السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

أوروبا تراهن على الجزائر لتعزيز أمنها الطاقوي

Author
بثينة صايفي 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق توجُّه الاتحاد الأوروبي نحو تقليص اعتماده على الغاز الروسي، برزت الجزائر كأحد أبرز الشركاء الاستراتيجيين في معادلة الطاقة الجديدة التي ترسمها بروكسل، ولا يقتصر هذا الدور على كونها موردا تقليديا للغاز الطبيعي، بل يمتد ليشمل فرصا متزايدة للانخراط في مشاريع الطاقة النظيفة التي تعوّل عليها أوروبا في مرحلة التحوّل الطاقوي خلال العقود المقبلة.

ويأتي هذا التوجه، وفق ما ورد في تقرير حديث صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بعنوان Electric collective: Europe’s clean energy future without Russia، الذي أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي تمكن بين عامي 2021 و2026 من تقليص اعتماده على الطاقة الروسية بشكل ملحوظ، من خلال تنويع مصادر الإمداد وإبرام شراكات جديدة مع عدة دول، من بينها الجزائر التي كانت من أوائل الوجهات التي لجأت إليها بروكسل لتعويض جزء من النقص في الإمدادات الروسية.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، رسّخت الجزائر موقعها كمورد رئيسي للغاز نحو دول جنوب أوروبا، خصوصا عبر خطوط الأنابيب التي تربطها بكل من إيطاليا وإسبانيا، مستفيدة من جاهزية بنيتها التحتية وقربها الجغرافي من السوق الأوروبية، ما عزز من مكانتها في معادلة أمن الطاقة الإقليمي.

 

التحوّل الأوروبي في سياسة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية

وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الطاقة، بغداد مندوش، أن القرارات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي بخصوص تقليص الاعتماد على الغاز الروسي جاءت في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت بروكسل إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الطاقوية بشكل جذري. وفي هذا الإطار، قرر الاتحاد الأوروبي التوجه نحو إنهاء استيراد الغاز والبترول الروسي تدريجيا في أفق سنة 2027، بهدف تقليص التبعية لمصدر واحد للطاقة وتعزيز أمنه الطاقوي.

بغداد مندوش خبير طاقوي
بغداد مندوش خبير طاقوي

وأشار المتحدث إلى أن هذا التوجه لم يكن موحدا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أبدت بعض الدول، على غرار النمسا وهنغاريا، تحفظا كبيرا على هذا القرار، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على الغاز الروسي الذي يصل في بعض الحالات إلى نحو 80%، وقد دفعت هذه الدول إلى طلب فترات انتقالية إضافية، معتبرة أنها غير قادرة على تعويض هذه الإمدادات بشكل فوري دون التأثير على أمنها الطاقوي ونشاطها الاقتصادي.

 

الجزائر كبديل استراتيجي في سوق الغاز الأوروبي

وفي المقابل، أوضح الخبير في الطاقة أن التحولات التي شهدها السوق الطاقوي الأوروبي بعد الأزمة الروسية الأوكرانية دفعت العديد من الدول، خاصة في جنوب القارة، إلى إعادة النظر في مصادر تزويدها بالطاقة والبحث عن بدائل سريعة وموثوقة وآمنة في آن واحد. وفي هذا السياق، برزت الجزائر كأحد أهم البدائل الاستراتيجية القادرة على سد جزء معتبر من الفجوة التي خلفها تراجع الإمدادات الروسية.

وأضاف المتحدث أن عددا من الدول الأوروبية، على غرار إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، سارعت إلى تعزيز شراكاتها الطاقوية مع الجزائر، من خلال توقيع اتفاقيات جديدة أو توسيع العقود القائمة، وذلك بهدف ضمان استقرار الإمدادات وتلبية الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي، ولم يقتصر هذا التوجه على دول الجنوب فقط، بل امتد أيضا إلى دول أخرى مثل ألمانيا وسلوفاكيا، التي بدأت تنظر إلى الجزائر كمصدر موثوق يمكن الاعتماد عليه ضمن استراتيجية تنويع مصادر الطاقة.

ويعود هذا الاهتمام المتزايد بالغاز الجزائري إلى عدة عوامل، من أبرزها القدرة الإنتاجية التي تتمتع بها الجزائر، واستمرارية التوريد، إضافة إلى موقعها الجغرافي القريب من السوق الأوروبية، ما يقلل من تكاليف النقل ويعزز من تنافسيتها، كما ساهمت البنية التحتية المتطورة، سواء عبر خطوط الأنابيب المباشرة أو الغاز الطبيعي المسال، في تعزيز مكانة الجزائر كمورد طاقوي قادر على الاستجابة السريعة لتقلبات السوق واحتياجات الدول الأوروبية في فترات الذروة.

وبهذا، أصبحت الجزائر، وفق تقدير الخبير، فاعلاً محوريا في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي، وشريكا استراتيجيا لا يمكن تجاهله في ظل التحولات العميقة التي يعرفها سوق الطاقة العالمي.

 

موقع جغرافي وبنية تحتية يعززان مكانة الجزائر

وأضاف الخبير في الطاقة، بغداد مندوش، أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجزائر، المطل على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، شكّل أحد أهم العوامل التي منحتها أفضلية واضحة في سوق الطاقة الإقليمي والدولي، فهذا الموقع يجعلها في نقطة تقاطع حيوية بين إفريقيا وأوروبا، ويمنحها ميزة القرب الجغرافي من أهم الأسواق المستوردة للغاز، ما يساهم في تقليص تكاليف النقل وضمان سرعة وفعالية الإمدادات.

وأشار المتحدث إلى أن هذه الأفضلية الجغرافية تعززت ببنية تحتية طاقوية متطورة ومتكاملة، تم تطويرها على مدى عقود من الاستثمار في قطاع المحروقات، وفي هذا الإطار، تعتمد الجزائر على شبكة من خطوط الأنابيب الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري لصادراتها الغازية نحو أوروبا.

ومن أبرز هذه المشاريع خط “ترانسميد”، الذي يربط الجزائر عبر الأراضي التونسية وصولا إلى إيطاليا، ويُعد من أهم الشرايين الطاقوية في حوض المتوسط، حيث يتيح تزويد السوق الإيطالية بكميات معتبرة من الغاز بشكل منتظم، كما يبرز خط “ميدغاز” كأحد أهم الإنجازات الطاقوية الحديثة، إذ يربط مباشرة بين السواحل الجزائرية وجنوب إسبانيا عبر البحر الأبيض المتوسط، دون المرور عبر دول وسيطة، ما يمنح مرونة أكبر في التصدير ويعزز من موثوقية الإمدادات نحو إسبانيا والبرتغال.

ويؤكد الخبير أن هذا التكامل بين الموقع الجغرافي والبنية التحتية المتطورة منح الجزائر قدرة تنافسية عالية في السوق الأوروبية، وجعلها شريكا طاقويا استراتيجيا يتمتع بالثقة والاستمرارية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي والتحولات العميقة التي يعرفها قطاع الطاقة العالمي.

 

تعزيز قدرات التصدير عبر الغاز المسال

وأشار الخبير في الطاقة إلى أن قوة الجزائر في سوق الطاقة لا تقتصر فقط على صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب، بل تمتد أيضا إلى مجال الغاز الطبيعي المسال، الذي يُعدّ عنصرا استراتيجيا يمنحها مرونة أكبر في التصدير والتكيف مع تقلبات الطلب العالمي. فهذه القدرة تتيح للجزائر تجاوز القيود الجغرافية المرتبطة بالأنابيب، والوصول إلى أسواق أكثر تنوعا واتساعا خارج الإطار الأوروبي التقليدي.

وفي هذا السياق، تعتمد الجزائر على منظومة متكاملة من المنشآت الصناعية المتخصصة في تسييل الغاز، إضافة إلى أسطول من السفن الناقلة التابعة لشركات فرعية لمجمع سوناطراك، ما يسمح بنقل الغاز المسال إلى مختلف القارات بكفاءة عالية، وتمنح هذه البنية التحتية المتطورة الجزائر هامشا واسعا من المرونة في توجيه صادراتها حسب الطلب العالمي، سواء نحو أوروبا أو آسيا أو أسواق أخرى تشهد نموا متزايدا في استهلاك الطاقة.

كما أوضح المتحدث أن هذه الإمكانات ساهمت في تعزيز مكانة الجزائر كمورد طاقوي موثوق، خاصة في الفترات التي تشهد اضطرابات في الإمدادات العالمية أو ارتفاعا في الطلب الأوروبي، وقد انعكس ذلك بوضوح خلال السنوات الثلاث الأخيرة، التي سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستويات الإنتاج والتصدير نحو عدد من الدول الأوروبية، في ظل تعزيز التعاون الطاقوي وتوقيع اتفاقيات جديدة تهدف إلى ضمان استقرار الإمدادات.

وبهذا، يؤكد الخبير أن تنويع قنوات التصدير بين الغاز عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال منح الجزائر موقعا متقدما في سوق الطاقة الدولية، ورسّخ دورها كلاعب محوري قادر على الاستجابة للتحولات السريعة في الطلب العالمي، بما يعزز مكانتها كشريك استراتيجي في معادلة الأمن الطاقوي العالمي.