الأحد، 16 أغسطس 2026 — 1 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

أفغانستان تحتفل.. “الديمقراطية على الطريقة الأمريكية” دمارُ أوطان وهلاكُ إنسان

Author
محمد ياسين رحمة 01 سبتمبر 2022
X Facebook TikTok Instagram

احتفلت أفغانستان بالذكرى الأولى لجلاء القُوّات الأمريكية عن أراضيها. واعتبرت “طالبان” أن يوم الواحد والثلاثين أوت / أغسطس “عيدا وطنيا رسميا” للبلاد، ودعت، في بيان لها، المُجتمع الدّولي “إلى اتباع سياسة معقولة تجاه أفغانستان، واحترام إرادة الأفغان، واستقلال وسلامة أراضي بلدنا، وحقها لتقرير المصير. ونتطلع إلى تفاعل إيجابي مع العالم”.

وكانت “طالبان” قد شكّلت حكومة مُؤقّتة لإدارة شؤون أفغانستان، ولكن دول العالم جعلت الاعتراف بها مشروطا بـ “ضمان الحرّيات، واحترام حقوق المرأة والأقليات، وألاّ تُصبح الأراضي الأفغانية نقطة انطلاق للأعمال الإرهابية”.

الطّيرانُ يوما ونصف لمحاربة الإرهاب

هل كانت أوضاع الأفغانيين ستكون أقلّ مأساوية ممّا هي عليه الآن، لو لم تحلّ الآلة العسكرية الأمريكية إلى التّراب الأفغاني؟ وهل يقبل “الضمير الإنساني” أن يتمّ تدمير الوطن والإنسان من أجل نشر الديمقراطية و”مُحاربة الإرهاب” على بعد 11139 كلم، وهي المسافة بين كابول وواشنطن، تستغرق رحلة الطيران لقطعها يوما كاملا وستّ ساعات؟ بعد عشرين سنة من الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان، لم تقض أمريكا على الإرهاب، ولم تُحقّق “الرفاهية” للشّعب الأفغاني، ولم تترك إنجازا واحدا “يُحمد” لها غير حقول الألغام التي ستبقى تتحرّك عبر الأيّام.

عشرون سنة تحت القبّعة الأمريكية.. ولا شيء غير الأفيون

نشرت سفارة موسكو في واشنطن، يوم الثلاثاء، بيانا بمناسبة الذّكرى الأولى للجلاء الأمريكي عن بلاد الأفغان، جاء فيه: “قبل عام، انتهت الحملة العسكرية الأمريكية التي استمرت عشرين عاما في أفغانستان. ونتائج أطول حرب خارجية في تاريخ الولايات المتحدة، تثير الحزن والأسف. وبعد مرور سنة تتفاقم الكارثة الإنسانية في أفغانستان، وتُهدّد بأن تصبح أكثر فتكا من النزاع المسلح الذي دام عشرين عاما هناك”.

وحول الحصاد الأمريكي، وما حقّقته واشنطن من أهداف، قالت السّفارة: “الحملة الأمريكية لم تتمكن من القضاء على وجود تنظيم القاعدة في أفغانستان. وبتواطؤ من السلطات الأفغانية وشركائها الغربيّين، تمكّنت داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية، من ترسيخ جذورها في الأراضي الأفغانية. وزاد إنتاج المخدرات عشرة أضعاف، ممّا حوّل أفغانستان إلى دولة مُخدّرات.

وتسبّبت الحملة العسكرية الأمريكية، وفقا للأرقام الرسمية في قتل أكثر من 150 ألف أفغاني، بينهم 48 ألفا من المدنيين، مع إصابة 75 ألفا آخرين بجروح، وتحوُّل مئات الآلاف إلى لاجئين”. ودعت السفارة الروسية في واشنطن، بأنه “يجب على السلطات الأمريكية الاعتراف بأن الحرب الأفغانية انتهت بهزيمتها، ولم تجلب لأفغانستان وشعبها إلا المآسي وانهيار الآمال الزائفة”.

من يدفع فواتير المأساة الأفغانية؟

الأوضاع المأساوية في أفغانستان صارت ورقة تضاغط بين الدّول الكبرى، فقد شهدت جلسة لمجلس الأمن الدولي، بمناسبة ذكرى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، تبادلا لـ “اللّوم” بين أمريكا وروسيا. حيث قالت المندوبة الأمريكية “ليندا توماس غرينفيلد” بأن روسيا والصّين تلُومان الغرب، ولكنّهما لا تُشاركان بما يكفي في حلّ المشاكل و”في تمويل أفغانستان”، وهو ما دعا مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، إلى الرّد بأن تلك المشاكل “نجمت بالذّات عن احتلال الولايات المتحدة وحلفائها لهذه الدولة، لمدة عشرين عاما”.

وقال نيبينزيا: “من الكلمات المُطوّلة لزملائنا الأمريكيين، يُمكن للمرء أن يرى فيها تلميحا نحو روسيا والصين لكي تشاركا في إعادة إعمار أفغانستان. وهم يزعمون بأن الولايات المتحدة وحلفاءها فقط من يدفع، أما روسيا والصين فتقفان جانبا. وقاحة مثل هذه التصريحات تثير الدهشة فعلا”.

وأضاف: “تعرض واشنطن على موسكو وبكين فتح الجيوب والمشاركة في إعادة إعمار هذه الدولة التي قام الاحتلال الأمريكي والناتو عمليا بتدمير اقتصادها. أي هم بدلا من الاعتراف بالخطأ والعمل على تسويته، يلومننا لعدم رغبتنا في دفع ثمن أخطاء الآخرين. هذا عرض مدهش فعلا”.

رفع نيبينزيا من حدّة خطابه عندما دعا الدول الغربية أن “تعيد في البداية للشعب الأفغاني الأموال التي سرقتها منه”. وحول مساعدات موسكو للشعب الأفغاني، فقال: “أما نحن فقد ساعدنا وسنواصل مساعدة أفغانستان، ونعرض عليكم التركيز على دفع الفواتير للشعب الأفغاني عن معاناته على مدى عشرين عاما من الاحتلال الأحمق الذي دمر أفغانستان ووضع الشعب الأفغاني على شفا الهاوية”.

وأكّد نيبينزيا بأنه “لا يمكن القياسُ بالمال أرواحَ الذين لقوا حتفهم خلال (ترسيخ الديمقراطية) في أفغانستان، ولا يمكن بالمال أن شتري أمريكا ولاء الشعب الأفغاني”.

حرب أمريكا في أفغانستان.. قراءة صينية

من جانبها، لم تُفوّت الصين فرصة الذكرى الأولى لانسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان، لتفضح “التوحّش” الغربي والأمريكي خاصة، في سياق التّضاغط بالورقة الأفغانية. وكشفت الصين، يوم الثلاثاء، عن استطلاع أجراه مركز أبحاث التلفزيون الصيني الرسمي، جاء فيه بأن معظم الأفغانيين يعتقدون بأن حرب أمريكا ضدّ بلادهم حقّقت “فشلا ذريعا”.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، في مؤتمر صحفي، إلى أن “الاستطلاع مُعبّرٌ للغاية، لأنه يعكس كيف يشعر الشعب الأفغاني والمُجتمع الدولي حقا، بشأن الحرب التي استمرت عقدين في أفغانستان”، واكّد بأن “الحرب التي شنّتها أمريكا أصبحت كابوسا باقيا على الشعب الأفغاني، وأن حملة الولايات المتحدة الانتقائية لمكافحة الإرهاب، جعلت الإرهاب أسوأ في كابول، التي تضم الآن مجموعات إرهابية أكثر مما كانت عليه قبل الحرب”.

قدّم المُتحدّث الصيني قراءة لأرقام الاستطلاع، حيث قال: “من بين المُستجيبين الأفغان، قال 78.2 في المئة بأن الإطاحة بحكومة دولة ذات سيادة باسم محاربة الإرهاب هو “أمر خاطئ تماما”، وأن 80.4 في المئة، من المشاركين العالميين، اتفقوا على أنه عندما غادرت القوات الأمريكية أفغانستان لا تزال أسباب الإرهاب المحلّي قائمة”.

وأضاف بأنه “وفقا للأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن هناك 25 مليون أفغاني يعيشون في فقر، فيما يعجز 3 ملايين طفل أفغاني على العودة إلى المدرسة”. وذكّر المُتحدّث الصيني بقضية تجميد أمريكا لأصول بقيمة سبع مليارات دولار تعود ملكيتها إلى البنك المركزي الأفغاني، وقال: “74.1 في المئة من المشاركين الأفغان يتفقون على أن هذا نهبٌ محضٌ”.

أفغانيون يبيعون أعضاءهم الجسدية وأطفالهم أيضا

“أفغانستان فقيرة للغاية. سكان هذا البلد استنفدوا صبرهم، بينما لا يزداد الوضع إلاّ سوءا”. هكذا وصّفَ الحالَ منسّقُ الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أفغانستان. وأضاف: “الناس ليس لديهم مدخرات في البنوك. والوضع في القطاع المصرفي حرج للغاية. وشهدت أفغانستان عامي جفاف متتاليين خلال السنوات الأربع الماضية. وفيما يتعلق بالغذاء والماشية، تمّ استنفاد كل هذه الموارد”.

كشف المسؤول الأممي بأن الأوضاع المأساوية دفعت بالأفغانيين إلى بيع أطفالهم وأعضائهم الجسدية، وحوالي عشرين مليون أفغاني يعانون من سوء التغذية، وما يُقارب السبعة ملايين “على وشك المجاعة”. وقال: “لدينا دائما ما بين تسع عشرة وعشرين مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية”.

ديمقراطية أمريكا أو هُمبُرغرها.. لا فرق

يبدو أن “الديمقراطية” على الطريقة الأمريكية تكون دوما مرفوقة بخراب الأوطان وتدمير الإنسان. والأوضاع المأساوية في أفغانستان تؤكّد بأن الولايات المُتّحدة لا تكترث لأمر الشعوب، عندما تنشر “ديمقراطيتها” أو هيمنتها في العالم. ربمّا يحتاج الأمر أن تصف واشنطن “طعم” الديمقراطية المحشوّة بالفقر والجوع والمرض والفوضى “المزمنة”، قبل أن “تختار” لأيّ شعب “مُستضعف” أن يحيا في ظلال ديمقراطيتها أو هيمنتها، لا فرق!

ولا عجب أن تُعدّ أمريكا طبق الديمقراطية ثم تُسوّقها بالقوّة في الدوّل التي تستهدفها، وفق ما تسوجبُه استراتيجياتها لفرض هيمنها وضمان مصالحها، تماما مثلما يُعدُّ الأمريكيون الـ “همبرغر” الذي انتشر و”غزا” العالم. ففي النهاية، ديمقراطية أمريكا مثل همبرغرها، تُعدّ في مطابخ.. ولا “تُشبه” الشعوب المُجبرة بالقوة على اعتناقها، فدوما هناك هويّات مُجتمعية ومنظومات أعراف وعادات وتقاليد وأنماط حياة، يجب مراعاتها في بناء أيّ نظام سياسي. وربمّا أن الشعب الافغاني في أوضاعه الراهنة يحتاج إلى الـ “همبرغر” أكبر من حاجته إلى الديمقراطية.