السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أمحمد بن قطاف.. منارة المسرح الجزائري وعملاق الركح الخالد

Author
هارون عمري 04 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يُعدّ أمحـمد بن قطاف قامةً شامخة في سماء الفن العربي، ورمزًا استثنائيًا اختزل بموهبته المتفرّدة ووعيه الجمالي العميق تاريخ المسرح الجزائري المعاصر في مسيرة واحدة نابضة بالعطاء، فقد استطاع، عبر عقود من الإبداع، أن يرسّخ اسمه كأحد أبرز البنّائين الحقيقيين لصرح الفن الرابع في الجزائر، جامعًا بين حسّ الفنان ورؤية المثقف، ومحوّلًا الخشبة إلى فضاءٍ حيٍّ للحوار مع المجتمع وأسئلته الكبرى.

لقد شكل هذا المبدع حالة فنية نادرة، حيث تماهت شخصيته مع خشبة المسرح حتى صار من الصعب الفصل بين الرجل وعالمه الركحي الذي عشقه حد الجنون، مكرساً حياته لخدمة الكلمة الهادفة والصورة الجمالية الراقية التي تعكس هوية شعب بأكمله وتطلعاته نحو الحرية والحداثة.

إن المتأمل في مسيرة بن قطاف يدرك أنه لم يقف عند حدود التمثيل التقليدي، فقد سعى منذ بداياته إلى استكشاف آفاق جديدة تمزج بين الأصالة والمعاصرة، محولاً المسرح إلى منبر للتنوير الفكري والاجتماعي.

وتميزت أعماله التي تجاوزت المئة عمل بالعمق والصدق، حيث استطاع من خلالها محاكاة القضايا الإنسانية بوعي رفيع، مشكلاً جسراً ثقافياً يربط بين الموروث الشعبي الجزائري وبين المدارس المسرحية العالمية الحديثة بأسلوب متفرد لا يشبه أحداً سواه.

لقد كان بن قطاف يمتلك رؤية شمولية للفن، فجمع بين براعة التشخيص وقوة الكتابة وحنكة الإخراج، وهو ما جعل منه فناناً “ثلاثي الأبعاد” كما وصفه النقاد، قادراً على هندسة الفضاء المسرحي بمهارة فائقة.

واتسمت لغته المسرحية بقدرة مذهلة على اختراق الوجدان، معتمداً على بساطة العبارة وعمق الدلالة، مما مكنه من مخاطبة كافة فئات المجتمع، وجعل من اسمه علامة مسجلة في ريبرتوار الفن الرابع، مخلداً ذكراه كأحد أهم أعمدة الثقافة الوطنية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الإبداع الجزائري.

الميلاد والنشأة في رحاب الأصالة

أبصر أمحمد بن قطاف النور في العشرين من ديسمبر عام 1939، وذلك في حي حسين داي العريق بقلب العاصمة الجزائرية، وهو الحي الذي شكل ملامح وعيه الأولى وأمده بمخزون لا ينضب من الصور الإنسانية.

وترعرع في بيئة شعبية تفيض بالحياة، مما جعله يتشبع منذ صغره بروح الحارة الجزائرية وتفاصيلها الدقيقة التي وظفها لاحقاً في صياغة شخصياته المسرحية، مبرزاً من خلالها قيم التكافل والأصالة الراسخة في الوجدان الشعبي.

انتقل في مرحلة من صباه إلى مدينة قسنطينة، حيث تابع دراسته في مدرسة معهد ابن باديس الشهير، وهي المحطة التي تركت أثراً عميقاً في تكوينه الثقافي واللغوي.

وهناك تشرب أصول اللغة العربية السليمة، وتعرف على الفكر التنويري الذي غرسته جمعية العلماء المسلمين، مما ساهم في صقل موهبته وتشكيل أسلوبه التعبيري الذي جمع ببراعة بين فصاحة البيان وعفوية التعبير العامي، وهو المزيج الذي ميز كتاباته الدرامية فيما بعد.

وقد فضل بن قطاف التوجه بكامل كيانه نحو التمثيل، معتبراً الركح هو الفضاء الأرحب لتجسيد انفعالاته والتعبير عن قضايا مجتمعه، وخاض هذا التحدي بكل ثبات ليثبت أن موهبته أكبر من أن تحصر في قالب فني واحد.

البدايات الإذاعية والتحول نحو المسرح الوطني

كانت انطلاقة بن قطاف المهنية من استوديوهات الإذاعة الوطنية في مطلع الستينيات، حيث وجد في الميكروفون وسيلة سحرية للتواصل مع الجمهور الواسع عبر صوته الرخيم وقدراته التعبيرية الهائلة.

وتميز بشكل لافت في تقديم المسرحيات الإذاعية التي كانت تحظى بمتابعة كبيرة آنذاك، واستطاع من خلال نبرات صوته وتلوناته الدرامية أن يرسم في خيال المستمعين عوالم بصرية كاملة، مؤكداً امتلاكه لأدوات الممثل المحترف منذ خطواته الأولى.

شكل عام 1965 نقطة تحول كبرى في مسيرته، حين شارك في تمثيلية إذاعية بعنوان “بلا عنوان” من إخراج محمد حلمي، حيث لفت أداؤه المبهر انتباه رائد المسرح الجزائري “مصطفى كاتب”.

وأعجب كاتب بتلك الموهبة الفذة وقرر على الفور ضمه إلى فرقة المسرح الوطني الجزائري، مدركاً أن هذا الشاب يمتلك طاقة إبداعية ستغير وجه الركح الوطني، وهو ما فتح أمام بن قطاف آفاقاً رحبة للمشاركة في أعمال مسرحية ضخمة وجريئة.

اندمج بن قطاف سريعاً في أجواء المسرح الوطني، وعمل جنباً إلى جنب مع عمالقة الفن أمثال عبد الحليم رايس وولد عبد الرحمن كاكي وعبد القادر علولة.

وتعلم في هذه المدرسة العريقة فنون الأداء الملحمي وكيفية التعامل مع الفضاء المسرحي ككتلة حركية ودلالية، وشارك في إعادة تقديم العروض الوطنية الثورية التي عززت الهوية الجزائرية، مثل مسرحيتي “حسان طيرو” و”الخالدون”، واضعاً بصمته الخاصة في كل دور جسده على الخشبة.

التألق التمثيلي وجائزة قرطاج الكبرى

كرس بن قطاف نفسه كأحد أبرز الممثلين في تاريخ الجزائر، حيث شارك بالتشخيص في 85 مسرحية تنوعت بين المآسي والكوميديا والأعمال المقتبسة من الأدب العالمي.

وكان يمتلك قدرة فائقة على التماهي مع الشخصيات التي يؤديها، مستخدماً تقنيات التغريب لكسر الجدار الرابع وبناء علاقة تفاعلية مع المتلقي، مما جعل من حضوره الركحي حالة من الاندماج الفكري التي تدفع المشاهد للتأمل والنقد عوضاً عن المشاهدة السلبية.

بلغت ذروة تألقه التمثيلي حينما تقمص شخصية “العم العابد” في مسرحية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، وهي الرائعة المقتبسة عن قصة للكاتب الكبير الطاهر وطار.

وقدم في هذا الدور أداءً أسطورياً جسد من خلاله معاناة جيل الثورة وصدمته بالواقع الاجتماعي الجديد، موظفاً شخصية “القوّال” أو الراوي بحرفية عالية لتوجيه رسائل سياسية وفلسفية عميقة بلسان حال المواطن البسيط الذي يتمسك بقيمه الأصيلة رغم التحولات.

توج هذا العمل الاستثنائي بجائزة قرطاج الكبرى في تونس عام 1988، وهو التتويج الذي أكد المكانة المرموقة التي وصل إليها بن قطاف كفنان عالمي بلمسة محلية خالصة.

ولم تكن الجائزة مجرد تكريم لشخصه، بل كانت اعترافاً بجودة الإنتاج المسرحي الجزائري وقدرته على طرح أعقد القضايا الإنسانية بأسلوب فني مبهر، وشكلت دافعاً له لمواصلة البحث عن أشكال تعبيرية أكثر تحرراً وواقعية في مشاريعه اللاحقة.

تجربة مسرح القلعة والاستقلالية الإبداعية

قرر بن قطاف في عام 1989 خوض مغامرة فنية جريئة بتأسيس “مسرح القلعة” بالتعاون مع رفاق دربه زياني شريف عياد وعز الدين مجوبي والفنانة صونيا.

ومثلت هذه التجربة تمرداً إيجابياً على قيود القطاع العام وسعياً جاداً نحو التأسيس لمسرح مستقل يمتلك حرية أكبر في اختيار المواضيع وأساليب الطرح، وأصبحت تعاونية القلعة مضرباً للمثل في القدرة على الإنتاج الفني الراقي بعيداً عن البيروقراطية الإدارية.

أنتج مسرح القلعة أعمالاً خالدة أحدثت ضجة كبيرة في الساحة الثقافية، ومن أبرزها مسرحية “العيطة” التي تنبأت بأحداث أكتوبر 1988 وما تبعها من تحولات سياسية في الجزائر.

واعتمدت هذه المسرحية على لغة الجسد وسيميائية الحركة بشكل مكثف، مقدمة رؤية بصرية تعبر عن صرخة المظلومين وانفجار الكبت الاجتماعي، واستطاع بن قطاف من خلالها أن يجسد التحول العسير الذي عرفته البلاد بأسلوب درامي لاذع ومؤثر.

واصلت التعاونية مسارها بإنتاج مسرحية “حافلة تسير 2″، وهي العمل الذي استلهم روح الشخصيات البسيطة والمهمشة في مواجهة قسوة الواقع وتناقضات السلطة.

وساهمت هذه المرحلة في ترسيخ اسم بن قطاف كمجدد مسرحي يمتلك شجاعة المغامرة بمستقبله المهني من أجل الانتصار للفن الخالص، وفتحت هذه التجربة الباب أمام العديد من الفرق المستقلة لشق طريقها في عالم الإبداع، محطمة جدران الاحتكار الثقافي الرسمي.

الفلسفة الدرامية وإرساء دعائم اللغة الثالثة

تميزت نصوص بن قطاف المسرحية التي تجاوزت العشرين نصاً بفلسفة فريدة ترتكز على ما يسمى “اللغة الثالثة”، وهي اللغة التي تمزج بذكاء بين الفصحى والعامية والفرنسية.

واستطاع من خلال هذه التوليفة اللغوية أن يعكس الواقع اللساني للمجتمع الجزائري بصدق، مقدماً نصوصاً تتسم بالحركية والشاعرية المشحونة بالإيحاءات والرموز، مما جعل من كلام شخصياته “كلمات متحرّكة” تنبض بالحياة وتصل مباشرة إلى قلب الجمهور.

طرح في مسرحية “فاطمة” قضايا المرأة بوعي سياسي واجتماعي رفيع، مسلطاً الضوء على التحديات التي تواجهها في مجتمع يعاني من التعصب والنظرة الدونية.

وناقش من خلال هذا النص معاناة الأنثى وطموحاتها الإبداعية، محاولاً كسر إطار السرية والتهميش الذي يحيط بحياتها، وهو ما جعل العمل بمثابة قفزة نوعية في ريبرتوار المسرح الجزائري من حيث مواكبته للواقع الاجتماعي ومعالجته لموضوعات كانت تعتبر من المحرمات.

أعاد في مسرحية “جحا والناس” صياغة شخصية جحا التراثية ليحولها من مجرد قناع كوميدي إلى بطل إيجابي يناضل ضد الاستغلال.

واستخدم الكوميديا السوداء كأداة للنقد السياسي والاجتماعي، مبرزاً قدرة الإنسان البسيط على المقاومة بالذكاء والسخرية، وأثبت بن قطاف عبر هذه النصوص أنه كاتب درامي يمتلك القدرة على هندسة فضائه الخاص وتوصيف الوقائع التاريخية بروح معاصرة ومستنيرة.

إدارة المسرح الوطني وترسيخ الإرث الفني

تولى أمحمد بن قطاف إدارة المسرح الوطني الجزائري بين عامي 2004 و2014، حيث عمل بجهد دؤوب على إعادة هيكلة هذه المؤسسة العريقة وتفعيل دورها الثقافي.

ونجح في إيجاد أجواء تفاعلية تجمع بين مختلف التجارب الفنية، مخرجاً المسرح من حالة الركود والفوضى الفكرية التي سادت في فترات سابقة، وحرص على تنظيم المهرجانات والورشات التكوينية التي أعادت للركح هيبته وجذبت إليه جمهوراً جديداً.

كان يؤمن بقوة بقدرة الشباب على بعث ربيع جديد للمسرح الجزائري، ففتح لهم أبواب المسرح الوطني ودعم مواهب خريجي معهد الفنون الدرامية، مشجعاً إياهم على خوض غمار الإخراج والكتابة، وكان يتعامل معهم بروح الأب الموجه والداعم، مؤكداً أن الاستثمار في الطاقات الشابة هو الضمان الوحيد لاستمرارية الفن الرابع.

ختم مسيرته الإبداعية بحضور سينمائي مميز في فيلم “عطور الجزائر” الذي تناول قضية الوئام المدني بلمسة إنسانية، وظل قلمه سيالاً حتى النهاية حيث كان نص “يا قدس” آخر ما جاد به خاطره.

ورحل بن قطاف في الخامس من جانفي 2014 إثر مرض عضال، تاركاً خلفه إرثاً فنياً يتجاوز مئة عمل، واسماً سيبقى محفوراً في ذاكرة الأمة كواحد من أعظم المبدعين الذين وهبوا حياتهم وعمرهم لرفعة المسرح وخدمة الإنسان.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"