السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

أنا الكون والحياة

Author
عزية سالم 21 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

كلمات تاهت حروفها في عقله، يحاول استجماعها بشفتيه، ولكنه يعجز؛ أحس بلسانه ألف عقدة وعقدة، ربطت بوثاق غزل من شعرها الذهبي، وأحكمت عيناها العسليتان ربطه بجدارة. راح يتحرك حركات لا إرادية، فتارة تتعلق عيناه بوجهها، وكأنه يريد أن يعد نمشاته، وتارة ينزل رأسه خجلاً من فكرة راودته، أو هروباً من كلمة خطرت على باله.

في طريقه إلى لقائها في الحديقة، كان يخطط لما سيقوله حال رؤيتها، ولكن كلماته تلعثمت أمام حضورها.. رسمتها مخيلته ترتدي فستاناً أحمر، كجوريةٍ خجلة، ولكنه تفاجأ بها ياسمينة هادئة.

هي.. خجولة بطبعها، هادئة بتصرفاتها، ناعمة بكلامها. مدت يدها لتسلم عليه بعد خمس دقائق من توتر مشاعره، وسحبتها بعد خمس ثوان، مع أنه في سريرتها تمنت أن تبقى يده تحوي يدها عمرها بأكمله.

كانت هي الأخرى في الطريق ترسم لوحة جميلة للقائه، ولكن غصة ما كانت تعترض أحلامها. هي تجزم بأنها شغفته حباً، ولكنها تمنت أن تسمع كلماته تعترف بهذا الحب، وهو يفهم عينيها فهما مطلقاً، ويوقن أن لا حياة لهما دون حبه، ولكنه لسبب يجهله، يتردد في إخبارها بما يجول في قلبه؛ أما هي فتعرف كل المعرفة لمَ تخفي عنه حبها.

جلسا على مقعد مستقر بجذع صنوبرة منذ زمن بعيد، اعتادا على الجلوس عليه مذ عرفها قبل سنتين.

نظر إلى عينيها وسألها مبتسما:

– كيف حالك اليوم؟

ابتسمت بحرقة وأجابت:

– كما ترى.

– ماذا أرى؟ أرى فتاة جميلة كبسمة طفل، بريئة كزهرة لوز، هادئة كزرقة السماء.

– وعمياء!

– لا تقولي هذا!

– هذه هي الحقيقة.

لم يعرف ماذا يجيب.. صمتا لبرهة.. قطعت بصوتها لحظات الصمت تلك:

– لا أعرف كيف سأعتاد على هذا الوضع..

– حياة، أعرف كم هو صعب أن تفقدي بصرك، ولكن..

لم تسمح له أن يكمل..

– لا تقل لكن، سأبقى هكذا مدى حياتي، لن أستطيع القراءة، ولا الكتابة، ولا حتى العمل، ها أنا منذ سنة لم أقرأ كتاباً كما كنت أفعل، ولم أمسك قلماً أكتب به، وأقالوني من عملي لأني لم أعد أستطيع القيام بشيء..

صمتت دقيقة، ثم أردفت:

– وأنت..

– أنا ماذا؟؟

– عما قريب ستتركني..

– لا هذا مستحيل..

– ليس مستحيلاً، ستملُّ من هذه العمياء التي لا تستطيع القيام بشيء، والأهم من ذلك، أن أهلك لن يقبلوا أن يزوجوك بفتاة عمياء..

– ولكنك لم تكوني عمياء، هذا ليس ذنبك!

_- مجتمعنا لن يفهم هذا، أهلك يريدون لك زوجة تقوم بشؤون بيتك، وتنجب لك أطفالاً وتقوم بالاعتناء بهم، وهذا لن تقدر عليه واحدة مثلي..

– أنا سأتدبر شؤون البيت والعناية بالأطفال، وكل شيء..

– حسن، لا تقل شيئا أرجوك، أنا جئت اليوم لأودعك..

– ماذا؟

– منذ أن صدمتني تلك السيارة حكمت علي بالإعدام، وأنهت كل شيء جميل في حياتي، لقد أصبحت كالصفر لا قيمة له.. لو أنني متُّ بدل أن أفقد بصري لكان أفضل، على الأقل سأكون رقماً في عداد الأموات، لا صفراً في عداد الأحياء!

– ولكن الصفر يعطي القيمة لباقي الأرقام، الواحد دون صفر لن تصبح عشرة، ولا مئة ولا ألف.

– لا تحاول، سأذهب إلى غير رجعة، وأنت اذهب إلى حياتك، وابحث عن حب جديد تتشارك معه كتبك وأغانيك وأفكارك، واهديه الورد الجوري كما تفعل معي، وواعده على هذا المقعد، واكتب معه قصة جديدة جميلة كقصتنا.. تزوج وأنجب أطفالا..

– لا تذهبي، أرجوكِ!

لم تستمع له، أدارت ظهرها، وراحت تتحسس طريق العودة بعصاها التي أصبحت صديقتها منذ سنة.

هي.. حفظت صوته عن ظهر قلب، وحفظت رائحة عطره، وطريق الحديقة والمقعد وشجرة الصنوبر، وطبعت بذاكرتها كل حروف كلماته التي قالها لها، وكل الأغاني التي غناها مذ عرفته إلى اللحظة التي قررت فيها الابتعاد عنه، لتبعده عن كآبتها التي لازمتها منذ صدمتها السيارة وذهبت ببصرها..

هو.. جلس ككتلة صامتة على ذاك المقعد، غطى وجهه بيديه ليخفي دموعه، وكالنائم الذي يحلم، راحت تمر أمام ذاكرته لحظاته الجميلة معها، منذ أن كان يأتي إلى هذه الحديقة ويجلس على المقعد قبالتها، ليراها وهي تقرأ كتاباً ما، وتكتب أحياناً، يسرح بها ويتأملها..

ابتسم حين مر شريط ذاكرته أمام مشهد لقائه الأول بها، وكيف وقف كالأبله ليسألها عن الكتاب الذي تقرأه، وطلب منها الجلوس بجانبها، وراح يسألها ويسترق الكلام منها استراقاً، ليبدأ معها صداقة كما ظن للوهلة الأولى، ولكن تبين له في الأيام اللاحقة أنه يقينا يحبها.

أخرج هاتفه النقال من جيبه، وبدأ تسجيلاً صوتيا موجها لها: “حبيبتي حياة – وكانت هذه المرة الأولى التي يخاطبها بها بحبيبتي، ويعترف لها بحبه بشكل صريح – أعلم أنه لو اتصلت برقمك، فلن تجيبي؛ لذلك أبعث لك هذا التسجيل. أسجل هذه الكلمات من تحت شجرة الصنوبر الشاهدة على لحظاتنا..

حياة، تأملي اسمك جيدا، ولا تدعي أيامك تحمل معنى مناقضاً له.. أنت فتاة جميلة جدا، والأهم من ذلك ذكية جدا، حاولي أن تصادقي وضعك هذا، لا أن تكوني عدواً له، واجهي به كل الصعاب.

حولي كل الألم الذي بداخلك إلى أمل، واجعلي عمرك ينثر عطرا في هذه الحياة، كعطر الوردة الجورية التي أهديك إياها كلما واعدتك على هذا المقعد..

سآتي إلى هنا كل خميس كما أفعل دائما وسأنتظرك في المكان نفسه، وأحضر معي وردة جورية وسأتركها فوق مقعدنا، على أمل أن تأتي يوماً ما وتحتضنها يديك..

عندما يستيقظ اشتياقك لي، تعالي إلى هنا، وتيقني أني سأكون بانتظارك كانتظار الأرض الميتة لماء السماء، سأقرأ لك كل الكتب التي تودين قراءتها، وسأكتب ما يجول بخاطرك إن أردت ذلك”.

هكذا اختتم تسجيله، ولم يغب عن ذهنه أن يغني لها: “هل عندك شك أنك أحلى وأغلى امرأة في الدنيا، وأهم امرأة في الدنيا…”.

ضغط زر إنهاء التسجيل، وأرسله إلى هاتفها.

هي.. استمعت للتسجيل عشر مرات فوق الخمسين، ولم تدرِ أتبتسم أم تبكي.. ظلت على وضعها هذا بعد فراقه أسبوعا، أو ربما شهرا وأكثر..  لم يكن وضعها أكثر تعاسة من أمها وأبيها، حين يرون ابنتهما الوحيدة وقد انطفأ بريق عينيها، وأصبحت جليسة الحزن والبؤس.. حاولا معها مرارا أن تخرج من السجن الذي أجبرت نفسها على المكوث فيه بلا جدوى، ولم يكن يجول بخاطرها سوى فكرة واحدة..” موتي أفضل من الحياة هكذا”.

****

بعد الخريف حتماً سينزل المطر، وسيعيد للشجرة الصفراء والوردة الذابلة حياتهما الخضراء..

ملت “حياة” عزلتها، وأحست أن روحها بحاجة إلى أن تتنفس، وأن عقلها يلح عليها بأن تقرأ شيئا جديدا، كمدمن بحاجة لجرعة خمرٍ تسعده. اشتاقت لأن تقرأ، وتكتب، واشتاقت لسماع صوت “حسن”.. فتحت التسجيل واستمعت له مراراً، ولمعت بذهنها عبارة “أنا الكون والحياة”..

عاد بريق عينيها، وكأن البصر ارتد لهما.. زرعت البسمة على وجه والديها، وأعادت لقلبيهما الحياة، ونثرت في حياتهما فرحة منسية من شهور حين أخبرتهما بنيتها الانضمام لمدرسة لتعليم المكفوفين..

تعلمت القراءة والكتابة في غضون شهور قليلة، وبدأت الحياة تعود لعقلها شيئاً فشيئاً، حين عادت لتصحب الكتب، كما كانت في أيام خلت.

كانت كلما اشتاقت إلى “حسن”، تفتح التسجيل وتستمع له، تحس وكأن جرعات من الطاقة حقنت في وريدها، فتقبل على الحياة بكل حب ورضى.

دخلت كلية الموسيقى، وتعلمت العزف على آلة البيانو، كان الأمر في البداية صعبا بعض الشيء، ولكن الموسيقى إحساس ينبع من القلب، برعت في العزف بطريقة مذهلة..

كانت كالحلم يمر في ليلة عاشق، كطيف حب يلامس شغاف قلبه، بمعزوفاتها تمنح الروح حياة سامية في علياء الجمال، وتنثر الأمل في أعماق البائسين.. لا تمل العزف ولا هو يملها.. اشتهرت العازفة “حياة”، وفعلاً كانت مقطوعاتها تبعث الحياة في القلب اليباب.

هو.. شاهدها على التلفاز، تعزف في حفلة موسيقية، لأول وهلة لم يصدق عينيه، كانت الحفلة مخصصة لها فقط، وتحمل اسمها.

رقص قلبه في صدره فرحاً، راجياً أن يقطع المسافات ليلامس قلبها.. فرح حد الجنون، وأحس بأن لقاءه بها بات أقرب من لمح البصر.

في الخامسة مساءً من يوم الخميس، خرج من بيته متوجها إلى الحديقة، ولم ينس أن يأخذ معه وردة جورية كالمعتاد.

وصلا المقعد النائم تحت شجرة الصنوبر في ذات اللحظة.. ابتسمت له، وهي ترى في قلبها ابتسامته، تحسست يده وأمسكت بالوردة قائلة:

– في هذه اللحظة ولدت.

أجاب هو:

– في المرة القادمة سأحضر معي خاتما.

أومأت برأسها إيجابا، وقالت:

– أنا موافقة.