الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

أنين خلف بريق التقدّم.. مشهد أسري يتلاشى


عاد من عمله في الساعة الرابعة صباحا، وكانت زوجته قد أنهت إعداد طعام الغداء الشهي لأفراد أسرتها، وكان الطفلان قد أخذا قسطا من الراحة بعد انتهاء دوامهما المدرسي الشاق، والآن سيجلس الجميع إلى مائدة الطعام ويتناولونه بهدوء مثل أي عائلة بسيطة، ويقضون أوقاتا ممتعة في سلام بفضل رعاية الأب والأم.

بهذا النص القصير المعبر جدا أعلن عالم الاجتماع الأمريكي “روبرت دايسن”، أن العائلة التقليدية المكوَّنة من زوج وزوجة وأطفال باتت من الماضي الجميل، وأن ما تبقّى منها أصبح “قاب قوسين أو أدنى” من الانقراض، خصوصا في أوروبا واليابان ودول أخرى تتبوأ مراتب عليا في التقدم والرفاهية والتطور.

أعترف بأن كلام “دايسن”، صحيح ولا غبار عليه، وأنا أتابع الأعداد الفلكية لقضايا الطلاق وحضانة الأطفال وما يتبعها من قضايا أخرى أثقلت كاهل الجهاز القضائي بكل مفاصله، فضلا عن العلاقات العابرة وما يترتب عليها من مصائب ومشكلات وأخطاء.

ما يحدث ببساطة يفرز مجتمعا متفككا وهشّا ومليئا بالعيوب. وتشير دراسات علم النفس والاجتماع، وهي كثيرة، إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة مضطربة تسودها المشكلات الأسرية، أو يفتقرون إلى جوّ أسري سليم، يواجهون غالبا مراهقة صعبة، تتكاثر فيها الأخطاء وقد تكون آثارها بالغة على أنفسهم وعلى من حولهم. ولذلك، نجد أن عددا منهم ينتهي خلف القضبان لسنوات، ثم يخرجون محمّلين بمشاعر سلبية، يغلب عليها الغضب والتردد، مع ضعف الثقة بالآخرين، حتى المقربين منهم.

وحتى إن مرّت سنوات المراهقة بسلام، فقد يواجه هؤلاء صعوبة في تكوين أسرة أو الاندماج في المجتمع بسهولة ويسر مقارنة بغيرهم. أما طفولتهم فتكون في الغالب جافة، تخلو من المشاعر واللحظات السعيدة، وتغلب عليها مشاعر العزلة والوحدة والفراغ والملل. وهكذا، فإن المفارقة المؤلمة أن بعض المجتمعات التي يعتبرها كثيرون ناجحة ومتميزة، قد تكون في حقيقتها مجتمعات تعاني من التآكل الداخلي والاحتضار البطيء.

Author حسين علي غالب بابان
أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا