصهيوني على القطاع إلى 72.971 شهيدا، و173.0128 مصابا، منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023. وأفادت المصادر ذاتها، بأن مستشفيات قطاع غزة استقبلت، خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، 10 شهداء، و36 إصابة.

كما أشارت البيانات الرسمية التي نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 961 شهيدا، وإجمالي الإصابات إلى 3020، فيما جرى انتشال 782 جثمانا، مع بقاء عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الأزمة التي يعيشها أطفال القطاع، حيث حرم مئات الآلاف منهم من الدراسة المنتظمة، فيما لا تزال أعداد كبيرة من العائلات تعيش أوضاع نزوح متكررة داخل مراكز الإيواء. وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين في عدد من المناطق، تتزايد التحذيرات الأممية من التداعيات النفسية والاجتماعية طويلة المدى التي قد تتركها الحرب على الأطفال.

وتتحول ظروف الحرب المستمرة إلى واقع يومي يعيشه الطفل في قطاع غزة في ظل غياب الأمان، خصوصا مع بقاء آلاف الضحايا والمفقودين وسط الركام وعدم قدرة طواقم الإسعاف على الوصول إليهم، وهو ما يضاعف حالات الفقد بين الصغار.

وهذا الواقع يضع منظمات الإغاثة الدولية والمحلية أمام تحديات ميدانية واجتماعية غير مسبوقة للتعامل مع جيل ينشأ وسط الدمار الشامل وغياب مقومات الاستقرار المادي والنفسي. ويركز التقرير في هذا السياق على رصد الآثار بعيدة المدى للحرب والنزوح على السلوك العام للأطفال، إلى جانب تتبع التبعات الاجتماعية المترتبة على توقف المدارس والمراكز الصحية وتأخر الحلول المستدامة لتأهيل الجيل الناشئ.

مناعة نفسية ضعيفة

في هذا السياق، يوضح المحلل الاجتماعي الفلسطيني، الدكتور رائد ناجي، في تصريح خاص، لموقع “الأيام نيوز”، أن النمو السليم والمتوازن للطفل يتطلب أرضية مستقرة وقابلة للتوقع، وهو ما يفتقده أطفال القطاع نتيجة تكرار الصدمات الحادة يوميا ومشاهدة حصائل الشهداء والإصابات المتزايدة.

ويرى ناجي أن النزوح المتكرر، وفقدان الأقارب والوالدين، والتعرض المباشر لمشاهد الدمار، وخطر الموت المستمر، هي عوامل تضعف جهاز المناعة النفسي لدى الصغار، وتتحول مع الوقت إلى ندوب غائرة تؤثر على قدرتهم المستقبلية على التكيف الاجتماعي وبناء الثقة مع الآخرين.

ويشير ناجي إلى أن آثار الصدمات النفسية تظهر غالبا في شكل تغيرات سلوكية متراكمة يصعب تشخيصها عياديا كاضطرابات واضحة، وتتمثل في الانطواء، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، والتراجع في القدرة على التركيز والتعلم.

ويوضح أن الطفل الذي يعيش في بيئة تتكرر فيها مشاهد القصف والتهجير ورؤية الضحايا العالقين في الطرقات يفقد تدريجيا الإحساس بالأمان، الذي يعد شرطا أساسيا لنموه النفسي والاجتماعي السليم.

ويضيف أن العديد من الأطفال في غزة يعيشون حالة ترقب دائم للخطر في الأوقات التي تغيب فيها الطائرات والقصف المباشر، ويظل الخوف حاضرا في تفاصيل حياتهم اليومية، ما ينعكس على أنماط النوم، والاستقرار العاطفي، والقدرة على بناء علاقات اجتماعية طبيعية.

وتستمر هذه التأثيرات لسنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية، وتتطلب برامج متخصصة للدعم النفسي وإعادة التأهيل الشامل لتفادي حدوث شرخ مجتمعي مستقبلي.

خطورة بالغة

ينبه الدكتور ناجي إلى الخطورة البالغة لتعطيل التعليم على مستقبل الأطفال قي غزة، نظرا لأن المدرسة تتجاوز وظيفتها التعليمية التقليدية لتشكل فضاء اجتماعيا آمنا يتيح للطفل التفاعل مع أقرانه واكتساب مهارات التواصل والانضباط والتعاون.

ويضيف رائد أن غياب هذا الفضاء لفترات طويلة يؤدي إلى حرمان الأطفال من أهم أدوات الحماية الاجتماعية والنفسية، ويجعلهم أكثر عرضة للعزلة والاضطرابات السلوكية الحادة التي تفرزها ظروف الحرمان والاضطهاد، موضحا أن ملامح هذه الصدمات تظهر بوضوح في التغير السلوكي للأطفال، وتفرض عليهم ظروف الحرب طرح أسئلة وجودية مبكرة ومعقدة حول مفهوم العدالة والإنصاف والقوانين الدولية، ما يولّد لديهم شعورا عميقا بالاغتراب والخذلان جراء موقف المجتمع الدولي من انتهاك حقوقهم الأساسية في الحياة والأمان والنمو السليم.

انهيار شروط الحياة المادية

يتداخل هذا التدهور النفسي والسلوكي مع انهيار شروط الحياة المادية في مخيمات النزوح ومناطق الإيواء المكتظة، حيث تفتقر العائلات لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية والرعاية الصحية والبيئية.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور زهير مطلق، الأمين العام للاتحاد الوطني للشباب الفلسطيني في غزة، في حديثه لموقع “الأيام نيوز”، أن الأوضاع الراهنة تجاوزت حدود القدرة البشرية على التحمّل ووضعت الجيل الناشئ في حالة ضياع حقيقية تتطلب جردة حساب أخلاقية للعالم بأسره.

ويوضح الدكتور مطلق أن أطفال غزة يعيشون اليوم في غياب تام للحياة الطبيعية والأفق المستقبلي الواضح، حيث يواجهون واقع التشريد المستمر والتنقل القسري من منطقة إلى أخرى بحثا عن الحد الأدنى من الأمان، الذي تشير الأرقام الطبية اليومية إلى تراجعه باستمرار. ويمضي كثير من الأطفال شهورا طويلة بعيدا عن منازلهم ومدارسهم وأحيائهم، ما تسبب في تفكك الروابط الاجتماعية التي كانت تشكل جزءا أساسيا من حياتهم اليومية.

ويستطرد مطلق مبينا أن التكدس المفرط في مراكز الإيواء ونقص الخيام دفع ببعض الأطفال والآباء للنوم في المقابر والمباني المهجورة والمدمرة، في انتهاك صارخ للاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل. وتفتقر العديد من مراكز الإيواء الحالية إلى الشروط الصحية الأساسية، ما يضاعف معاناة الأطفال ويعرضهم لمخاطر صحية متزايدة في ظل محدودية الخدمات الطبية المتاحة والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقائية.

ويرى أن الأزمة تتجاوز حدود توفير الغذاء أو المأوى لتصل إلى غياب البيئة المناسبة للنمو السليم، حيث يفتقد الأطفال المساحات الآمنة المخصصة للعب والتعلم والترفيه. وينعكس استمرار هذه الظروف لفترات طويلة بصورة مباشرة على نموهم النفسي والاجتماعي ويضعف قدرتهم على التفاعل الإيجابي مع محيطهم، ما يهدد بنشوء جيل كامل يعاني من الانفصال عن واقعه الطبيعي.

ويعتبر الدكتور مطلق الانقطاع الطويل عن الدراسة تحديا خطيرا للجيل الحالي، إذ حُرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم المنتظم، ويهدد استمرار هذا الوضع بظهور فجوات معرفية واسعة يصعب تجاوزها مستقبلا. وتأتي عملية إعادة بناء المدارس واستئناف العملية التعليمية وتوفير المقاعد الدراسية البديلة في صدارة أولويات أي خطة طويلة الأمد لإعادة الإعمار والتعافي الاجتماعي.

ويطالب الأمين العام للاتحاد المجتمع الدولي بضرورة “التدخل الفوري والجاد” لإنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار كخطوة أولى تضمن عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية وإعادة دمج هؤلاء الأطفال في بيئات صالحة للحياة.

ويشدد على أن معالجة الأزمة الإنسانية تتطلب برامج طويلة المدى تستهدف إعادة تأهيل الأطفال نفسيا واجتماعيا وتعليميا، وتتجاوز فكرة الاقتصار على المساعدات الإغاثية والتموينية الطارئة فقط.

غزة.. أرقام مرعبة

تتقاطع هذه الشهادات الميدانية والتحليلات النفسية مع البيانات الإحصائية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، والتي توثق فداحة الكارثة بالأرقام والمؤشرات المحدثة.

وتفيد تقارير المنظمة بأن هناك أكثر من مليون ومئة ألف طفل في غزة باتوا بحاجة ماسة وعاجلة لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، لمواجهة أعراض القلق الحاد والاضطرابات السلوكية الناتجة عن الصدمات المركبة والنزوح المتكرر.

وتكشف البيانات أيضا عن وجود أكثر من ثمانية وخمسين ألف طفل يعيشون حاليا دون أحد الوالدين أو كليهما، ما يضاعف مخاطر الاستغلال وغياب الرعاية الأسرية والسند النفسي والمادي.

كما تسببت الحرب في حرمان نحو ستمئة وثمانية وخمسين ألف طفل في سن الدراسة من التعليم المنتظم، نتيجة تدمير المنشآت التعليمية أو تحويلها لمراكز إيواء، ما يهدد بارتفاع نسب الأمية وتراجع التطور المعرفي والذهني للجيل.

وينعكس هذا التدهور على الوضع الصحي والغذائي، إذ يعاني قرابة مئة ألف طفل من سوء التغذية الحاد والمتوسط وسط انهيار كامل لمنظومة اللقاحات الأساسية وشح المياه الصالحة للشرب، وهو ما يتطابق مع التحذيرات الطبية المستمرة من انتشار الأوبئة والأمراض المعوية بين الخيام.

ويعقب الدكتور رائد ناجي على هذه المؤشرات، مؤكدا أن المدرسة تمثل خط الدفاع الاجتماعي الأول لحماية الطفل، وأن تعطيل التعليم يصادر المساحة الآمنة الوحيدة التي تمكن الصغير من التفاعل وبناء شخصيته الاجتماعية ورؤيته للقيم والمجتمع بشكل سليم، متجاوزا مجرد فكرة غياب المعرفة الأكاديمية والتحصيل المدرسي التقليدي.

وتثبت المعطيات الميدانية والتقارير الطبية والدولية الموثقة أن استمرار هذا الوضع يهدد الوعي الذاتي والجمعي للأطفال، ويعمق مشاعر القلق الدائم والخذلان لديهم، بما يتجاوز الخطر المباشر على حياتهم الجسدية وصحتهم البدنية.

وعلى الرغم من محاولات الأطفال التكيف مع هذا الواقع القاسي، عبر اللعب والابتكار وصنع مساحات فرح مؤقتة وسط الركام، تشير القوانين والأعراف الدولية إلى أن الصمود الاضطراري للأطفال لا يُسقط المسؤولية القانونية والأخلاقية، المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الإضافيين، عن الأطراف الدولية والمؤسسات الحقوقية في توفير الحماية الكاملة للمدنيين ومعاقبة الانتهاكات.

ويؤكد هذا المشهد المعقد الممتد منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، أن أي حديث عن وقف العمليات العسكرية يشكل بداية لمسار طويل وشاق لإعادة بناء ما تم تدميره في النفوس والعقول؛ إذ يتوقف إنقاذ هذا الجيل على وضع خطة وطنية ودولية شاملة تركز على إعادة الإعمار النفسي، وتأهيل البنية التحتية للمدارس والمستشفيات، وتوفير الدعم الاجتماعي للأسر المتضررة والأيتام، كضمانة وحيدة لمنع تحوّل هذه الصدمات المتراكمة إلى أزمات اجتماعية وسلوكية مستدامة تعيق اندماجهم وتطورهم في المستقبل، وتضمن لهم الحق في العيش

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.