السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

أكثر من 50 ألف قتيلة.. من يحاسب العالم؟

Author
صهيب فنيش 02 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد الموت حدثا استثنائيا يوقظ الضمير العالمي، كما كان في السابق، بل تحوّل إلى مجرّد رقم يتضخّم بشكل مفرط، حتى بات اعتياديا في سجلات الإحصاء العالمي. ففي عام واحد فقط، قُتلت نحو 50 ألف امرأة وفتاة حول العالم، معظمهن على يد أفراد من عائلاتهن، وفق تحذيرات المفوضية السامية لحقوق الإنسان، في مؤشر صادم يعكس اتساع دائرة العنف وتآكل منظومات الحماية الاجتماعية والأخلاقية، على مستوى العالم. هذا الرقم يكشف عن انزلاق خطير إلى مستويات أعمق في طبيعة العنف المعاصر، حيث تتجاور الحروب المسلّحة – كما في مسلسل الإبادة الجماعية ضد غزة – مع أشكال أخرى من العنف البنيوي الصامت، الذي يفتِكُ بالفئات الأكثر هشاشة ويزجّ بحياتها اليومية في أتون مستمر من أجل البقاء.

 

ضمن هذا المناخ الدولي المتوتر، لم تعد القضية مرتبطة بتكرار المآسي بحدّ ذاتها، بل بطريقة استقبال العالم لها. فالتدفق المتواصل للصور الدامية والأخبار العاجلة أعاد تشكيل علاقة الرأي العام بالألم الإنساني، فقد تراجعت مساحة التعاطف لصالح حالة من الاعتياد البارد على الكوارث.

هذا التحول في الوعي الجمعي، وفق قراءة المحلل السياسي، عبد الحق سعدي، لا يعكس فقط تغيرا في طبيعة الصراعات، بل يكشف خللا أعمق في بنية النظام العالمي، الذي بات عاجزا عن تحويل القيم المعلنة إلى مواقف فعلية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل منظومة القواعد الأخلاقية التي يفترض أن تنظّم العلاقات الدولية وتوجّه سلوك الفاعلين فيها.

عبد الحق سعدي

يرى سعدي – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن ما يحدث اليوم يتجاوز مفهوم الحروب التقليدية والنزاعات القائمة على المواجهة العسكرية المباشرة، ليعكس أزمة مركبة تمس المعنى الأخلاقي للسياسة العالمية. ففي ظل التدفق المتواصل للصور الدامية عبر وسائل الإعلام، لم يعد السؤال متعلقا بحجم المأساة بقدر ما أصبح مرتبطا بقدرة العالم على التعايش معها دون رد فعل حقيقي، وهو ما يشير إلى تحول خطير في حساسية الضمير الدولي.

 

غزة كنموذج للعنف المعاصر

ضمن هذا السياق، تحولت غزة – بحسب التحليل – إلى النموذج الأكثر قسوة لتجليات العنف الدموي الحديث، إذ لم يعد القصف الصهيوني على المدنيين سوى وجه واحد من وجوه المأساة، إلى جانب الجوع والخوف وانعدام الدواء وقسوة البرد والانهيار النفسي الناتج عن العيش تحت تهديد دائم. وفي أتون هذه المعاناة، استقبلت النساء الفلسطينيات شهر رمضان هذا العام في ظروف قاتلة، بين الحرب والنزوح داخل خيام بدائية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، حيث يمتزج ثقل الفقدان بمرارة التشرد وقسوة الواقع اليومي.

هذه التعددية في مصادر الألم تكشف، وفق القراءة ذاتها، أن ما يحدث في فلسطين أصبح حصارا شاملا للحياة نفسها، يستهدف شروط البقاء الأساسية للإنسان. والأخطر، بحسب سعدي، ليس اتساع المأساة فحسب، بل اعتياد العالم عليها؛ فالصور التي كانت تهزّ الضمير العالمي سابقا تحولت اليوم إلى مشاهد عابرة ضمن دورة الأخبار السريعة، تفقد تدريجيا قدرتها على إثارة الغضب أو دفع المجتمع الدولي إلى أي تحرك سياسي ملموس.

ويبرز هنا تناقض لافت: فبينما يتراجع تأثير الصدمة لدى الرأي العام الدولي، يواصل سكان غزة إظهار مستويات عالية من الصمود، ما يطرح سؤالا أخلاقيا عميقا حول حدود المسؤولية العالمية، وحول معنى التضامن الإنساني عندما يصبح الألم مرئيا بلا أثر سياسي فعلي.

انطلاقا من هذا الواقع، يذهب سعدي إلى أن الأزمة كشفت هشاشة الخطاب الدولي المرتبط بحقوق الإنسان والقيم الكونية. فالمؤسسات التي قدمت نفسها لعقود بوصفها حارسة للشرعية الأخلاقية بدت، في لحظات الاختبار، عاجزة أو غير راغبة في فرض مساءلة حقيقية عندما تتعارض المبادئ مع موازين القوى. فالانتقائية في التعامل مع الأزمات لم تعد مجرد اتهام سياسي متبادل، بل واقعا مدعوما بوقائع وشهادات متعددة، ما يعزز الانطباع بأن الاعتبارات الجيوسياسية باتت تتقدم على المبادئ الإنسانية.

وهكذا، فإن ما يجري في غزة يمثل انعكاسا لتحول أعمق في طبيعة النظام الدولي، الذي يتجه نحو منطق الهيمنة بدلا من الاحتكام إلى قواعد أممية مشتركة. وفي الإطار ذاته، يرى سعدي أن الصمت أمام القتل الجماعي يخلق سابقة خطيرة تشجع على انتهاك السيادات وإشعال نزاعات جديدة دون خوف حقيقي من المحاسبة، معيدا بذلك إحياء منطق قديم في العلاقات الدولية يقوم على قاعدة “القوي يأكل الضعيف”. هذا التحول دفع عددا متزايدا من الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية عبر تعزيز قدراتها العسكرية تحسبا لمرحلة تتراجع فيها الضمانات الدولية وتتآكل مظلات الحماية التقليدية، ما ينذر بعالم أكثر تسلحا وأقل استقرارا.

 

فضيحة إبستين وحقوق المرأة كمرآة للأزمة العالمية

لا يتوقف تحليل سعدي عند البعد السياسي، بل يمتد إلى المستوى القيمي والفكري، حيث يرى أن العالم يعيش حالة انكشاف واسعة لازدواجية المعايير. فالكذب السياسي لم يعد استثناء طارئا، بل تحول إلى أداة إدارة، بينما يجري – وفق رؤيته – إعادة تعريف المفاهيم الأخلاقية بطريقة تجعل التحايل ذكاء، والتفاهة مرجعية، والانفلات القيمي حرية بلا ضوابط.

ويعتبر أن هذا التحول لا يمثل ظاهرة سطحية مرتبطة بمرحلة إعلامية عابرة، بل يعكس أزمة أعمق في البنية الفكرية للعالم المعاصر، حيث أصبحت بعض المجتمعات تتقبل الانحدار الأخلاقي تحت ضغط السلطة أو الإعلام أو المصالح الاقتصادية. ومن هنا يبرز التساؤل المركزي الذي يطرحه التحليل: هل يعيش العالم انحدارا تلقائيا بفعل الفوضى، أم مسارا منظما يعيد تشكيل موازين القوى والقيم في آن واحد؟

في سياق البحث عن جذور هذه الأزمة، يستحضر سعدي قضية جيفري إبستين باعتبارها نموذجا يكشف التشابك المعقد بين النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. فالقضية، في نظره، تجاوزت حدود السلوك الفردي لتطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة السلطة العالمية وشبكات التأثير التي تعمل خلف واجهات القرار.

غير أن القراءة لا تنزلق نحو التعميم، إذ يشدد على ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات التأويلية، محذرا من تحويل الفضائح إلى سرديات شمولية غير مدعومة بالأدلة. ومع ذلك، فإن تكرار الأزمات المرتبطة بمراكز النفوذ يساهم في إضعاف ثقة الرأي العام بالمنظومة الدولية ويدفع إلى البحث عن تفسيرات بنيوية أعمق لأزمات العصر.

ويتقاطع هذا التحليل مع التحذيرات التي أطلقها المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الذي نبّه إلى تصاعد الانتهاكات بحق النساء عالميا وإفلات المسؤولين عنها من المحاسبة، معتبرا أن العنف ضد المرأة بلغ مستوى “حالة طوارئ عالمية”. ففي كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ندد تورك بالأنظمة الاجتماعية التي تُسكت النساء والفتيات وتسمح للذكور النافذين بالإفلات من العقاب، مشيرا إلى أن قضايا مثل قضية جيفري إبستين وقضية الناجية الفرنسية جيزيل بيليكو كشفت حجم الاستغلال وإساءة المعاملة التي تتعرض لها النساء في سياقات مختلفة.

وأكد أن القضيتين تُظهران مدى هشاشة الحماية الاجتماعية والقانونية عندما تتقاطع السلطة مع النفوذ، متسائلا عمّا إذا كان العالم مستعدا للاعتراف بأن مثل هذه الانتهاكات ليست حالات فردية معزولة، بل ظواهر يسهل استمرارها بفعل صمت اجتماعي وأنظمة غير رادعة.

وشدد المسؤول الأممي على ضرورة أن تحقق الدول في جميع الجرائم المفترضة وأن توفر الحماية للناجيات دون خوف أو محاباة، معربا عن قلقه من تصاعد الكراهية ضد النساء، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث تواجه الشخصيات النسائية في الحياة العامة حملات إساءة ممنهجة. كما أشار إلى أرقام صادمة، إذ قُتلت نحو 50 ألف امرأة وفتاة حول العالم خلال عام واحد، معظمهن على يد أفراد من عائلاتهن، في مؤشر يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والأخلاقية التي تتجاوز الحدود والثقافات.

 

عالم على أعتاب مرحلة انتقالية

من وجهة نظر سعدي، فهذه المعطيات جميعها تؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتسم بتصاعد التسلح، واتساع النزاعات، وتراجع الثقة بين الشعوب وحكوماتها خاصة في الديمقراطيات الغربية، إضافة إلى تآكل المرجعيات الأخلاقية الجامعة. والخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال اندلاع حرب كبرى، بل في تحول الفوضى إلى حالة طبيعية مألوفة، يصبح فيها الظلم خبرا عاديا لا يثير رد فعل جماعيا.

وإذا استمر هذا المسار، فقد يعاد تشكيل النظام الدولي على أساس الصراع الدائم بدل التعاون، ما يهدد بإدخال العالم في دورة طويلة من عدم الاستقرار. ومع ذلك، لا يخلو التحليل من بعد تفاؤلي حذر، إذ يشير إلى أن التاريخ غالبا ما يُظهر أن لحظات الانكشاف الكبرى تسبق تحولات إصلاحية عميقة. فكما تتراكم أسباب الفساد، تتشكل أيضا داخل المجتمعات دوافع المقاومة الأخلاقية، سواء عبر صمود الشعوب، أو ارتفاع أصوات المثقفين، أو تزايد الوعي بضرورة إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي في العمل السياسي.

في خاتمة القراءة، يؤكد سعدي أن ما يحدث في غزة، وما تكشفه الفضائح الدولية، وما تشير إليه تقارير حقوق الإنسان حول أوضاع النساء، ليست أحداثا منفصلة، بل حلقات ضمن سياق عالمي مترابط يعكس أزمة شاملة في السياسة والقيم معا. غير أن العامل الحاسم، في نظره، يبقى وعي الإنسان وقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد المشروع والانجراف وراء التفسيرات المطلقة. فالرهان النهائي لا يقوم على القوة وحدها، بل على امتلاك رؤية أخلاقية متوازنة تجمع بين العدالة والمصلحة، وبين الواقعية السياسية والقيم الإنسانية.