الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

أكاديمية “كرة الشوارع”.. أسلوب ألماني جديد لتطوير المواهب

Author
ابتسام مباركي 27 سبتمبر 2023
X Facebook TikTok Instagram

يسعى القائمون على كرة القدم في ألمانيا، إلى تغيير مبادئ اللعبة لدى الأطفال، من خلال مشروع يقوم على مفاهيم مشابهة لـ”كرة الشارع”، حيث لا وجود لحكم يقود المباريات، وليس سوى فرق مكونة من 7 لاعبين كحدٍ أقصى في ملعب صغير مساحته تتّسع بالتناسب مع أعمار اللاعبين.

كرة القدم، الرياضة الشعبية الأولى في العالم، بالرغم من أنها ترتبط اليوم في الأذهان بالملاعب الخضراء الواسعة واللاعبين الذين تحيط بهم هالة النجومية، إلاّ أن الشكل الأول لهذه الرياضة كان أكثر بساطة، ألا وهو اللعب في الشارع.

ففي معظم أنحاء العالم يلعب الأطفال الكرة في الشوارع والطرقات، حيث لا يستطيعون الانضمام إلى أندية متخصّصة للعب الكرة، ومن عمق الشارع ولد نجوم عظمام كتبوا تاريخ كرة القدم من أمثال بيليه ومارادونا وزيكو، وغيرهم.

وكرة القدم في الشارع، هي نوع مختلف من كرة القدم، يتكون الفريق من 5 لاعبين، حارس و4 يلعبون داخل الميدان، مع إمكانية وجود لاعبين احتياط يدخلون بعد كل خمس دقائق يختارون من يخرجوا لينتظروا بدورهم خمس دقائق وهكذا، الملعب يكون صغير عن المعتاد، والمرمى صغير أيضا.

وزمن المباراة عادةً ما يكون 40 دقيقة، أي 20 دقيقة لكل شوط، والفائز هو من يسجل أكبر عدد من الأهداف في الأربعين دقيقة، ويمكن لأحد الفريقين أن يوقف المباراة إذا أحس أنه خاسر أي إذا تلقّى أهدافا كثيرة ولم يعد يرى أن باستطاعته تداركها، الحكم يكون معروف لدى اللاعبين (قد يكونون من الحي ذاته) وليس مشروطا أن يكون خبيرا في مجال التحكيم، لكن، لديه إلمام بسيط بقواعد كرة القدم.

العودة إلى “عقلية كرة الشوارع” في ألمانيا

ومنذ سنوات، يسعى القائمون على كرة القدم في ألمانيا، إلى تغيير مبادئ الكرة لدى الأطفال، من خلال مشروع “Funiño”، لتصبح المفاهيم مشابهة لـ”كرة الشارع”، لا حكم يقود المباريات، فرق مكونة من 7 لاعبين على كحدٍ أقصى في ملعب صغير مساحته تكبر مع ازدياد عمر اللاعبين.

ففي سنة 2019، أكد أوليفر بيرهوف، مدير المنتخب الألماني السابق، أن هناك حاجة للتعديلات عقب خروج المنتخب من دور المجموعات لبطولة كأس العالم، وهبوط “المانشافت” من المستوى الأول لبطولة دوري أمم أوروبا.

وقال بيرهوف، حينها:”أنا على قناعة بأن الفجوة بيننا وبين فرق القمة ليست كبيرة، والاختبار الذي حصل في الصيف الماضي كان خير مثال، الأمر يتطلب المزيد من الشعور بما يجري، ويجب أن نجد مساحة لتطوير الفرديات، نحن بحاجة لعقلية كرة الشوارع”.

وأضاف “لدينا استراتيجية وفريق، يجب أن نطبق هذا، وهو ما سيتطلب بعض الوقت وبعض الحظ أيضاً”، مؤكداً أن المنتخب الأول يحظى بالأولوية، لكن طموح ألمانيا ينبغي أن يكون اللعب في المستويات المتقدمة، مع كل الفرق، وبداية من قطاع الناشئين”.

من هو ماتياس لوخمان مطوّر المشروع؟

لكن، لماذا قرّرت ألمانيا اعتماد مبادئ كرة الشوارع في أكاديميتها؟ يُجيب الصحفي المختص في الشأن الرياضي، مصطفى فرحات، أنه قبل 20 عاماً، التقى ماتياس لوخمان بالراحل هورست فاين للمرة الأولى، ليكتشف لوخمان، مدير الفئات السنية لفرق ما دون 15 عاماً في نادي ماينز الألماني في ذلك الوقت، أنه لا يزال لا يعرف شيئاً عن كرة القدم، على الرغم من حصوله على شهادات في كل من الرياضة، والفيزياء، والطب، وحصوله على رخص تدريبية.

من هو الرجل الذي ألهمه؟

«فاين» الذي كان في شبابه لاعباً للهوكي، قبل أن يُصبح أحد أهم العقول التي طوّرت قطاع الفئات السنية الصغيرة في لعبتي الهوكي وكرة القدم في العالم، ابتكر أساليب لتطوير المواهب بسن صغيرة، كانت سبب إلهام عدد من المسؤولين والمدربين في كرة القدم في أوروبا، والتي اعتمدت بشكل أساسي على كرة القدم المصغرة التي ابتكرها فاين وسمَّاها “Funiño”.

كان المدرب الألماني رجلاً ثورياً، متمرداً بطبعه، رفع صوته في وجه التقاليد، لم تعجبه طرق التدريب التقليدية في موطنه، وتساءل دائماً عن قتل إبداع الصغار وقيد الموهبة وإجبار الأطفال على مجموعة من التدريبات التي لا تتناسب مع أعمارهم وتحدّ من حريتهم مع الكرة، لذلك، أصبح فاين من أوائل الذين أعلنوا الحرب على تدريبات “11 ضد 11” التي لا تزال تُستخدم حتى يومنا هذا في الكثير من الأكاديميات في مختلف الدول.

تلك الأفكار والمبادئ التي تحدث عنها فاين في لقائه مع لوخمان، ألهمت الأخير، ‏الذي بات أستاذ كرة القدم، أو كما يُقال بالألمانية “Fußball-Lehrer”، وهو أعلى مُسمى في ألمانيا لمدرب كرة القدم. ليمتلك لوخمان فيما بعد شهادتي دكتوراه ويصبح “بروفيسور” في جامعة إرلانغن-نورنبرغ الألمانية، بعد ذلك، قضى لوخمان العقد الأخير وهو يزور الأكاديميات في ألمانيا وحول العالم، ليتأكد من إتقان مدربي الفئات السنية الصغيرة مبادئ كرة القدم المصغرة بالشكل الصحيح.

ما هو مقترح “Funiño” وكيف سيطوّر مواهب ألمانيا؟

ولم يتوقف لوخمان عن إطلاق صافرات الإنذار لدى المسؤولين عن كرة القدم الألمانية؛ إذ أخبرهم مراراً وتكراراً بمخاطر عدم الاتجاه نحو التغيير وتطوير الأفكار والأساليب المعتمدة في تدريبات الأطفال، ولكن من دون جدوى.

وبعد الإخفاقات المتواصلة لفرق الفئات العمرية للمنتخب الألماني في البطولات الدولية، ثم الفضيحة المدوية بخروج منتخب ألمانيا الأول من دور المجموعات في بطولة كأس العالم “روسيا 2018″، والخسارة ضد إسبانيا في العام 2020 بنتيجة (6-0)، وملاحظة افتقار ألمانيا للمواهب، ومشكلة مركز المهاجم الصريح في المنتخب الأول، قرّرت “الأفعى التخلي عن جلدها القديم كي لا تموت”، والحل كان بمقترح “Funiño” ألماني.

“العودة إلى قمّة العالم”

يظهر مدير المنتخب الألماني أوليفر بيرهوف في الشاشات باستمرار، يتحدث عن حاجة الكرة الألمانية إلى التغيير؛ لذلك نظم ندوة في العام 2019 بعنوان “العودة إلى قمة العالم”، ليُقدم المشروع المنتظر أمام عدد كبير من المسؤولين والمدربين، والذي من شأنه إعادة ألمانيا إلى المكانة التي كانت عليها قبل 5 سنوات، على قمة العالم.

تناول بيرهوف مواضيع عديدة أبرزها استكشاف المواهب وتغيير نظام الأكاديميات، معتمداً على أفكار فاين كمرجع له، بعد إلحاح كبير من ماتياس لوخمان. وناقش بيرهوف أهمية منح الطفل مساحة ووقتاً أكبر مع الكرة، وذلك عبر اعتماد نظام كرة القدم المصغرة.

هذه البرامج تنطبق على فرق تحت 11 سنة وتحت 9 سنوات وتحت 7 سنوات، والتي تُعرف باسم “Funiño”، اختصاراً لكلمة “Fun” مرح بالإنكليزية، وكلمة “niño” أي الطفل بالإسبانية.

تطوير أنظمة أكاديميات كرة القدم الألمانية

في السياق ذاته، يقول بيور ريس، الرجل الذي يعمل في قطاع الناشئين في الاتحاد الألماني لكرة القدم منذ 8 سنوات، إنه بعد 3 سنوات من التخطيط ومحاولات الإقناع تلك، قرّر اتحاد اللعبة أخيراً أن يُبدي اهتماماً لمشروع تطوير أنظمة أكاديميات كرة القدم، واعتماد برامج خاصة من شأنها تطوير إبداع الأطفال، وبعد مرحلة تجريبية مدتها سنتان شاركت فيها جميع الاتحادات الإقليمية البالغ عددها 21، قدم الاتحاد الألماني لكرة القدم الشكل الجديد لتلك القوانين في مارس 2022.

وفي كل إقليم، بالمائة من الأندية مُلزمة بتطبيق القواعد الجديدة، وسترتفع هذه النسبة إلى 60 بالمائة في العام المقبل، وبعد ذلك سيتعين على جميع الأندية اعتماد هذه القواعد بحلول موسم 2024-2025، واستعان الاتحاد الألماني بخدمات بعض الخبراء من دول أوروبية أخرى، قبل تقديم هذا المشروع.

منح الأطفال مساحة ووقت أكبر مع الكرة

وهكذا، يسعى القائمون على كرة القدم في ألمانيا إلى تغيير مبادئ الكرة لدى الأطفال، لتصبح المفاهيم مشابهة لكرة الشارع؛ لا حكم يقود المباريات، فرق مكونة من 7 لاعبين كحدٍ أقصى في ملعب صغير مساحته تكبر مع ازدياد عمر اللاعبين.

ويحصل الطفل في هذا المنهج على وقت أكبر مع الكرة، وذلك باعتماد نظام المداورة الذي يسمح لجميع الأطفال بالحصول على وقت كافٍ للعب، وأن تكون الكرة بين أقدامهم، مع وجود توجيه من مدربين متخصصين بعد نهاية الحصص والنشاطات.

وفقاً لهذا الشكل الجديد، تكون المواجهات بين الأطفال في سن السادسة (2 ضد 2)، كل فريق يدافع عن مرميين، ومع تقدمهم في السن وبلوغهم السابعة من العمر مثلاً، تصبح المواجهة 3 ضد 3، وفي سن الـ 11 تصبح المواجهة 7 ضد 7، وهكذا.

إذا قمنا بمقارنة الشكل القديم لكرة القدم في الأكاديميات بالشكل الجديد، لوجدنا أن اللعبة، في مختلف الفئات العمرية، كانت تجري 7 ضد 7 بشكلها التقليدي، وفقاً لهذا الشكل الجديد، تكون المواجهات بين الأطفال في سن السادسة (2 ضد 2)، كل فريق يدافع عن مرميين، ومع الزيادة في السن وبلوغهم السابعة من العمر مثلاً، تصبح المواجهة 3 ضد 3، وفي سن الـ 11 تصبح المواجهة 7 ضد 7، وهكذا.