الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

أكثر من مجرّد خداع.. إنها “غرفة الصدى”!

Author
ربيعة خطاب 19 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أحدثت استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، صدمة كبيرة داخل أروقة الإدارة الأمريكية، فيما اعتبرها محلّلان تحدثا لـ”الأيام نيوز”، تحذيرا مباشرا للرئيس دونالد ترمب. فقد وصف “كينت” العدوان على إيران بأنه “فخّ” دفعت ضغوط صهيونية الولايات المتحدة نحوه، وحذّر من تكرار أخطاء كارثية، سبق أن أودت بحياة آلاف الجنود واستنزفت موارد الأمّة بشكل هائل.

وجاءت رسالة الاستقالة محمّلة باللوم الشديد على ترامب، معبّرة عن خيبة أمل كينت من انحراف الإدارة الحالية عن سياسات حملاته الانتخابية، التي ركزت على “أمريكا أولا”. وأوضح كينت أن إدارة ترامب السابقة كانت أكثر وعيا بكيفية استخدام القوة العسكرية بشكل حاسم دون الانزلاق في حروب طويلة، بينما دفعت الضغوط الصهيونية وجماعات الضغط الأمريكية الإدارة الحالية لشن حرب على إيران، لا تخدم مصالح الشعب الأمريكي وتشكل خرقا للقيم والسياسات التي أعلنها الرئيس سابقا.
وفي نص استقالته، ذكر كينت أن “في بداية ولاية هذه الإدارة، شنّ مسؤولون صهاينة رفيعو المستوى وأعضاء مؤثرون في وسائل الإعلام الأمريكية حملة تضليل إعلامي قوّضت تماما برنامجكم ‘أمريكا أولا’ وزرعت مشاعر مؤيدة للحرب لتشجيع شنّ حرب على إيران. وقد استُخدمت غرفة الصدى هذه لخداعكم وجعلكم تعتقدون أن إيران تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وأنه في حال قمتم بضربها الآن، فسيكون الطريق مفتوحا أمامكم لتحقيق نصر سريع. كانت هذه كذبة، وهو التكتيك نفسه الذي استخدمه الصهاينة لإقحامنا في حرب العراق الكارثية التي كلفت أمتنا أرواح آلاف من أفضل رجالنا ونسائنا. لا يمكننا أن نكرر هذا الخطأ مرة أخرى”.
تكشف هذه الملاحظات عن هشاشة القرار العسكري الأمريكي أمام تأثيرات خارجية، خصوصا من الكيان الصهيوني وجماعات الضغط الإعلامية، ما يوضح أن الإدارة الأمريكية ليست مستقلة بالكامل في قراراتها الاستراتيجية، رغم شعارات “أمريكا أولا”.
ويكتسب موقف كينت بعدا إنسانيا مؤثرا، إذ ربط بين الحرب على إيران وفقده لزوجته شانون في هجوم انتحاري بسوريا عام 2019، قائلا: “كمحارب قديم شارك في 11 عملية قتالية، وزوجا حائزا على نجمة ذهبية فقد زوجته الحبيبة شانون في حرب صنعتها (إسرائيل)، لا يمكنني أن أؤيد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تخدم مصلحة الشعب الأمريكي ولا تبرر تكلفة الأرواح الأمريكية”.
هذه التجربة الميدانية والفقد الشخصي تضيف مصداقية كبيرة لتقييماته للقرارات العسكرية، وتسلط الضوء على التناقض بين المبادئ الأخلاقية والخيارات التنفيذية للإدارة، مما يجعل استقالته أكثر قوة وتأثيرا مقارنة بالاستقالات التقليدية داخل الحكومة.

انقسام الإدارة.. بين دعم ترمب واستقالة كينت
تاريخيا، يُعد جوزيف كينت أكثر من مجرد موظف إداري، فهو جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية، شارك في 11 مهمة قتالية، بما في ذلك عمليات في العراق، ثم عمل ضمن القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، قبل أن يترشح ضمن صفوف الجمهوريين في جنوب غرب ولاية واشنطن، حيث خسر انتخابات 2022 و2024.
هذا المزيج من الخبرة الميدانية والسياسية يمنحه رؤية متعمقة حول التهديدات والاستراتيجيات العسكرية، ويجعله قادرا على تقييم السياسات الأمريكية بشكل موضوعي، بعيدا عن الضغوط الخارجية أو المكاسب السياسية.
تولى جو كينت منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لمدة تقل عن ثمانية أشهر، بعد أن صادق مجلس الشيوخ على تعيينه في يوليو الماضي بأغلبية ضيقة دعمتها أعضاء الحزب الجمهوري فقط. وكانت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد رئيسته المباشرة، وقد أشادت بخبرته القتالية معتبرة أنها دليل على “فهم عميق وعملي للتهديد المتطور للإرهاب”. ومع ذلك، أدت الحرب على إيران إلى انقسام داخل هذا الفصيل من الإدارة، حيث استمر نائب الرئيس جيه دي فانس وغابارد في دعم نهج ترمب، بينما اختار كينت الاستقالة ومعارضة الحرب.

حسين الأسعد

وحسب حسين الأسعد، محلل سياسي مختص بالشؤون الإيرانية من العراق، فقد اعتُبرت استقالة كينت من هذا المركز المرموق “إشارة واضحة إلى أن هناك.. لا نستطيع أن نقول إنه تخبط في القرار الأمريكي، ولكن أيضا لا يوجد نقاء في مستوى القرار الأمريكي، خصوصا وأن الذاكرة الأمريكية تجاه إيران تعتبر دائما أنها دولة مارقة أو راعية للإرهاب”.
وأوضح الأسعد – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن خلفية كينت الشخصية، كونه من اليمين المتطرف ومؤيد سابق لترمب رغم خسارته في الترشيحات الانتخابية مرتين، تفسر تمسكه بموقفه تجاه الحرب على إيران، خاصة بعد أن أوضحت التطورات أن إيران لا تشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة بعد القضاء على أذرعها في المنطقة، وختم بالقول: “مهما كانت القراءات، فإن التخبط داخل القرار الأمريكي هو أوضح القراءات”.

أحمد مهدي

ومن جانبه، رأى الدكتور أحمد مهدي، أكاديمي وباحث في الشؤون الاستراتيجية في غرب آسيا، أن “هذه الاستقالة تعكس وجود أصوات ذات نزاهة وسلوك مهني سليم داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب، رغم الأجواء المحيطة بالفساد وسوء التصرفات التي تورّط فيها بعض المسؤولين”.
وأضاف قائلا – لـ”الأيام نيوز” – أن المستقيل أبدى موقفا أخلاقيا واضحا، معتبرا أن الحرب المقترحة “ليست صحيحة ولا عادلة”، وأن الولايات المتحدة تتصرف بطريقة ظالمة في النزاع، ما يعكس تضارب المصالح السياسية مع المبادئ الأخلاقية. كما كشف أن الاستقالة تشير إلى تراجع النفوذ الأمريكي على حلفائها عند محاولة فرض حروب غير مدروسة، ما يقلل من مصداقية واشنطن على الساحة الدولية.
ردود الفعل على استقالة كينت كانت متباينة، إذ أثارت انقساما واضحا داخل الحزب الجمهوري، بين من اعتبره موقفا متمسكا بالمبادئ، وبين من اتهمه بالافتقار إلى الخبرة وخيانة الرئيس. وقد انتقد الرئيس ترمب كينت واصفا إياه بأنه “لطيف لكنه ضعيف في الشؤون الأمنية”، بينما وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض تصريحاته بـ”المهينة والمثيرة للسخرية”.
في المقابل، أشاد الإعلامي الأمريكي اليميني تاكر كارلسون بقرار كينت واعتبره “أشجع رجل” عرفه، مشيرا إلى أنه تخلى عن منصب يتيح له الوصول إلى أعلى مستويات المعلومات الاستخباراتية رغم توقع الهجوم من التيار المحافظ الجديد.

قصة زوجة مدير “مكافحة الإرهاب” الأمريكي المستقيل
ويكتسب موقف كينت بعده الإنساني العميق من خلال خلفيته الشخصية وتجربته الميدانية، خصوصا فقده لزوجته شانون في هجوم بسوريا عام 2019. فقد وصفتها صحيفة “واشنطن بوست” بأنها كانت من “الوجوه غير المرئية في عالم العمليات الخاصة”، لا مجرد زوجة لمسؤول بارز. انضمت البحرية الأمريكية عام 2003 بعد هجمات 11 سبتمبر، وتخصصت في اللغة العربية، قبل أن تشارك في مهام دعم “قوات النخبة” في العراق وأفغانستان، ثم تعرفت إلى جو كينت، الذي شكلت الحروب جزءا كبيرا من حياته أيضا.
بعد تقاعد جو في 2018، شرعت شانون في دراسة ماجستير في علم النفس العسكري لفهم اضطراب ما بعد الصدمة وآثار الحروب المتكررة، التي كانت ترى انعكاساتها في حياة زوجها وأصدقائه. ورغم ذلك، لم يكن مسارها المهني سهلا، فقد شُخّصت بسرطان الغدة الدرقية أثناء حملها وخضعت لجراحة عاجلة، لكنها لم تُعتبر مؤهلة طبيا للترقية في برنامج الدكتوراه، رغم استمرارها في الخدمة العسكرية. وفي 16 يناير 2019، لقيت مصرعها مع فريق أمريكي صغير في مطعم بمنبج في سوريا إثر تفجير، لتصبح أول امرأة أمريكية تُقتل في الحرب الأهلية بسوريا، ومن أوائل النساء اللواتي كسرن الصورة التقليدية لأدوار النساء في الحروب.
يربط كينت – في رسالة الاستقالة – بين هذه الخسارة الشخصية وقرارات العدوان على طهران، مؤكدا أن “كمحارب قديم شارك في 11 عملية قتالية وزوج حائز على نجمة ذهبية فقد زوجته الحبيبة في حرب صنعتها (إسرائيل)، لا يمكنني أن أؤيد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تخدم مصلحة الشعب الأمريكي ولا تبرر تكلفة الأرواح”. هذا البعد الإنساني يعزز مصداقية تقييماته العسكرية ويمنح استقالته قوة أخلاقية لا تضاهى، مسلطا الضوء على أن قرارات العدوان ليست مجرد خيارات استراتيجية، بل تحمل ثقل حياة وموت أشخاص حقيقيين.