الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

أن تكتب يعني أن تكون..

Author
سلوى غيّة 31 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

اعترف بخيانته وقال: “خُنتُ الكتابة يوم كتبتُ عن وجع الناس من علٍّ وأنا جالسٌ في مقهىً يضجّ بالفرح، أدخّن سيجارةً يتصاعد دخانها كغيمةٍ مزيّفة، وفنجانُ قهوةٍ يبرد بين يديّ على مهل.. وخُنتُها يوم كتبتُ عن الوفاء، وفي صدري أرضٌ قاحلةٌ لا نبات فيها ولا ماء يُحييها. وخُنتُها يوم كتبتُ قصيدةً عن الحبّ، وترنّمت بها وترنّحت، وأنا أرتدي وجهين: وجهًا للحبيب أبتسم له، وآخرَ أخفيه في جيب المعطف كطعنةٍ مؤجّلة..”.

نعم، هذه هي الخيانة الحقيقيّة؛ خيانة المعنى. نخون حين نكتب بلا بوصلة، بلا هدف، بلا أثر.. نكتبّ ونكبّ على وسائل التّواصل وننتظر لايكًا ممن لا يقرأ، ونفخر بجملٍ قاحلة لا تحترم عقل القارئ ولا لغته.

ومن زاوية أخرى نسمع صراخ الكثيرين: “الذكاء الاصطناعي يخون الكتابة!”. ولكن مهلًا.. لا ذنب للآلة. نحن مَن خان حين سلّمناها القلم. والسؤال الذي طرحته “الأيام نيوز” “هل تتحوّل الكتابة إلى خيانة للواقع والمستقبل؟!  أيقظ في داخلي سؤالًا أكبر: متى تكون الكتابة صادقة، ومتى تتحوّل إلى خيانة؟

أؤمن أنّ الكتابة، في مرحلةٍ ما، كانت تُشبه الكهنوت؛ لها طقوسها وعباداتها: صومٌ، وضوء، وصلاة. صومٌ عن الكلام المزيّف، ووضوءٌ من مداد المحبرة، وصلاةُ القلم في محراب البياض؛ نجاةٌ لمن أدرك خصوصيتها، وعقابٌ لمن خان قدسيّتها. ونكتب.. فهل نخون؟

الإنسان يخون الكتابة حين يكتب عن شيءٍ لا يعيشه. فكيف تقول لشخص: “أحبّك”، وأنت لا تعنيها؟ وكيف تكتب عن وجع النّاس دون أن تعاينه على أرض الواقع؟ وكيف تُمجِّدُ الصّبر وأنت تعجز عن احتمال لحظة انتظار؟

أن تكتب يعني أن تحترق أصابعك شوقًا إلى الحروف يا صديقي. لذلك، أنا ممّن لا يكتبون عن حالةٍ حتى تسكنهم أولًا، وهذا اعتراف. فالكتابة ندبةٌ، وليست زخرفة. والنّدبة هي الأثر الذي يحفره الكاتب في صدره قبل أن يتركه في صدر قارئه.

لهذا نشعر أحيانًا بأنّ نصًّا ما قد احتضننا. نعم، يا أصدقائي، هذا هو النصّ؛ لأنّ حروفه هزّت كاتبها أولًا، ثمّ اهتزّ بها القارئ. هزّت الكاتب، فهزّ بها القارئ، وتركته أمام السؤال الأهم بعد كلّ قراءة: ماذا بعد؟ وهنا فقط يكون الكاتب قد أيقظ نائمًا من عرش اعتياده، وترك سؤالًا لا ينتهي بانتهاء القراءة.

لكن، يا أصدقائي، هذا لا يعني أنّ على الكاتب أن يكتب سيرته فقط؛ لأنّ الخيانة ليست أن تتخيّل أو تبتكر، بل أن تدّعي. وقد لا يكون عاش الحالة كلّها، لكنّه عاش إنسانيته بما يكفي ليكتبها بصدق. ولم يُحوِّل الكتابة إلى حروفٍ مصفوفةٍ وكلماتٍ كثيرةٍ تُبهر العين، لكنّها لا تمسّ العمق، ولا تترك أثرا. فالكلمة، يا أصدقائي، إمّا أن تكون شاهدة لنا، وإمّا أن تكون شاهدةً علينا. لذلك الكتابة مسؤوليةٌ أمام الّلغة، ومسؤوليةٌ أمام الضمير أيضا.

فإذا كان لا بدّ للكاتب أن يخون، فليخن الزينة؛ فخيانتها مغفورة. أمّا أن يخون ذاته، فتلك خيانةٌ لا يغفرها فعل الكتابة. وهنا يطاردني سؤالٌ آخر: هل الكاتب يمنحنا الأجوبة، أم يوقظ فينا الأسئلة؟

دعوني أقول لكم: إنّ الكاتب ليس نبيًّا، لكنه إنسانٌ يحمل قنديلًا، يسير به في العتمة، فيضيء الدرب، لا ليدّعي أنّه يعرف نهايته، بل ليقول للقارئ: “ابحث معي”. ولذلك أقول: الكتابة، يا أصدقائي، لا تخون؛ فهي لا تملك إرادةً لتفعل. أمّا الذي يخون، فهو الكاتب؛ لأنّه صاحب الإرادة والاختيار. وربّما يفعل ذلك لأنّه إنسانٌ يزلّ ويضعف، إلّا من رحم ربّي.

فمن لم يستطع أن يكون صادقًا، فالصّمت أولى به. أمَا مَن احترقت أصابعه شوقًا للحروف.. فليكتب..