أكثر من مجرد وسيلة نقل.. القطارُ مُلهمُ الموسيقيين والأدباء

القطارات القديمة كانت مصدرَ إلهام لأدباء ومُفكرين وفلاسفة، وكذلك كان أزيزُها الراعد مُلهمًا للموسيقيين، ويبدو أن تطوّرها و”أناقتها” وسرعتها وما أحدثته التكنولوجيا من تغييرات عليها، أمورٌ ألغت سحرَ القطار، فصار وسيلة للتنقّل والسفر فحسب.

أصدرت الدكتورة “جوليا وينترسون”، من جامعة “هيدرسفيلد” البريطانية، كتابا عنوانه “السكك الحديدية والموسيقى”. وهو أوّل كتاب في موضوعه يستكشف الروابط بين السكك الحديدية ومجموعة من أنواع الموسيقى الكلاسيكية و”الشعبية” والموضوعات الغنائية.

تضمّن الكتاب أكثر من خمسين قطعة موسيقية كلاسيكية، ومائتين وخمسين أغنية مستوحاة من عوالم القطارات القديمة، سواءٌ تعلّق الأمر بأصوات القطار أو التنقّل به من محطّة إلى أخرى، فهو يحمل بشكل ما، معنى اللقاء أو الفراق.

طفلةُ سكّة الحديد

الكاتبة ذاتها استلهمت فكرة كتابها من القطار، فهي تنتمي إلى عائلة لها علاقات عميقة بالسكك الحديدية. تقول “جوليا وينترسون”: “لطالما كنتُ مهتمّةً بالسكك الحديدية، لأنني عندما كنت طفلة قضيت إجازات مثالية بالسفر في القطار، حيث كان جدّي مديرَ محطةَ نقل بالسكك الحديدية”.

وتضيف قائلة: ” يُمكنني توصيف نفسي بأنني من الأطفال السكك الحديدية. جدّي الأكبر كان مدير محطّة هاوز في شمال يوركشاير، وكذلك اشتغل الكثيرون من أقاربي في هذا المجال.. حقًّا إن القطار يسير في شراييني”.

موسيقى القطارات

إضافة إلى علاقتها العائلية بالقطار، فإن “جوليا وينترسون”، درست الموسيقى في الجامعة، وتخصّصت في العزف على آلة الكلارينت (آلة موسيقية غربية نفخية قديمة)، كما شغلت منصب رئيس قسم الموسيقى الجديدة لناشري الموسيقى “بيتر إديسيون”، وألّفت أكثر من عشرين كتابا في مجال الموسيقى.

تقول الكاتبة: “لقد غير مجيء السكك الحديدية المجتمع في جميع أنحاء أوروبا. وكُتبّت مقطوعات موسيقية خصيصا بمناسبات فتح خطوط جديدة. على سبيل المثال، كتبت عائلة شتراوس -عائلة موسيقية مشهورة- العديد من المقطوعات لهذه الأنواع من المناسبات. ولكن الغريب أن ذلك لم يحدث في المملكة المتحدة، ربما كان نوعًا من الغطرسة، غير أن كثيرا من الأغاني في قاعات الموسيقى كانت تشير إلى السكك الحديدية”.

موسيقى البلوز من أزيز القطار

ارتبط الناس بالقطار لأنه كان الوسيلة المُثلى للسفر، وكانت محطّاته شاهدا على دموع اللقاء أو الفراق. تقول الكاتبة: “في الموسيقى الشعبية، ينجذب الناس إلى مفاهيم المغادرة والعودة، وتساعد السكك الحديدية في خدمة ذلك. في الولايات المتحدة، نشأت موسيقى البلوز من طرف الأشخاص الذين كانوا يغادرون الجنوب، ويذهبون إلى شيكاغو. فالقطار، كان بصوته أو عبروه، يُثير الحنين إلى البيت أو المنطقة.. وكانت ظروف الحياة تدفع الناس إلى التنقّل في رحلات طويلة، فيصيرون أشبه بمُشردين يبحثون عن لقمة العيش من محطة إلى أخرى، وكان القطار هو وسيلة المُتاحة”.

كليك كلاك” أغنيةٌ فريدةٌ

تقدّم الكاتبة أمثلة عن علاقة الموسيقى بالقطار، فتقول: “هناك العديد من الأمثلة على القطارات والسكك الحديدية في الموسيقى، وكان من الصعب معرفة ما يجب التركيز عليه. طوّر توم ويتس (مغني وكاتب أغاني وملحن وممثل أمريكي) تلك الصورة عن التشرّد في القطار، وقد كان مهووسا بالقطارات وجمع أصواتها.

كما أشار بوب ديلان (مغني وملحن وفنان أمريكي) إلى صور السكك الحديدية في كلماته، وتبدو أغنية “كليك كلاك” للكابتن بيفهارت (مغني وموسيقي أمريكي) وكأنها حركة قطار منذ البداية، بطريقة لم أجدها في أيّ مكان آخر”.

ثورة في الموسيقى الشعبية

استعرضت الكاتبة “جوليا وينترسون” تجربتها الأكاديمية مع “جون كيج”، وهو ملحن أمريكي وصاحب نظريات موسيقية، حيث انخرطت معه في مشروع بحثي في كلية “هيدرسفيلد” التقنية في عام 1989، وكان موضوع البحث هو خط سكة الحديد في محطة بولونيا المركزية، وكان أيضا هو مكان الأداء الموسيقي.

كما أضاءت الكاتبة بعض الزوايا حول تأثير القطار في تطوّر الموسيقى، حيث تقول: “لعبت القطارات أيضًا دورًا في تاريخ تكنولوجيا الموسيقى، حيث أصبح ضجيج القطار الذي سجله رائد موسيقى كهروصوتية، بيير شيفر، في محطة باريس عام 1948 أول الأمثلة المعروفة لأخذ العينات، وهي تقنية أحدثت ثورة في الموسيقى الشعبية في النصف الأخير من القرن العشرين”.

ويُذكر أن ” بيير شيفر” هو موسيقي فرنسي، أبدعَ الموسيقى الملموسة التي تستخدم في الكثير من الأفلام.

الهارمونيكا تُحاكي القطار

لم تكن القطارات محبوبةً دوما فهناك من كرهها من الموسيقيين، تقول الكاتبة: “صادفت الكثير من الموسيقى الرائعة التي لم أكن أعرف عنها شيئًا.. وكانت هناك أيضًا مقطوعات موسيقية مثيرة للاهتمام حول الملحنين الذين يحبون القطارات أو يكرهونها، فعلى سبيل المثال: أحبَها بريتن (مؤلف موسيقي إنجليزي)، وكرهها روسيني (مؤلف موسيقي إيطالي). واكتشفت كيف أن الشخصيات المعروفة المرتبطة بالقطارات لم تكن دائمًا كما تبدو”.

تضيف “جوليا وينترسون” قائلة: “بعض الموسيقى الأمريكية تُحاكي القطار على الكمان أو الهارمونيكا، وتوفر القطارات مخططًا لكثير من الموسيقى الكلاسيكية مع تسارع تدريجي، والتقاط السرعة، ثم الإبطاء. هناك بعض التسجيلات الرائعة المتاحة في الموروث الموسيقي الأمريكي المرتبط بالقطار”.

سور الصين” وُلدَ في القطار

قريبا من الموسيقى، في حقول الأدب المُنوّعة، هناك حضورٌ كبيرٌ للقطار من حيث أنه المُلهمُ أو أنه موضوع العمل الأدبي. وفي هذا السياق نذكر الأديب التشيكي، رائد الكتابة الكابوسية، فرانتس كافكا، فقد اعترف في محطّات كثيرة بأن عددا من أعماله القصصية والرواية استلهمها من القطار أو وُلدت في رحلة بالسكك الحديدية. وقد قال بأن مجموعته القصصية “سور الصين” وُلدت في ذهنه أن مُسافر في رحلة بالقطار.

أما رائد الحداثة في الشعر الروسي المعاصر، الشاعر “أندريه فوزنيستيسكي”، فقد أوحى له القطار بإبداع عمله الشعري “ديوان الإغراء”. وقد قال بأن ملحمته الشعرية “المهرة” شرع بكتابتها في القطار عام 1958، وأنهاها في القطار أيضا، خلال إحدى رحلاته خارج روسيا عام 1959.

أوّل قصيدة عن القطار

إذا ما تتبعنا علاقة بالأدب بالقطار فإننا سنكتشف عالما رحبا يليق أن يضمنه كتابٌ، تماما مثلما قامت به الكاتبة “جوليا وينترسون”. لذلك سنكتفي بما يُعتبر أوّل قصيدة عن القطار في الأدب العالمي، كتبتها الشاعر الألماني “أخيم فون أرنيم كارل” (1781 – 1831)، حيث يقول:

يفتح السيفُ الطريقَ للبعض

للبعض الآخر يفتحه المجراف

نترك آثارا حديدية في

الطرق الرديئة

ونمدُّ جسورا فوق تلك التي

تقطعها الأنهار

القطارات الحديدية تشق دائما

لنفسها طريقا

الحصان البخاري

ويُعتبر الشاعر وعالم النبات الألماني “أدلبرت فون شاميسو” (1781 – 1838)، هو أوّل من وصف القطار، في قصيدة نُشرت عام 1830، وكان عنوانها “الحصان البخاري”، حيث يقول:

يا حصاني البخاري

أنت مثالٌ للسرعة

وراءك تترك الزمن وهو يعدو

وتَسرَحُ الآن مُتّجها نحو الغرب

بينما بالأمس كنت آتيا من الشرق

سرقتَ سرَّ الزمن

أرغمته على أن يتراجع بين الأمس والأمس

اضغط عليه يوما بعد يوم

حتى أصل ذات يوم إلى آدم!

آخر المحطة

لقد اختار موقع “الأيام نيوز” أن يكون القطار هو ذاته محطّةً، لا تستوقف الرحلة، ولكنها تستوقف الزمن، ليتعرّف القارئ على الجوانب الموسيقية والأدبية للقطار. وقد يأتي يومٌ تضطلع فيه أقلامٌ عربية في التنقيب عن علاقة الأدب والموسيقى بالقطار في عالمنا العربي.