الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

أكاديمية رزين ومشروع “100 إعلامي” في بني عباس.. من التكوين إلى صناعة التأثير الرقمي

Author
هارون عمري 29 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يبرز مشروع مئة إعلامي في ولاية بني عباس كمبادرة شبابية تطوعية رائدة تسعى إلى إعداد وصناعة قيادات إعلامية جديدة في عمق الجنوب الجزائري، وتندرج هذه الخطوة الاستراتيجية ضمن البرنامج الوطني “قادة شباب الجزائر” بدعم من وزارة الشباب والرياضة، وتتولى أكاديمية رزين للتدريب الإعلامي مهمة تنفيذ هذا المشروع الطموح لتكوين مئة شاب وشابة في مجالات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى، وتؤسس هذه الديناميكية لمرحلة متجددة تهدف إلى تمكين أبناء المنطقة من تمثيل ولايتهم ونقل تراثها وثقافتها باحترافية عالية، وتخلق هذه المبادرات بيئة خصبة تمنح الشباب فرصة حقيقية للتعلم والابتكار وتطوير مهاراتهم الفنية وفق أسس أكاديمية وتطبيقية متينة تروج للمقومات السياحية المحلية وتضعها في صدارة المشهد الرقمي الوطني.

وفي هذا السياق المتعلق بكيفية استثمار الطاقات الشابة وتوجيهها نحو صناعة المحتوى الهادف، يطرح المشرفون على المبادرة مقاربات عملية تضمن استدامة هذا الفعل التكويني عبر توفير تدريب مجاني وشامل يمتد لعدة أشهر، وتؤكد الآراء التنظيمية على حتمية التركيز على الجانب التطبيقي والميداني لتخريج دفعات قادرة على التأثير الإيجابي في الفضاء الافتراضي، وتترافق هذه الجهود مع مساع حثيثة لتذليل الصعوبات اللوجستية وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع بلديات الولاية لتأسيس شبكة إعلامية متماسكة.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد بلبيض فؤاد رحيم، مدير المشروع أنه يندرج ضمن برنامج “قادة شباب الجزائر” التابع لوزارة الشباب، ويهدف إلى تكوين مئة شاب وشابة في المجال الإعلامي من أجل إعداد جيل من الإعلاميين الشباب القادرين على التعريف بالمقومات السياحية والتاريخية والثقافية للولاية.

مبادرة شبابية تطوعية تؤسس لنهضة إعلامية في الجنوب

تكتسي عمليات التكوين المستمر أهمية بالغة في تطوير قدرات الموارد البشرية وتوجيهها نحو خدمة التنمية المحلية في المناطق الصحراوية التي تزخر بطاقات كامنة تنتظر الدعم والمرافقة المستدامة، ويشكل مشروع مئة إعلامي قفزة نوعية في مسار اللامركزية الثقافية والإعلامية التي تنتهجها السلطات العمومية لتمكين شباب الجنوب من أدوات التأثير وصناعة الرأي العام، وتعمل أكاديمية رزين للتدريب الإعلامي بوصفها الذراع التكويني لمؤسسة رزين للفنون والإعلام على تجسيد هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع ملموس يعود بالنفع المباشر على الساكنة ويرفع من مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الإعلام البديل.

وتسعى هذه المبادرة المجانية بالكامل إلى تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الشباب الطموح وتجنيبهم تكاليف الدورات التدريبية الباهظة التي تقدم عادة في المدن الكبرى وشمال البلاد، وتضمن هذه المجانية استقطاب الكفاءات الحقيقية والمواهب الشغوفة التي تفتقر إلى التمويل الكافي لتطوير مهاراتها. وأوضح بلبيض فؤاد رحيم أن المبادرة تطوعية ومجانية وتعتمد مبدأ تكافؤ الفرص من خلال اختيار عشرة مشاركين من كل بلدية بما يضمن تمثيل مختلف مناطق الولاية، مشيراً إلى أن فكرة المشروع انطلقت من الرغبة في تقريب التكوين الإعلامي من الشباب وتجنيبهم عناء التنقل إلى ولايات أخرى لاكتساب المهارات والخبرات.

تكوين احترافي يركز على التطبيق الميداني والمهارات العملية

يقتضي العمل التكويني الجاد التأسيس لمسارات طويلة الأمد تتجاوز الطابع النظري البحت الذي يحد غالبا من فعالية المشاريع التعليمية الموجهة للشباب، ويجعل مخرجاتها منفصلة عن الواقع المهني، وتتطلب عملية صقل المواهب الإعلامية ومرافقتها متابعة دقيقة ومستمرة تسمح للمستفيدين بالتدرج في اكتساب المعارف وتطبيقها ميدانيا وفق منهجية علمية مدروسة بإشراف خبراء وصنّاع محتوى متمرسين، وتعتبر الاستمرارية في طرح الورشات التدريبية العامل الحاسم في تحويل الهواية العابرة إلى احتراف حقيقي يغذي المشهد الإعلامي الوطني بطاقات شابة مؤهلة تقنيا وفكريا.

ويتميز هذا المشروع بهيكلة زمنية دقيقة تضمن تحقيق الأهداف المسطرة دون إرهاق المشاركين أو التأثير السلبي على التزاماتهم المهنية والدراسية اليومية، حيث برمجت الحصص كل يوم سبت من الثامنة صباحا إلى الواحدة ظهرا لتوفير مناخ تعليمي مريح، وأضاف مدير المشروع أن البرنامج التكويني يمتد على مدار ستة أشهر بمعدل يوم تكويني أسبوعياً وبحجم إجمالي يقدر بـ120 ساعة، ويعتمد أساساً على التكوين الحضوري، لكون المجال الإعلامي يحتاج إلى التطبيق الميداني والتفاعل المباشر أكثر من اعتماده على التكوين عن بعد.

 

محاور شاملة تصقل المواهب وتواكب تطورات المحتوى الرقمي

أفرزت الثورة الرقمية المتسارعة واقعا إعلاميا جديدا يعتمد بشكل مكثف على وسائط الاتصال الحديثة، التي تتطلب إلماما واسعا بتقنيات التصوير والتحرير والتسويق الإلكتروني لبناء حضور رقمي قوي وفعال، وتستدعي هذه التحولات الجذرية تصميم برامج تدريبية متكاملة تغطي كافة جوانب الصناعة الإعلامية بداية من التأسيس النظري وبناء الهوية الرقمية، وصولا إلى التحكم التام في أدوات الإنتاج السمعي البصري، وتمنح هذه التسهيلات التقنية مساحة حرية واسعة للمشاركين للتعبير عن أفكارهم وتوثيق يوميات مناطقهم بطرق مبتكرة وسريعة الانتشار تواكب تطلعات المتلقي المعاصر.

وتعمل الورشات التفاعلية المبرمجة على تلقين المشاركين أبجديات الأداء والحضور الإعلامي وتدريبهم المكثف على تقنيات التقديم والإلقاء والتعليق الصوتي لضمان تخريج كوادر قادرة على مواجهة الكاميرا ومخاطبة الجمهور بثقة وثبات. وأشار المتحدث ذاته إلى أن البرنامج يشمل ستة محاور رئيسية تتعلق بأساسيات الإعلام وأخلاقيات المهنة وصناعة المحتوى البصري والإلقاء والظهور الإعلامي والذكاء الاصطناعي وصناعة الفيلم الوثائقي، وصولاً إلى إنجاز مشاريع إعلامية جماعية يتوج بها المشاركون مسارهم التكويني.

تذليل العقبات اللوجستية وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص

تصطدم العديد من البرامج التكوينية الموجهة لشباب الجنوب بعقبة شساعة المساحة الجغرافية التي تصعب عملية التنقل اليومي، وتحد من قدرة أبناء المناطق النائية على الالتحاق بمراكز التدريب المتواجدة في عواصم الولايات، ويستدعي هذا الواقع الجغرافي تفكيرا عميقا في مراجعة آليات العمل والتنظيم لضمان مرونة أكبر تستجيب لمتطلبات الفئات المستهدفة وتوفر لهم شروط الراحة التي تساعدهم على التركيز والاستيعاب الجيد للدروس المقدمة، وتعتبر الإرادة القوية للجهات المنظمة الركيزة الأساسية لتجاوز هذه التحديات اللوجستية المعقدة والوصول بالمشروع إلى غايته المنشودة.

وتساهم الخطوات التنظيمية المدروسة في خلق حركية إيجابية تنعش الولاية وتوفر فرصا متساوية لجميع الشباب الطموح بغض النظر عن مكان إقامته أو بعد بلديته عن مقر التكوين المركزي، وأكد أن فريق المشروع حرص على تذليل الصعوبات اللوجستية التي تفرضها المسافات الشاسعة بين بلديات الولاية من خلال توفير وسائل نقل للمشاركين القادمين من المناطق البعيدة، مثمّناً في هذا السياق الدعم الذي وفرته مديرية الشباب والرياضة بولاية بني عباس لإنجاح المبادرة.

صناعة محتوى احترافي يروّج للمقومات السياحية والتاريخية

تكتسي مسألة الترويج السياحي والثقافي أبعادا استراتيجية تتجاوز مجرد التعريف السطحي بالمنطقة، لتلامس قضايا التنمية الاقتصادية الشاملة واستقطاب الاستثمارات التي تعود بالنفع العام على الساكنة وتحرك عجلة التنمية، وتعتبر الكفاءات الإعلامية المحلية الأقدر على إبراز جماليات ولاية بني عباس وتسويق تراثها المادي واللامادي، باعتبارها وجهة سياحية رائدة تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لمنافسة كبريات المدن السياحية في الجزائر، ويمثل تأهيل هؤلاء الشباب خطوة استباقية ذكية لتأسيس شبكة إعلامية محلية قوية ومؤثرة تدافع عن مصالح المنطقة وتعرف بها على نطاق واسع وتكسر الصورة النمطية القديمة.

ويشكل التطبيق العملي ومشاريع التخرج التي سينجزها المتدربون في نهاية المسار التكويني الثمرة الحقيقية لهذا الجهد المؤسساتي والمجتمعي المتكامل لبناء قيادات شابة واعية قادرة على حمل المشعل. وختم بلبيض فؤاد رحيم بالتأكيد أن المشروع يسعى إلى الاستثمار في الطاقات الشابة وتزويدها بالمعارف والمهارات الإعلامية الحديثة، بما يمكنها من إنتاج محتوى احترافي يعكس هوية بني عباس، ويسهم في إبراز مؤهلاتها السياحية والثقافية والتاريخية.

تأسيس شبكة إعلامية مستدامة يرسخ مكانة بني عباس رقميا

يمثل نجاح هذه المبادرة التكوينية الطموحة خطوة أولى وحاسمة نحو بناء منظومة إعلامية متكاملة، تتجاوز حدود التغطيات الظرفية لتصنع واجهة رقمية دائمة ومؤثرة، وتتكامل مخرجات هذا المشروع مع الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى إشراك الشباب في التنمية المحلية والترويج السياحي للمناطق الداخلية التي تزخر بإمكانات هائلة غير مستغلة، وتضمن هذه الرؤية الاستشرافية خلق جيل من صنّاع المحتوى القادرين على الدفاع عن قضايا منطقتهم وتسويق صورتها الناصعة باحترافية وموضوعية تامة.

وتكتسب مثل هذه المشاريع الشبابية التطوعية أهمية مضاعفة في ظل التحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي المفتوح، والذي يتطلب حضورا إعلاميا محليا قويا يقطع الطريق أمام التهميش أو التسطيح الثقافي، وتتحول أكاديمية رزين بفضل هذا الجهد التنظيمي المحكم والمرافقة المؤسساتية الفعالة إلى مرجعية موثوقة ونموذج رائد يحتذى به في باقي ولايات الجنوب، لتكرار التجربة وتوسيع دائرة الاستفادة لتشمل آلاف الشباب الطموح، وتتجسد في النهاية معالم نهضة حقيقية تنطلق من الاستثمار المباشر في العقول، وتتوج بصناعة إعلام بديل يخدم المنطقة ويرفع مكانتها عاليا في مختلف المحافل الافتراضية والواقعية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑