الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
العالم

أكتوبر الوردي.. “التآزر المؤسساتي” في مواجهة سرطان الثدي

Author
ربيعة خطاب 03 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

قد تتوفر لمريضة سرطان الثدي خدمات الكشف والتشخيص والعلاج، لكن فعالية التكفل ترتبط أيضا بما يحدث عند انتقالها من مرحلة إلى أخرى، وهنا تبرز أهمية “التآزر المؤسساتي” في ربط مختلف المتدخلين وتنظيم الإحالة وتبادل المعلومات الطبية، بما يحافظ على استمرارية الرعاية ويجنب المريضة التأخر في الانتقال بين مراحل التكفل أو تعطل مسارها العلاجي. ويأتي انطلاق “أكتوبر الوردي” – شهر التوعية بسرطان الثدي – ليعيد الاهتمام بمختلف سبل الوقاية والمرافقة.

وتزداد أهمية هذا التآزر مع تعدد المؤسسات والمصالح والتخصصات التي تمر بها المريضة، من الكشف والتشخيص والتصوير إلى الجراحة وعلاج الأورام والأشعة، ثم المتابعة والتأهيل والمرافقة النفسية والاجتماعية. وبين كل مرحلتين، يحتاج المسار إلى تنسيق يجنب المريضة تكرار الإجراءات أو تحمل عبء الربط بنفسها بين مختلف المصالح.

وتكشف تقديرات المرصد العالمي للسرطان “GLOBOCAN” لسنة 2022 حجم العبء المرتبط بالمرض في الجزائر، إذ سجل سرطان الثدي 14601 حالة جديدة، محتلا المرتبة الأولى بين السرطانات لدى النساء، بنسبة 41.3 بالمائة من مجموع الحالات الجديدة المقدرة لديهن. ويبرز هذا الحجم أهمية تنظيم مسار التكفل داخل المنظومة الصحية.

وأعاد المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قضية تنظيم هذا المسار إلى واجهة النقاش خلال جمعيته العامة العادية المنعقدة الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، عبر تقرير خصصه لـ“التآزر المؤسساتي ضمن مسار التكفل بسرطان الثدي في الجزائر”، وركز فيه على تحسين الأداء وجودة المسار الذي يرافق المريضة عبر مختلف مراحل التكفل.

تقرير المجلس.. حوكمة مدمجة ونظام معلومات مشترك

ركز تقرير المجلس على أهمية التنسيق بين الجهات المعنية، وطرح توصيات تتجه نحو إرساء حوكمة مدمجة لمسار علاج سرطان الثدي، وتعزيز آليات التنسيق وتطوير نظام معلومات مشترك لمتابعة المريضة عبر مختلف مراحل التكفل.

وتتصل هذه التوصيات بتنظيم رحلة المريضة داخل المنظومة الصحية، في ظل تعدد الجهات المتدخلة فيها، وهو ما يطرح مسألة الربط بين الخدمات وضمان استمرارية الرعاية ضمن مسار منظم، بدل أن تتحمل المريضة مسؤولية التنقل بالمعلومات والنتائج والملف الطبي بين المصالح المعنية بعلاجها.

ويركز التقرير بذلك على العلاقة بين مختلف حلقات التكفل، إذ ترتبط جودة المسار بقدرة الجهات المعنية على التنسيق وتبادل المعلومات ومتابعة المريضة، إلى جانب أداء كل مؤسسة أو مصلحة للمهام الطبية التي تقع ضمن اختصاصها.

وتأتي هذه التوصيات في وقت يركز فيه النقاش الصحي الدولي بشأن سرطان الثدي على استمرارية الرعاية وسرعة الوصول من الاشتباه في الإصابة إلى التشخيص، ثم إلى العلاج، بالنظر إلى أهمية عامل الزمن في رحلة المريضة ونتائج التكفل.

60 يوما لاستكمال التشخيص

وتحدد المبادرة العالمية لمكافحة سرطان الثدي التابعة لمنظمة الصحة العالمية ثلاثة محاور للعمل، هي تعزيز الكشف المبكر، والتشخيص في الوقت المناسب، والتكفل الشامل بالمرض. وحددت المبادرة ضمن أهدافها استكمال التقييم والتصوير وأخذ العينات والتحليل المرضي خلال 60 يوما من وصول الحالة إلى المنظومة الصحية.

ويبرز هذا المعيار أهمية تنظيم الخدمات التي تدخل في عملية التشخيص. وقد تحتاج المريضة خلال فترة محدودة إلى الفحص السريري والتصوير وأخذ عينة وتحليلها قبل تثبيت التشخيص وتحديد مرحلة المرض والخطة العلاجية، الأمر الذي يتطلب وصول المعلومات والنتائج إلى الجهات المعنية في الوقت المناسب.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التشخيص في الوقت المناسب يحتاج إلى مجموعة من الخدمات المنسقة للوصول إلى تشخيص نهائي وتحديد مرحلة المرض، مع أهمية تنظيم الخدمات ونظم المعلومات، خاصة عندما تتوزع خدمات التصوير والتحليل المرضي على مؤسسات مختلفة.

وقد يؤدي التأخر في موعد أو نتيجة أو إحالة إلى تأخير الخطوة اللاحقة، لذلك يرتبط اختصار الآجال بقدرة مختلف المصالح على العمل وفق مسار معروف، يسمح بوصول النتائج والمعلومات إلى الجهة التي تتولى الإجراء الطبي التالي دون تعطيل رحلة المريضة.

الإحالة واستمرارية الرعاية

وعزز المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإفريقيا هذا التوجه سنة 2026 بإعداد دليل لتقييم حالات الاشتباه بسرطان الثدي انطلاقا من الرعاية الصحية الأولية، مع التركيز على الفحص الأولي والإحالة ومرافقة المريضة واستمرارية الرعاية.

وأعلنت المنظمة إطلاق الدليل في 21 سبتمبر، مؤكدة دور الرعاية الصحية الأولية باعتبارها نقطة الاتصال الأولى بالنسبة إلى كثير من النساء اللواتي تظهر لديهن أعراض مشتبه فيها. ويركز الدليل على مسارات سريرية واضحة تساعد العاملين في الخط الأول على تقييم الحالة وتوجيهها إلى خدمات التصوير والتحليل والتشخيص والعلاج.

ويربط الدليل حالات التأخر في التشخيص بعدة عوامل، من بينها ضعف أنظمة الإحالة والثغرات في استمرارية الرعاية. ويولي لذلك اهتماما بمسار المريضة بين الرعاية الأولية والمصالح المتخصصة، ومتابعة المواعيد وتسهيل الإحالة والحد من فقدان المتابعة أثناء التنقل من مستوى صحي إلى آخر.

ويصبح تنظيم الإحالة في هذا السياق حلقة أساسية في التآزر المؤسساتي؛ إذ يحتاج توفر خدمات الفحص والتصوير والتحليل والعلاج إلى آليات تربط بينها ضمن مسار واحد، بما يسمح بمعرفة ما أنجزته المريضة، وما تحتاج إليه لاحقا، والجهة التي ستتولى مواصلة التكفل بها.

كليبي: المريضة في محور مسار التكفل

وفي تعليقه على الطرح الذي قدمه تقرير المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يرى بدر الدين كليبي، المختص في شؤون القطاع الصحي، أن تعزيز التآزر المؤسساتي يبدأ بجعل المريضة محور مسار التكفل وربط مختلف المراحل التي تمر بها، منذ الكشف والتشخيص إلى العلاج والمتابعة والتأهيل.

وأوضح كليبي، في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن تطوير نظام معلومات مشترك يسمح بتبادل المعطيات الطبية الضرورية بين مختلف المتدخلين، ويساعد على تجنب تكرار الفحوصات، إلى جانب تمكين الطبيب من الاطلاع على نتائج التحاليل والصور والتشخيصات والتدخلات السابقة قبل اتخاذ القرار الطبي التالي.

ويشير المختص إلى أن هذه الأداة تسمح أيضا بمعرفة المرحلة التي وصلت إليها المريضة، والإجراءات التي تمت وتلك التي ما تزال مطلوبة، وهو ما يساعد على الحد من الانقطاع أو التأخر، ويوفر للجهة التي تتولى مواصلة التكفل صورة أوضح عن المسار الطبي السابق.

الرقمنة وحدها لا تكفي

ويشدد كليبي على أن الرقمنة وحدها لا تكفي، موضحا أن نجاح النظام المعلوماتي يحتاج إلى توحيد طرق العمل وتحديد مسؤوليات كل مؤسسة واعتماد آليات واضحة وآمنة لتبادل المعلومات، مع احترام سرية المعطيات الطبية.

ويربط المختص الحوكمة المدمجة بالجمع بين النظام المعلوماتي والتنسيق الفعلي بين المصالح، بحيث تعمل الأدوات الرقمية داخل تنظيم واضح للمسؤوليات والإحالة والمتابعة، بدل التعامل معها باعتبارها حلا مستقلا عن طريقة عمل المؤسسات والعلاقة التي تربط مختلف الجهات المتدخلة.

ويرى كليبي أن التنسيق بين المصالح يساعد على تقليص الفواصل الزمنية في رحلة المريضة، ويحد من احتمال ضياع المعلومات أو إعادة الإجراءات التي سبق إنجازها. ويسهم وضوح مسار الإحالة أيضا في تخفيف العبء عن المريضة التي قد تضطر إلى مراجعة عدة مصالح ومؤسسات لاستكمال ملفها العلاجي.

تعدد المتدخلين واختبار استمرارية المسار

ويحدد كليبي أبرز الصعوبات في تعدد المتدخلين والحاجة إلى توحيد آليات تبادل المعلومات وتنظيم الإحالة والمتابعة وضمان انتقال الملف الطبي بسلاسة بين مختلف المصالح، معتبرا أن تحسين التنسيق يحتاج إلى ربط الخدمات ضمن مسار موحد وواضح يمكن متابعة أدائه وتقييمه بصورة مستمرة.

وعن واقع التآزر المؤسساتي في الجزائر، يشير المختص في شؤون القطاع الصحي إلى أن البلاد تمتلك منظومة للتكفل بسرطان الثدي وتبذل جهودا مهمة في هذا المجال، غير أن التحدي المطروح حاليا يرتبط بدرجة كبيرة بتحسين استمرارية المسار وربط مختلف مكوناته.

ويربط كليبي التحسين المطلوب بتعزيز التنسيق بين المؤسسات والمصالح، وتطوير نظام معلومات مشترك لتتبع الملف الطبي، وتوحيد آليات الإحالة، بما يساعد على الانتقال من خدمات تؤديها جهات متعددة إلى مسار متكامل ترافق فيه المريضة منذ دخولها المنظومة الصحية إلى المراحل اللاحقة من الرعاية.

وتشمل رحلة التكفل أيضا ما يأتي بعد التدخلات العلاجية الرئيسية، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن علاج سرطان الثدي قد يجمع، بحسب طبيعة الحالة ومرحلة المرض، بين الجراحة والعلاج بالأشعة والعلاجات الدوائية، إلى جانب الرعاية الداعمة والمتابعة خلال المراحل اللاحقة.

ويختتم كليبي بالتأكيد أن اعتماد مؤشرات واضحة لمتابعة الأداء وآجال التكفل يمثل أحد متطلبات تحسين المسار، مشددا على ضرورة إدراج المتابعة بعد العلاج والمرافقة النفسية والاجتماعية والتأهيل ضمن مسار الرعاية، وعدم التعامل معها بوصفها جوانب ثانوية، لأن جودة التكفل ترتبط باستمرارية الرعاية ومرافقة المريضة خلال مختلف مراحل رحلتها العلاجية.

 

 

↑