الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

أنقرة تحتضن قمة الناتو وسط تصاعد التوترات الدولية وتباين أجندات الحلفاء

Author
ربيعة خطاب 22 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية أنقرة، التي ستحتضن القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي “الناتو“، في ظل تحولات دولية متسارعة وتحديات أمنية متزايدة على المستويين الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، أكد كبير مستشاري الرئيس التركي، تشاغري أرهان، أن القمة المقبلة ستكون مفصلية في تحديد مستقبل الحلف، خاصة مع تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية وتنامي التهديدات في الشرق الأوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر. كما شدد المسؤول التركي على أن الناتو يعيش مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية وهيكلية تتجاوز المفهوم التقليدي للدفاع الجماعي، مع بروز دور تركيا كفاعل جيوسياسي محوري في أمن أوروبا والمنطقة.

وفي هذا السياق، أكد حسين عمران، خبير الدراسات الاستراتيجية، لـ”الأيام نيوز”، أن حلف شمال الأطلسي لم يعد مجرد تحالف دفاعي تقليدي، كما كان يقدم خلال مرحلة الحرب الباردة، بل تحوّل تدريجيا إلى إطار واسع لإدارة الأزمات وإعادة رسم التوازنات الأمنية وفرض معادلات الردع في مناطق مختلفة من العالم. غير أن هذا التحوّل، بحسبه، لم يكن دائماً عامل استقرار، بل ساهم في كثير من الأحيان في تعقيد الأزمات الإقليمية وإنتاج توترات جديدة دفعت خصوم الحلف إلى بناء محاور مضادة وتوسيع سباق النفوذ العسكري والسياسي.

وأوضح عمران أن الحلف يعيش اليوم مرحلة مراجعة استراتيجية عميقة، ليس فقط بسبب التحديات الأمنية المتزايدة، وإنما أيضاً نتيجة الأسئلة المتراكمة حول حدود تدخله وفاعلية سياساته في إدارة النزاعات. وأضاف أن تدخلات الناتو خلال العقود الماضية، خصوصاً في بعض المناطق الحساسة، أظهرت أن التحالف انتقل من مفهوم “الدفاع الجماعي” إلى أدوار أكثر اتساع تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية، وهو ما خلق حالة من الشك لدى كثير من الدول التي باتت تنظر إلى الحلف باعتباره أداة لإعادة تشكيل موازين القوى أكثر من كونه مجرد مظلة دفاعية.

وأشار حسين عمران إلى أن الحرب في أوكرانيا والتوتر المتصاعد مع روسيا أعادا الحلف إلى واجهة المشهد الدولي، لكن بصورة مختلفة عن الماضي، حيث بات الناتو يواجه تحديا مزدوجا يتمثل في الحفاظ على تماسكه الداخلي من جهة، ومنع خصومه من استغلال التباينات بين أعضائه من جهة أخرى. ولفت إلى أن توسع الحلف شرقا، وما رافقه من استقطاب حاد، ساهم في رفع مستوى المواجهة مع موسكو، وأدخل أوروبا في مرحلة أمنية شديدة الحساسية، تتداخل فيها المخاوف العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والطاقة والهجرة.

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي داخل الحلف، أكد عمران أن الولايات المتحدة ما تزال تمثل العمود الفقري للناتو عسكريا وسياسياً، سواء من حيث القدرات العسكرية أو منظومات الردع أو التأثير في القرارات الاستراتيجية. لكنه أوضح في المقابل أن واشنطن لم تعد مستعدة لتحمّل الكلفة الكاملة لقيادة الحلف، كما كان الحال في السابق، خاصة في ظل التحولات الدولية الكبرى وصعود الصين كقوة منافسة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية داخل الولايات المتحدة نفسها.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية أصبحت أكثر ميلا لسياسة “تقاسم الأعباء”، أي دفع الدول الأوروبية إلى تحمّل جزء أكبر من المسؤولية الأمنية والمالية، وهو ما يعكس تحولا واضحا في العقلية الأمريكية تجاه الحلفاء. فواشنطن، بحسب عمران، لم تعد ترى أن “الحماية المجانية” يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، خصوصاً مع تزايد الإنفاق العسكري العالمي واتساع رقعة التوترات الدولية. ولهذا باتت الولايات المتحدة تطالب بشكل متكرر برفع ميزانيات الدفاع الأوروبية وتعزيز الجاهزية العسكرية للحلفاء، حتى لا يبقى الناتو معتمدا بالكامل على القوة الأمريكية.

أما بخصوص الدور التركي داخل الحلف، فقد اعتبر عمران أن تركيا تحاول منذ سنوات إدارة توازن بالغ التعقيد بين التزاماتها داخل الناتو وطموحاتها الإقليمية المستقلة. وأوضح أن أنقرة تدرك جيدا أهمية الحلف بالنسبة لأمنها العسكري والاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى الحفاظ على هامش مناورة واسع يسمح لها بإقامة علاقات متشابكة مع روسيا والشرق الأوسط وآسيا، دون أن تقطع خيوطها مع الغرب.

وأشار حسين عمران إلى أن السياسة التركية أصبحت تقوم على البراغماتية الحادة أكثر من اعتمادها على التحالفات الثابتة، حيث تتحرك أنقرة وفق حسابات المصالح الآنية، فتقترب من هذا المحور حين تقتضي الضرورة، ثم تعود لفتح قنوات مع محور آخر عندما تتغير المعادلات. وأضاف أن هذا الأسلوب منح تركيا قدرة على المناورة في بعض الملفات، لكنه في المقابل خلق حالة متزايدة من عدم الثقة لدى شركائها داخل الحلف، الذين باتوا ينظرون إلى المواقف التركية باعتبارها أقرب إلى سياسة “الوقوف في منتصف الطريق” منها إلى الالتزام الواضح بخيارات التحالف.

وأكد عمران أن أنقرة تحاول الظهور كقوة مستقلة قادرة على مخاطبة الجميع، لكنها تجد نفسها أحيانا محاصرة بتناقضات معقدة بين مصالحها الاقتصادية مع موسكو، وارتباطها العسكري العميق بالناتو، ورغبتها المستمرة في لعب دور إقليمي أكبر من حجم التوافقات المتاحة لها. وختم بالقول إن المرحلة المقبلة ستفرض على الحلف، بما فيه تركيا، إعادة تعريف الأولويات الأمنية والسياسية، لأن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر اضطرابا، حيث لم تعد التحالفات التقليدية كافية وحدها لضمان الاستقرار أو حماية المصالح.