أمَا آن لـ “الوهراني” أن يعود إلى الجزائر؟

آن لـ “الوهراني” أن يعود إلى وطنه من منافي القرون التي ألبسته انتماءات إلى أوطان أخرى، فقيل عنه: مصريا وشاميا وبغداديا وحتى صقليّا. أمّا هو، فقد اختار أن يكون وهرانيًا أينما استقرّ، وكانت وهران هي عنوانه “الإنساني” في كُتب الأدب والتاريخ.

يُصنّفُ “ابن محرز الوهراني” في مجال الأدب الساخر، فقد كتب المقامات والرسائل وأضاف إليها “المنامات” التي اشتهر بها. ولكن هذا التصنيف ظالمٌ أكثر من ظلم الحياة للوهراني، فهو قد أوجد تصنيفا يختصُّ به وحده، ولم ينازله فيه أحدٌ إلاّ الذين سبقهم من الرُوَّاد المتقدّمين الذين وظّفوا السخريةَ في النقد السياسي والاجتماعي، وكان أبرزهم الأديب المصري عبد الله النديم (1842 – 1896) الذي أنشأ صحيفة “التنكيت والتبكيت” التي اتسمت بالطابع الساخر وصدر عددها الأول منها في يوم 6 يونيو / جوان 1881م.

الرّسم بالكلمات

يُمكن القول بأن “ابن محرز الوهراني” هو رائد الفن الساخر في عمومه، وليس الأدب فحسب. ذلك أن منامات الوهراني حافلة بـ “المنولوغ” و”النفس” المسرحي، والرسم الكاريكاتوري والتصوير بالكلمات، كأنّما اللغة الأدبية هي “كاميرا” وثّق بها الوهراني مشهديات من عصره، عبر الأمكنة العربية التي ساح فيها.

الهدم من أجل البناء

إضافة إلى ذلك، فإن نهج السخرية الذي اتبعه الوهراني، يكشف عن وعيه المُتقدّم عن عصره، فقد كان يستهدف ممارسة النّقد على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى شخصيات من مختلف الفئات المجتمعية، ليس من باب النقمة ورفض الواقع، ولكن من باب الهدم من أجل إعادة البناء. ووفق هذه الرؤية، فإن تصنيف “الوهراني” في مجال الأدب الساخر، كان خيارا وحيدا، لأنه لم يكن هناك مجالٌ آخر، في ذلك الزمن، يستوعبُ “منامات الوهراني” وطريقته في تفكيك الواقع لتعريته وفضح الآفات التي تسكنه في مختلف مواقع الحياة.

سخرية لا تفرّق بين المقامات

يقول الكاتب “صلاح الدين المُنجد” في كتابه “الوهراني ورقعته عن مساجد دمشق” أن الوهراني: “صبّ سخريته وتهكّمه على كبار علماء دمشق وفقهائها وأطبائها وكتّابها.. ولم يسلم من لسانه وقلمه، علماء مصر ورجالها”. والواقع أن ما خلّفه الوهراني من كتابات يرسم صورا مأساوية لعصره، من انهيار المنظومة الأخلاقية للمجتمع، وشيوع مختلف مظاهر الفساد في كل مجالات الحياة، حتى أن العلماء والفقهاء لم يسلموا من “الوهراني” فقد رماهم بإيتيان جميع الفواحش.

الجَلد بسياط الأبجدية

يعتقد بعض الدارسين أن “الوهراني” تجاوز حدود الجرأة “المعقولة”، وكانت كتاباته نوعا من السّياط التي يجلد بها “الشخصيات العامة” في عصره. كما يعتقدون بأن هدفه كان التكسّب فحسب. وليس واضحا كيف تكون “السخرية” من أصحاب الجاه والسلطان والمكانة المُجتمعية طريقا للتكسّب؟ ربما أن أعمال الوهراني يجب أن تتحرّر من مجال الدراسات الأدبية، لتدخل مختبرات العلوم الاجتماعية، ليس لفهمها فقط، ولكن لإعادة قراءة ذلك العصر، من الزوايا التي وثّق بها الوهراني تفاصيل الحياة اليومية.

مجهولٌ لا يحتاج إلى تعريف

يتساءل القارئ: من هو الوهراني؟ في الواقع أن كتب التاريخ والأدب ركّزت اهتمامها على أعماله، أكثر من تركيزها على سيرته الشخصية، وما ورد عنه يبقى نُتفًا قليلةً لا تضيء أكثر الزوايا ظلمة في حياة رائد الفنّ الساخر. إضافة إلى وجود أعلام آخرين اشتهروا باسم الوهراني في المشرق العربي.

ما يُجمع عليه الدّارسون أن اسمه هو أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ، وقيل ركن الدين، وجمال الدين، أديبٌ جزائريٌ، وُلد بمدينة وهران أو نواحيها، وعاش في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، في عهد الدولة المرابطية وشهد سقوطها على أيدي المُوحّدين.

لا مكان في بلاط “صلاح الدين الأيوبي

درس مُختلف العلوم الإسلامية واللّغوية، وكانت زاده الوحيد الذي تقوّى به في مسيرة فتوحاته نحو المشرق. فقد سافر إلى مصر راجيا أن يلتحق بديوان الإنشاء الذي كان يحظى بأهمية كبيرة في الدولة الأيوبية التي كان على رأس ولايتها “صلاح الدين الأيوبي”.

ولكنه لم يجد مكانا بين الطامحين والمتنافسين، فقد قال “ابن خلكان”، في كتابه “وفيات الأعيان”: “علم (الوهراني) من نفسه أنه ليس من طبقتهم، ولا تتفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجِدّ وسلك طريق الهزل”. ولعل هذه هي نقطة التحوّل الأولى في حياة أديبنا التي انطلق منها ليكون رائد فنّ السخرية.

دمشق لا تضيق بالجزائري

من مصر، هاجر “الوهراني” إلى بلاد الشام، وقد ذكر “ابن خلكان”: “اتخذ من دمشق دارا وكان قد استوطنها على أيام صلاح الدين الأيوبي، ليستقر أخيرا في قرية على باب دمشق في الغوطة تُدعى داريّا، عُيّن خطيبا في مسجدها لضمان مورد عيشه من جهة، وتجنبا لسلاطة لسانه وسخريته اللاذعة من جهة أخرى، حتى توفي بها سنة خمس وسبعين وخمسمائة للهجرة (575 هـ) الموافق لسنة ألف ومائة وتسعة وسبعين للميلاد (1179م)، ودُفن أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ – رحمه الله – على باب تربة الشيخ الداراني”.

تُمثّل مصر ودمشق أبرز محطّات في حياة “الوهراني”، فقد استوطن، لفترات تقصر أو تطول، مناطق عربية كثيرة منها: صقلية والقيروان وبغداد وغيرها. ولكن دمشق كانت الأكثر كرما، فقد عوّضت “الوهراني” عن حنان الوطن الأمّ، وحضنته حيّا وميّتا.

أثرٌ عابرٌ للأزمنة

خلّف “ابن محرز الوهراني” أثارا في المنامات والمقامات والرسائل، أشهرُها تلك التي جمعها وحقّقها الكاتبان: “إبراهيم شعلان” و”محمد نغش”، وأصدراها تحت عنوان “منامات الوهراني ومقاماته ورسائله”.

الوهراني يُحاور العلماءَ يومَ المحشر

قد اشتهرت “منامات الوهراني”، ربما لأن موضوعاتها ألهمت فنانين فلقيت طريقها إلى المسرح، وربما لأن الدارسين ركّزوا عليها، لما احتوته من أشكال غير مسبوقة في النقد السياسي والاجتماعي.

هي ثلاث منامات، سعى الوهراني في إحداها إلى لقاء صلاح الدين الأيوبي، بينما كانت الثانية “سياحةً” في “الآخرة”، وعوالم الجن والشياطين. وأما الثالثة فكانت “المنام الكبير”، حيث تخيّل “الوهراني” أنه بُعث إلى يوم المحشر والتقى هناك بالعلماء والفقهاء والشعراء والوزراء وأجرى حوارات مع بعضهم، ووصف أحوال نماذج بشرية كثيرة.

مقامات الوهراني

المقاماتُ أيضا ثلاثةٌ، الأولى هي المقامة البغدادية وتضمّنت مسائل في السياسة وشؤون الحكم والحُكّام. والثانية فكانت حول شخصية “شمس الخلافة” جعلها الوهراني مُحورا للنقد الاجتماعي ورصد مظاهر الإخلال بالقيم الدينية والاجتماعية القويمة، وشيوع “التفقّه” في الدين بين عموم الناس من غير عِلم ولا دراية. وأما مقامته الثالثة فحملت عنوان “المقامة الصقلية” نسبة إلى مدينة صقليّة، وكانت في مدح بعض الرجال في مجلس من المجالس.

رسالةُ بغلة إلى الأمير

رسائل “الوهراني” كانت متنوعةً في موضوعاتها، تحدّث فيها بلسان الحيوان والجماد. وأشهرها الرسالة التي كتبها على لسان “جامع دمشق”، فجعله “مُمثّلا” لكل مساجد دمشق وما حولها، حيث لجأت إلى أميرها “جامع بني أمية” تشكوه أوضاعها وما أصابها من تصدّعات وإهمال.

وأيضا، كتب “الوهراني” على لسان بغلته إلى الأمير “عز الدين موسك” تشكوه سوء حالها، وما تعانيه من جوع وضياع، وهي في مُلك سيّدها صاحب المال الوفير. كما كتب على لسان مئذنة مسجد خطبةً تدعو السامعين إلى شكر الله تعالى على تشريف دولة أئمتهم من بني العباس، بالقاضي “أبو القاسم عبد الله بن درباس”.

للوهراني رسائل أخرى في المناظرة والمفاضلة بين الطير والإنسان، بالإضافة إلى رسائل السخرية والتهكّم التي استهدفت الأمراء والقضاة والأدباء والشعراء وغيرهم من الفئات المُجتمعية في عصره.

ثروة أدبية تفتح الآفاق للدّارسين

لعل أفضل ما يُنهى به موضوع “الوهراني” هو ما قاله الكاتب “عبد العزيز الأهواني” في تقديمه لكتاب “منامات الوهراني ومقاماته ورسائله”، حيث كتب: “هذه المجموعة من النصوص تمتَاز في تَاريخ النّثر الفنيّ في الأدب العَربي بميزاتٍ ترفعها إلى مقامٍ عالٍ.. وأسلُوبه يُضيف للنثر العربي ثروة ويفتح للدّارسين آفاقا”.