الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

“ألتراس” البكالوريا.. حين تتحول المراجعة إلى استعراض جماهيري

Author
مولود صياد 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تستعد الجزائر لحدثها التربوي الأهم، حيث تتوجه أنظار المجتمع بأسره نحو امتحانات شهادة البكالوريا. وفي الوقت الذي تسخّر فيه أجهزة الدولة إمكانات لوجستية وبشرية ضخمة لضمان سير الامتحانات في ظروف تتسم بالصرامة وتكافؤ الفرص، تبرز على السطح ظاهرة مجتمعية وتربوية تثير الكثير من الجدل.
لقد تحولت المراجعة النهائية للامتحان من قاعات الدراسة الهادئة إلى مسارح وقاعات كبرى تضج بالصخب، في مشهد سريالي يمزج بين التعليم والترفيه التجاري.

وهم المعرفة تحت أضواء الشماريخ

شماريخ تضيء سماء المكان، رايات عملاقة ترفرف، وهتافات مدوية تملأ الأرجاء وتصم الآذان. قد يخيل للمتابع من الوهلة الأولى أن هذا المشهد الاستثنائي ينتمي لمدرجات الملاعب، ويتعلق بأحد فصائل “الألتراس” الشهيرة في الجزائر، تلك المجموعات الجماهيرية المهووسة بشغف التشجيع والتي تتنقل خلف ألوان أنديتها. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن الرياضة؛ فالحدث هنا هو “محاضرة تحضيرية” لامتحان البكالوريا، أقامها أحد الأساتذة البارزين عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي استقطبت، حسب مزاعمه، أكثر من 2000 تلميذ في قاعة واحدة.
هذا المشهد الصاخب ليس سوى تجلٍ صارخ لظاهرة متنامية في الأوساط التعليمية، تتمثل في “الدورات السريعة” أو ما يُعرف بالمراجعات النهائية الشاملة. هذه الدورات التي باتت مقصداً رئيسياً لفئة واسعة من تلاميذ الطور الثانوي، تحمل في ظاهرها لافتة “الدعم المدرسي والمراجعة”، لكنها في باطنها وحقيقتها تميل أكثر إلى الترفيه وتفريغ الشحنات النفسية، في محاولة للتخفيف من الضغط الهائل الذي يسبق موعد الامتحان المصيري.

 

تفكيك الظاهرة: الاستثمار في الذعر وتسليع التعليم

في محاولة لفهم ميكانيزمات هذه الظاهرة الدخيلة على الحقل التربوي، يقدم الأستاذ في ثانوية “مكاوي باحة” والمختص في مادة الفيزياء، سهيل خضراوي، قراءة نقدية وتفكيكية عبر تصريحات خص بها منصة “الأيام نيوز”. يرى خضراوي أن التلميذ، وتحت وطأة الضغط النفسي، يلجأ إلى هذه الدورات للترفيه عن نفسه بعيداً عن قلق المذاكرة التقليدية. وتعتمد هذه الفعاليات على “البهرجة”، المؤثرات البصرية، الألوان الفاقعة، والموسيقى، مغلفة إياها بستار “المراجعة المزعومة”، لأن التلميذ إذا لجأ للترفيه في سياق آخر غير دراسي، سيطارده حتماً الشعور بتأنيب الضمير.
ويؤكد الأستاذ خضراوي من منظور بيداغوجي وعلمي بحت، أن هذه الدورات الاستعراضية “لا تفيد إطلاقاً في التحصيل العلمي الحقيقي”. فعملية التعلم، وبناء القدرات المعرفية، خاصة في مرحلة مفصلية كالبكالوريا، تشترط بيئة هادئة، تركيزاً ذهنياً عالياً، وتفاعلاً مباشراً ودقيقاً بين المعلم والمتعلم؛ وهو ما يسمح بقياس الفروق الفردية ومعالجة النقائص المعرفية لكل تلميذ على حدة.


ويحذر المتحدث من خطورة ما أسماه بـ”التلقين السطحي” وتقديم “المقترحات الجاهزة” وسط أجواء تشبه مدرجات كرة القدم، حيث يغيب العقل التحليلي والنقدي تماماً. هذه الأجواء تمنح المترشح جرعة حماس مؤقتة وشعوراً زائفاً بـ”وهم المعرفة”؛ إذ يعتقد التلميذ أنه استوعب المادة العلمية لمجرد تفاعله العاطفي والحركي مع الأستاذ، ليكتشف في قاعة الامتحان أن الحماس والهتاف لا يحلان معادلة رياضية معقدة، ولا يبنيان مقالاً فلسفياً متماسك الأركان.
ويلخص خضراوي دوافع الظاهرة في عاملين أساسيين؛ الأول هو “التسويق التجاري وتسليع التعليم”، حيث انحرفت دروس الدعم عن مسارها التقويمي لتصبح سوقاً استهلاكية تعتمد على الإبهار البصري وتحويل الأستاذ إلى “علامة تجارية” هدفها جذب أكبر عدد من الزبائن.
أما العامل الثاني فهو “الاستثمار في حالة الذعر”، حيث يستغل منظمو هذه العروض حالة الخوف لدى التلاميذ والأولياء ليبيعوهم الوهم في قالب احتفالي يفرغ من خلاله التلميذ شحنته النفسية (Catharsis)، معتقداً أنه أدى ما عليه. ويصل خضراوي إلى حد مقارنة نجاح هؤلاء الأساتذة جماهيرياً بنجاح فناني ومغنيي الراي، مؤكداً أن الفائدة الحقيقية تكمن في المرافقة المستمرة للتلميذ طيلة الموسم الدراسي ضمن أفواج صغيرة.

استنفار وطني وتجنيد استثنائي لإنجاح بكالوريا 2026

ويتجه مئات الآلاف من التلاميذ، صباح يوم الأحد، عبر مختلف ولايات الوطن نحو مراكز الإجراء، إيذاناً بانطلاق مرحلة الحسم في مسارهم الدراسي مع امتحانات البكالوريا لدورة 2026. هذا الحدث السيادي يحظى بمتابعة وطنية واسعة النطاق وتجنيد استثنائي من مختلف قطاعات الدولة.
وقد بلغت الاستعدادات ذروتها، حيث وفرت وزارة التربية الوطنية كافة الشروط التنظيمية، البيداغوجية، والأمنية لضمان سير الاختبارات في أجواء من الهدوء والسكينة، بما يكفل الشفافية التامة وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين. وتكشف لغة الأرقام عن حجم التحدي اللوجستي هذا العام، حيث يبلغ عدد المترشحين 876.171 مترشحاً، تم توزيعهم بدقة عبر 2973 مركز إجراء على المستوى الوطني، تدعمها 98 مركزاً للتصحيح و18 مركزاً للتجميع.
ولإحكام السيطرة وضمان الانضباط التام، جندت الوزارة الوصية جيشاً من المؤطرين بلغ تعداده 227.278 مؤطراً بمراكز الإجراء وحدها، من بينهم أكثر من 183 ألف أستاذ حارس، فضلاً عن الآلاف من الملاحظين ورؤساء المراكز. كما تم تجنيد أكثر من 52 ألف مؤطر في مراكز التصحيح لضمان دقة وسرعة تقييم أوراق الإجابات.

إجراءات صارمة لضمان النزاهة والرعاية الشاملة

وفي سياق طمأنة المترشحين وعائلاتهم، شددت الوزارة الوصية على أن مواضيع الاختبارات صيغت باحترافية، ولن تخرج إطلاقاً عن إطار البرنامج والمقرر الدراسي الرسمي الذي تابعه التلاميذ داخل الأقسام خلال العام الدراسي.
ولم تغفل الدولة الجانب الإنساني والصحي؛ إذ تم إقرار حزمة من التسهيلات للتكفل بالمترشحين من ذوي الهمم (الإعاقة الحركية والبصرية)، وكذا المقيمين بالمستشفيات، مع تجهيز كافة مراكز الإجراء بقاعات علاج وإسعافات أولية أُسندت لفرق طبية مؤهلة للتدخل السريع. وللتخفيف من أعباء التنقل، تم افتتاح مراكز إجراء جديدة في المناطق النائية والمعزولة، مع ضمان خدمات النقل المدرسي والإطعام.

حرب على الغش ودعوة للتعقل

بالمقابل، وجهت وزارة التربية تحذيرات شديدة اللهجة للمترشحين، داعية إياهم للتحلي بالمسؤولية وعدم الانسياق وراء الشائعات وحملات التضليل التي تغزو منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تروج لتسريبات وهمية للأسئلة. وأكدت السلطات أن المنظومة الأمنية والتقنية المعتمدة تجعل من تسريب المواضيع أمراً مستحيلاً.
كما ذكّرت الوزارة بالعواقب الوخيمة لأي محاولة غش، والتي قد تصل إلى الإقصاء والحرمان من اجتياز الامتحانات الرسمية لمدة خمس سنوات كاملة. ونبهت إلى الصرامة التنظيمية المطبقة، حيث يؤدي الغياب عن مادة واحدة، أو الحصول على علامة الصفر في مادة أساسية، إلى الإقصاء الآلي وفقاً للقوانين المعمول بها.
وفي ختام توجيهاتها، دعت الوزارة جميع المترشحين إلى التحلي بالهدوء، وتفادي أي سلوكيات قد تثير الفوضى، مع التشديد على ضرورة الالتحاق المبكر بمراكز الامتحان قبل إغلاق الأبواب في التوقيت الرسمي. إن بكالوريا 2026 تمثل امتحاناً لقدرات التلاميذ العلمية، ومحطة تثبت فيها الدولة الجزائرية مجدداً قدرتها على إدارة المواعيد الكبرى بحزم، بعيداً عن أوهام المعرفة الاستعراضية ومحاولات التشويش الافتراضي.

Author مولود صياد
أنا مولود صياد صحفي بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، خريج كلية الإعلام والاتصال، تخصص دراسات الإذاعة والتلفزيون. بدأت مساري المهني سنة 2016 من جريدة الحوار ثم تنقلت عبر عدة وسائل إعلام جزائرية وعربية منها وكالة سند بشبكة الجزيرة متخصص في تدقيق الحقائق وتستهويني جدا صناعة المحتوى