السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

أوغسطين يكتب الأصل خارج المركز.. الفلسفة تبدأ من الجزائر

Author
الأيام نيوز 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع نهاية شهر أفريل الماضي، تحولت الجزائر، على مدار يومين، إلى فضاء مفتوح للفلسفة والحوار والتأمل، وهي تستعيد واحدا من أبرز أعلامها الفكريين، القديس أوغسطين، لا بوصفه شخصية تنتمي إلى الماضي فحسب، بل باعتباره امتدادا حضاريا وثقافيا لا يزال قادرا على مساءلة الحاضر. وقد حملت الطبعة الأولى من “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” شعار: “أغسطين.. تجلّ جزائري إفريقي ومتوسطي”، في محاولة لإعادة قراءة هذا الإرث ضمن سياقه الحضاري الأصلي، بعيدا عن الاختزال التقليدي الذي حصَر الرجل في بعد لاهوتي أو أوروبي ضيق.

اللقاءات، التي نظمتها وزارة الثقافة والفنون تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بدت أقرب ما يكون إلى مشروع ثقافي يسعى إلى إعادة الاعتبار للفكر الفلسفي داخل المشهد الثقافي الجزائري، وفتح نقاش واسع حول علاقة الجزائري بتراثه الفكري والإنساني.

وفي محاولة للاقتراب من هذا الحدث وقراءة أبعاده الفكرية، تحدثت “الأيام نيوز” إلى عدد من الباحثين والأكاديميين – من مخبر الدراسات الفلسفية بجامعة ابن خلدون بتيارت – الذين قدموا رؤى متعددة حول شخصية أوغسطين، وحول دلالات العودة إليه في السياق الجزائري الراهن.

الدكتور حسين رمضاني، مدير المخبر، يرى أن استعادة فكر أوغسطين تعكس حاجة عميقة إلى إعادة بناء العلاقة مع الذات والتراث، في ظل عالم يتسم بتسارع التحولات وهيمنة القلق الرقمي وتراجع المعنى. ويؤكد أن أوغسطين لم يعد مجرد اسم في كتب التاريخ، بل تحول إلى مرجعية فكرية تطرح أسئلة ما تزال حاضرة بقوة، تتعلق بالهوية والحرية والزمن والمعنى الإنساني.

ويشير المتحدث إلى أن أهمية أوغسطين تكمن في دعوته إلى العودة نحو الداخل، حيث تصبح الحقيقة تجربة تأملية وليست مجرد معطى خارجي. كما يلفت إلى وجود تقاطعات عميقة بين فلسفته وبعض تجليات الفكر الإسلامي، خاصة لدى الغزالي، من حيث تحويل القلق والشك إلى معرفة ويقين. ويرى أن هذا التلاقي يمنح الجزائر فرصة لاستعادة بعدها المتوسطي والكوني، وبناء وعي فلسفي منفتح يجمع بين الجذور الحضارية والانفتاح على الآخر.

من جهتها، تؤكد الدكتورة مكناس مختارية، المتخصصة في علم الاجتماع الديني، أن تجربة التعايش في الجزائر تستند إلى إرث فكري وروحي طويل، استطاع أن يوازن بين المحافظة على الهوية والانفتاح على المختلف. وترى أن أوغسطين يمثل نموذجا مبكرا للحوار والتعدد، من خلال تركيزه على القيم الإنسانية المشتركة، وإدارته لمسألة الاختلاف الديني والثقافي ضمن رؤية قائمة على البحث عن الحقيقة لا الإقصاء.

كما تشير إلى أن الزوايا الصوفية لعبت دورا محوريا في ترسيخ ثقافة التسامح والتضامن الاجتماعي، خاصة الطريقة العلاوية التي تجاوز تأثيرها حدود الجزائر نحو فضاءات دولية متعددة، وأسهمت في نشر خطاب ديني معتدل يقوم على الحوار والسلام. وتضيف أن المدرسة الإصلاحية التي قادها عبد الحميد بن باديس قدمت بدورها نموذجا متوازنا في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ما جعل التجربة الجزائرية قادرة على إنتاج نمط خاص من التعايش الديني والاجتماعي.

أما الدكتورة بلخضر نوال، أستاذة الفلسفة، فترى أن قراءة أوغسطين لا يمكن أن تتم بمعزل عن جذوره الجزائرية والإفريقية، إذ تشكل فكره داخل بيئة متعددة الثقافات والأديان في الفضاء المتوسطي. وتؤكد أن خصوصيته الفكرية تتجلى في قدرته على تحويل تجربة محلية مرتبطة بأسئلة الهوية والوجود والشر والزمن إلى مشروع إنساني ذي أفق عالمي.

وتوضح أن المسار الفكري لأوغسطين انتقل من المانوية والشك الفلسفي إلى التأمل الداخلي وفلسفة الذات، وهو ما جعله من أوائل المفكرين الذين ركزوا على الوعي الذاتي وتحليل التجربة الإنسانية. كما تنتقد القراءات الغربية التي همّشت جذوره الإفريقية، داعية إلى إعادة تأويل تراثه ضمن سياقه الحضاري الأصلي دون فقدان بعده الكوني. وترى أن تجربة أوغسطين تكشف قدرة الفكر المنبثق من الهامش على بلوغ العالمية، متى استطاع أن يطرح أسئلة الإنسان الكبرى بعمق وصدق.

بدوره، يعتبر الدكتور بن علي رابح، أستاذ علم الاجتماع، أن عودة الاهتمام بأوغسطين تعبّر عن حاجة العالم المعاصر إلى استعادة البعد الأخلاقي في زمن الأزمات والصراعات الدولية. ويشير إلى أن أوغسطين طرح منذ قرون أسئلة ما تزال مطروحة بإلحاح اليوم، تتعلق بالحرب والعدالة والسلام، خاصة من خلال مفهوم “الحرب العادلة” القائم على ضرورة إخضاع العنف لضوابط أخلاقية وإنسانية.

ويربط المتحدث هذه الرؤية بما يشهده العالم حاليا من حروب وصراعات، سواء في غزة أو أوكرانيا أو دول الساحل الإفريقي، حيث تتراجع القيم الأخلاقية أمام منطق المصالح وموازين القوة. كما يستحضر تجربة الجزائر خلال العشرية السوداء باعتبارها نموذجا لانهيار المعايير الأخلاقية وتحول العنف إلى واقع يومي. ويخلص إلى أن الأزمة العالمية الراهنة ليست سياسية فقط، بل هي أيضا أزمة ضمير وعدالة، وأن فكر أوغسطين يظل دعوة مفتوحة لإعادة بناء السلام على أساس أخلاقي وإنساني.

“مادور”.. خطوة جديدة لتثمين الإرث الأوغسطيني

على مستوى مخرجات اللقاءات، اختتمت الطبعة الأولى من “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” بجملة من التوصيات، أبرزها تأسيس “مركز مادور للثقافة والفكر” بهدف الحفاظ على إرث أوغسطين وإعادة تثمينه، إلى جانب فتح وحدات ومخابر بحث متخصصة في الدراسات الأغسطينية، وتشجيع ترجمة نصوصه وإدراجها ضمن المسارات التعليمية والجامعية. كما أوصت اللجنة العلمية بتشجيع دراسة اللغتين اللاتينية والإغريقية، وإنتاج أعمال وثائقية تعرف بشخصيته وفكره.

وفي كلمتها خلال اختتام التظاهرة- يوم الخميس 29 أفريل – اعتبرت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أن نجاح هذه الطبعة يؤكد أهمية استعادة الحوار الفكري والثقافي داخل الفضاء المتوسطي والإفريقي. وأوضحت أن اللقاءات احتفت بثراء التاريخ المشترك من خلال مساهمات أكاديميين وباحثين من إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، مؤكدة أن هذه المبادرة تسعى إلى تحويل القلق الوجودي إلى أفق للأمل والسلام.
كما شددت على أن الجزائر، من خلال هذه التظاهرات الفكرية، تسعى إلى ترسيخ صورة ثقافية جديدة تقوم على الحوار والقيم الإنسانية وتبادل المعارف، بعيدا عن الصور النمطية الضيقة. وفي السياق ذاته، وصفت الباحثة في التاريخ الحديث والمعاصر، الدكتورة حليمة مولاي، انطلاق اللقاءات الأفرومتوسطية للفكر بأنه “حالة استثنائية” في المشهد الثقافي الجزائري، معتبرة أن هذه المبادرة ستسجل كخطوة مفصلية في إعادة الاعتبار للفكر داخل الفضاء العمومي.

حليمة مولاي

وأوضحت أن اختيار أوغسطين في الطبعة الأولى يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف مستقبلا إلى استحضار شخصيات جزائرية أخرى أسهمت في إثراء الفكر الإنساني، سواء داخل إفريقيا أو في الفضاء المتوسطي والعالمي. وأضافت أن هذه الشخصيات لا تمثل مجرد رموز تاريخية، بل تعكس أبعادا إنسانية وفلسفية مرتبطة بأسئلة الإنسان الكبرى.

وأكدت أن استعادة هذه الأسماء الفكرية تكشف أن الجزائري كان حاضرا في إنتاج المعرفة منذ قرون، ما يستدعي اليوم إعادة قراءة هذا الإرث ضمن مشاريع ثقافية معاصرة قادرة على تحويل الجزائر إلى فضاء منتج للفكر والمعنى.

وختمت بالتأكيد على أن توجيه هذه المبادرات إلى الجمهور الواسع يعكس وعيا بأهمية “ديمقراطية الفكر”، ويعيد للثقافة دورها الأساسي في بناء الإنسان، خاصة في زمن أنهكته التحولات المتسارعة وأصبح فيه البحث عن المعنى أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

تفكيك “أغسطين المخضرم” والبرزخ بين عالمين

وللتذكير فقط افتتحت الأشغال الأكاديمية بمحاضرة قدّمها الأستاذ الدكتور زين محمد شوقي تحت عنوان: “أغسطين المخضرم والبرزخ بين عالمين”، وهي مداخلة حاولت تفكيك البنية الفكرية لشخصية أوغسطين باعتبارها شخصية عابرة للحدود الثقافية والدينية والجغرافية، تشكّلت في منطقة تماس حضاري بين إفريقيا وروما والفضاء المتوسطي. وقد مهّدت هذه المحاضرة للجلسة العلمية الأولى الموسومة بـ”الإنسان الفيلسوف الروحي”، التي ترأسها الدكتور معز مديوني، وركزت على الأبعاد الفكرية والروحية في المشروع الأوغسطيني.

وخلال هذه الجلسة، تناول الدكتور هرفي باسكوا مفهوم “مدينة الله” وعلاقته بـ”المدينة الأرضية”، موضحا كيف استطاع أوغسطين أن يعيد صياغة الإرثين اليوناني والروماني داخل رؤية فلسفية ولاهوتية جديدة، تجمع بين التأمل الروحي والانشغال بقضايا المجتمع والتاريخ. وأبرز المتدخل أن أوغسطين لم يكن مجرد ناقل للفلسفة القديمة، بل مفكرا أعاد إنتاجها ضمن سياق إنساني وأخلاقي مختلف، الأمر الذي منح مشروعه الفكري قابلية للاستمرار عبر العصور.

كما شهدت الجلسات نقاشات دقيقة حول الجوانب الجمالية في فكر أوغسطين، من خلال مداخلة الدكتورة تنسي ليلى بعنوان: “الموسيقى عند أوغسطين: علم أم فن؟”، حيث سلطت الضوء على علاقة أوغسطين بالموسيقى بوصفها مدخلا لفهم النظام والانسجام والبعد الروحي للوجود. وقد كشفت هذه المقاربة عن جانب أقل تداولا في الدراسات الأوغسطينية، يتعلق بحساسيته الجمالية واهتمامه بالإيقاع والتناغم باعتبارهما امتدادا لفكرة التوازن الداخلي.

أما الجلسة العلمية الثانية، التي ترأستها الدكتورة حياة بن بوزيد، فقد خصصت لموضوع “الانتماء الثلاثي: الجزائري والإفريقي والمتوسطي”، وطرحت إشكالية موقع أوغسطين داخل خرائط الهوية والتاريخ. وأكدت مختلف المداخلات، ومنها مداخلة الدكتور محمد عفيان والدكتورة ليلى لوفيفر، أن أوغسطين لا يمكن عزله عن بيئته الأصلية في شمال إفريقيا، وأن كونيته الفكرية لم تأت من الانفصال عن جذوره، بل من قدرته على تحويل التجربة المحلية إلى خطاب إنساني شامل.

وفي هذا السياق، بدا واضحا أن أحد أهداف هذه اللقاءات يتمثل في إعادة إدراج أوغسطين ضمن سياقه الحضاري الإفريقي والمتوسطي، بعد قراءات طويلة اختزلته في صورة “القديس الأوروبي”. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط باستعادة شخصية تاريخية، بل بإعادة النظر في خرائط إنتاج المعرفة نفسها، وفي الطريقة التي جرى بها تهميش مساهمات الضفة الجنوبية للمتوسط داخل السرديات الفكرية العالمية.

وقد عبّر عدد من المتدخلين عن قناعة مفادها أن الجزائر، وهي تعيد فتح النقاش حول أوغسطين، لا تستحضر الماضي من باب الحنين، بل تسعى إلى مساءلة الحاضر عبر أدوات فلسفية وإنسانية ما تزال قادرة على ملامسة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي هذا الإطار، أشار الدكتور محمد محجوب إلى أن الفكر الأوغسطيني يمثل مساحة التقاء بين المشرق والمغرب، وبين المرجعيات الدينية والثقافية المختلفة، بما يجعله أرضية خصبة لحوار حضاري يتجاوز الانقسامات التقليدية.

من “الاعترافات” إلى فلسفة الرجاء

وفي سياق التعمق في البعد الروحي لفكر أوغسطين، قدّم الأستاذ بقسم الفلسفة بجامعة وهران، البروفيسور سويرت بن عمار – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – قراءة فلسفية ركزت على مفهوم “الرجاء” باعتباره أحد المفاهيم المركزية في التجربة الأوغسطينية. وأوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن استحضار أوغسطين في الجزائر اليوم يحمل بعدا يتجاوز الاحتفاء الأكاديمي، ليصبح استعادة لمسار إنساني قائم على البحث عن الخلاص والمعنى.

سويرت بن عمار

وأشار إلى أن أوغسطين استحق وصف “فيلسوف الكونية” لأنه انطلق من تجربة ذاتية عميقة، لكنه استطاع أن يمنحها بعدا إنسانيا عاما. واعتبر أن كتاب “الاعترافات” يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر، لأنه نقل الكتابة من مجرد سرد خارجي للأحداث إلى تحليل داخلي للنفس البشرية، بكل ما تحمله من قلق وتوتر ورغبة في الخلاص.

وأوضح بن عمار أن أوغسطين لم يكتب “الاعترافات” باعتبارها سيرة شخصية فقط، بل بوصفها تجربة روحية وفلسفية تتناول سؤال الإنسان في علاقته بذاته وبالخالق وبالعالم. كما لفت إلى أن هذه الرحلة الفكرية لم تكن مستقيمة أو بسيطة، بل مرت بتحولات حادة، من الوثنية إلى التأثر بالأبيقورية والمانوية، قبل الوصول إلى الإيمان بعد صراع طويل مع الشك والاضطراب الداخلي.

وفي هذا السياق، استحضر المتحدث الدور الذي لعبته والدته “مونيكا”، التي وصفها بأنها شكلت البعد الروحي الحاسم في حياته، وكانت تمثل بالنسبة إليه صورة “الرجاء” والإيمان والصبر. وأشار إلى أن اسم “منى” في الأمازيغية يحمل معنى الأمل، وهو ما يمنح هذه الشخصية بعدا رمزيا داخل التجربة الأوغسطينية.

كما توقف عند الثنائية التي تقوم عليها فلسفة أوغسطين بين “الاعترافات” باعتبارها خطابا ذاتيا، و”مدينة الله” بوصفها تصورا جماعيا وسياسيا للعالم. ففي الأولى ينشغل أوغسطين بأزمة الإنسان الداخلية، بينما يحاول في الثانية فهم علاقة المجتمع بالعدالة والسلطة والخلاص. ويرى بن عمار أن هذا التوتر بين الفردي والجماعي هو ما منح الفكر الأوغسطيني عمقه واستمراريته.

وأشار أيضا إلى أن فكرة “المكان الثالث”، التي ظهرت لاحقا في الفكر الأوروبي، تجد ما يقابلها في الثقافة الإسلامية من خلال مفهوم “البرزخ”، باعتباره فضاء انتقاليا بين عالمين، وهو ما يعكس إمكانية وجود تقاطعات معرفية وروحية بين التجربتين الإسلامية والمسيحية.

وفي ختام حديثه، شدد البروفيسور سويرت بن عمار على أن استعادة أوغسطين ينبغي أن تكون مدخلا لإعادة الاعتبار لشخصيات فكرية جزائرية أخرى، سواء من التراث الكلاسيكي أو من الفكر المعاصر. واقترح، في هذا الإطار، استحضار “اللحظة الرشدية” مع ابن رشد، إلى جانب أسماء مثل محمد أركون، مالك بن نبي، وعبد المجيد مزيان، معتبرا أن الجزائر في حاجة إلى مشروع فكري طويل النفس يعيد وصل المجتمع بأسئلة الفلسفة والتأمل والمعرفة، بعيدا عن التهميش الذي طال الفكر لعقود طويلة.

إعادة اكتشاف أوغسطين بصريا

لم تتوقف “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” عند حدود النقاشات الأكاديمية والمقاربات الفلسفية الكلاسيكية، بل امتدت إلى مجالات الفن والصورة والسينما، بوصفها أدوات حديثة لإعادة استحضار الذاكرة الفكرية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة أكثر قربا من الحس المعاصر.

وفي هذا السياق، كشف المخرج الجزائري المقيم بإيطاليا، رشيد بلحاج، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، عن اشتغاله على مشروع سينمائي يحمل عنوان “Saint Augustin Cinema”، يسعى من خلاله إلى إعادة قراءة شخصية أوغسطين بصريا وفلسفيا، بعيدا عن الصور النمطية السائدة.

رشيد بلحاج

ويرى بلحاج أن أوغسطين يمكن اعتباره، من زاوية فنية وسردية، “أول سيناريست في العالم”، انطلاقا من كتابه الشهير “الاعترافات”، الذي مثّل، بحسبه، تحولا جذريا في تاريخ الكتابة الإنسانية. فالرجل، في القرن الرابع الميلادي، لم يكتف بسرد الوقائع أو عرض الأفكار المجردة، بل اتجه إلى تفكيك ذاته الداخلية والحديث عن هشاشته وأسئلته ومعاناته بلغة شخصية مباشرة، مستخدما ضمير “الأنا” في مخاطبة الله والعالم، وهو ما جعل نصه أقرب إلى بناء درامي وروحي متكامل.

وأوضح أن القيمة الكبرى لـ”الاعترافات” تكمن في كونها فتحت الباب أمام ما يُعرف اليوم بأدب السيرة الذاتية والتحليل النفسي الداخلي، مضيفا أن أوغسطين كان أول من جعل التجربة الفردية مادة للتأمل الفلسفي والإنساني، وهو ما يمنحه راهنية استثنائية حتى في عصر الصورة والسينما.

وأشار بلحاج إلى أن أوغسطين لم يكن مجرد فيلسوف أو رجل دين منعزل داخل النصوص، بل كان أيضا شخصية تمتلك وعيا عميقا بأهمية التواصل مع المجتمع. فبعد توليه الأسقفية في هيبون، واجه جمهورا بسيطا لا يجيد القراءة والكتابة، الأمر الذي دفعه إلى ابتكار أساليب جديدة لنقل أفكاره، من بينها توظيف النصوص المنغّمة والخطاب القريب من الحس الشعبي، بما يشبه محاولة مبكرة لتبسيط المعرفة وجعلها متاحة للجميع.

أوغسطين وصراع المركز والهامش

وبشأن الجدل المرتبط بهوية أوغسطين، أوضح المخرج الجزائري أن كثيرا من الأوساط الأوروبية، خاصة في إيطاليا، تتعامل معه باعتباره جزءا من تراثها، بحكم مروره بروما وميلانو وتأثيره الكبير في الفكر المسيحي الغربي. غير أنه شدد على أن جذوره الفكرية والإنسانية تعود بوضوح إلى شمال إفريقيا والجزائر تحديدا، حيث تشكل وعيه الأول وتبلورت أسئلته الكبرى.

وأضاف أن أوغسطين اشتغل أستاذا للبلاغة في روما، قبل أن يُستدعى إلى ميلانو لكتابة خطب الإمبراطور، ورغم ذلك ظل يحمل أثر بيئته الأصلية ولهجته المحلية، وهو ما جعله يعيش نوعا من التوتر بين المركز الروماني والهامش الإفريقي، وهي الثنائية التي ستنعكس لاحقا في مشروعه الفكري كله.

كما توقف عند المرحلة المفصلية في حياته بعد لقائه بالقديس أمبروز، معتبرا أن هذا اللقاء شكّل بداية التحول العميق في مساره، ليس فقط على المستوى الديني، بل أيضا على مستوى بناء مشروعه المعرفي. فقد انصرف لاحقا إلى تأسيس الدير والعمل على النصوص الفكرية واللاهوتية مع مجموعة من المثقفين، ليصبح أحد أبرز المؤثرين في تاريخ الفلسفة الغربية، من العصور الوسطى وصولا إلى ديكارت والفلسفات الحديثة.

وفي هذا الإطار، ذهب بلحاج إلى حد القول إن “الفلسفة الغربية الحديثة تمتلك جذورا جزائرية”، في إشارة إلى التأثير العميق الذي مارسه أوغسطين في تشكيل مفاهيم الذات والوعي والزمن والشك داخل الفكر الأوروبي.

وكشف المتحدث عن مشروع فيلم سينمائي حول أوغسطين اشتغل عليه لأكثر من خمسة عشر عاما، بمشاركة أسماء عالمية، غير أن الخلاف مع بعض المنتجين كان يتمحور حول طبيعة المعالجة. ففي حين فضّل المنتجون التركيز على قصة التحول الديني باعتبارها الجانب الأكثر إثارة دراميا، كان بلحاج يرى أن القيمة الحقيقية تكمن في المرحلة اللاحقة، أي في إنتاجه الفكري الضخم، الذي تجاوز 253 مؤلفا بين كتب ورسائل وخطب، وأسهم في صياغة جزء كبير من الوعي الفلسفي الغربي.

وانتقد ما وصفه بـ”الانتقائية الغربية” في التعامل مع أوغسطين، مقابل نوع من “سوء الفهم المحلي” لشخصيته، مستحضرا حادثة لمسؤول ثقافي رفض سابقا فكرة إنتاج فيلم عنه بحجة أنه “شخصية مسيحية”، ليرد قائلا: “نحن نتحدث عن القرن الرابع الميلادي، أي قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون، وليس من المنطقي محاكمته بمنطق زمني لاحق”.

وختم رشيد بلحاج بالتأكيد على أن استعادة أوغسطين باعتباره رمزا فكريا جزائريا تمثل ضرورة ثقافية وتاريخية، شرط الابتعاد عن القراءات الإيديولوجية الضيقة، والانفتاح على تراثه بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

الفكر في مواجهة التوحش

وفي ضوء ما أفرزته هذه اللقاءات من مداخلات فكرية، برزت فكرة أساسية مفادها أن استحضار أوغسطين اليوم لا يتعلق فقط بإعادة قراءة الماضي، بل بمحاولة مواجهة التحولات العنيفة التي يعيشها العالم المعاصر. فالفكر، ضمن هذا السياق، يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة الأخلاقية في مواجهة التوحش والعنف وفقدان المعنى.

أحمد علي الزين

وفي هذا الإطار، أكد الروائي والإعلامي اللبناني أحمد علي الزين، في تصريح حصري لـ”الأيام نيوز”، أن استعادة شخصية أوغسطين في هذا الظرف التاريخي تمثل مبادرة ثقافية بالغة الدلالة، لأن العالم يعيش مرحلة تتصاعد فيها الحروب والقسوة والتفكك الإنساني بشكل غير مسبوق. وأوضح أن أوغسطين يمثل “تجليا جزائريا إفريقيا ومتوسطيا”، وأن العودة إليه تعني العودة إلى قيم الحوار والتسامح والعدالة، في مواجهة خطاب الكراهية والإقصاء الذي بات يهدد المجتمعات الحديثة.

وأشار الزين إلى أن استحضار شخصية فلسفية وروحية بهذا الحجم ليس مجرد نشاط ثقافي عابر، بل هو “مواجهة فكرية واعية ضد الظلم”، لأن الإنسانية اليوم، بحسب تعبيره، أصبحت في حاجة ماسة إلى أفكار تعيد الاعتبار للحب والرحمة والعدل، بدل منطق الهيمنة والقوة.

وأضاف أن أوغسطين شخصية شديدة الثراء، وأن تأثيره تجاوز الفلسفة واللاهوت ليصل حتى إلى الموسيقى والفنون، وهو ما يجعل حضوره ممتدا في مختلف مجالات التفكير الإنساني. كما اعتبر أن الندوات التي احتضنتها الجزائر نجحت في مقاربة هذه الشخصية من زوايا متعددة، فكل باحث حاول الاقتراب من أوغسطين وفق تخصصه وخلفيته الفكرية.

ولفت إلى أن أكثر ما أثار اهتمامه خلال اللقاءات هو الحديث عن “أوغسطين الموسيقي”، أي ذلك الجانب الذي يرى في الموسيقى طريقا نحو الصفاء الروحي، مستحضرا في هذا السياق مقولة جلال الدين الرومي: “كل الطرق تؤدي إلى الله، وأنا اخترت طريق الرقص والموسيقى”.

ورأى أن هذا البعد الجمالي والروحي يحمل رسالة إنسانية عميقة، تقوم على فكرة الفرح والحب والانفتاح على الآخر، في عالم يبدو فيه الشر أكثر حضورا من الخير. وأضاف أن مثل هذه المبادرات الفكرية والثقافية تمثل محاولة جادة لإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية وسط عالم يتآكل أخلاقيا تحت ضغط الحروب والمصالح والصراعات.

وختم أحمد علي الزين بالتأكيد على أن الثقافة والفكر يظلان السلاح الأكثر نُبلا في مواجهة القسوة المعاصرة، وأن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بإنتاج المعرفة، بل بقدرة هذه المعرفة على حماية الإنسان من السقوط في العنف والعدمية وفقدان المعنى.

مشروع حضاري لتصنيف الذاكرة الجزائرية عالميا

ومع تواصل الجلسات وتنوع المقاربات، بدا واضحا أن “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” لم تُرد الاكتفاء باستحضار أوغسطين كشخصية فلسفية معزولة عن سياقها، بل سعت إلى إعادة إدراجه ضمن مشروع ثقافي أوسع، يربط بين الفكر والتراث والهوية والتنمية الثقافية المستدامة. لذلك، لم يكن الحديث عن “المسار الأوغسطيني” مجرد مقترح أكاديمي، بل رؤية متكاملة لتحويل الذاكرة التاريخية إلى قوة رمزية ومعرفية قادرة على تعزيز الحضور الجزائري في الفضاء الثقافي العالمي.

عبد القادر دحدوح

وفي هذا الإطار، جاء طرح البروفيسور عبد القادر دحدوح ليؤكد أن استعادة أوغسطين لا تنفصل عن استعادة الجغرافيا التي صنعت تجربته الفكرية. فالرجل، بحسبه، ليس اسما معلقا في كتب الفلسفة، وإنما امتداد حيّ لمسار تاريخي وثقافي تنتشر آثاره عبر عدد من المدن الجزائرية التي احتفظت بشواهد مادية تعكس عمق هذا الإرث. ومن هنا، يكتسب مشروع تصنيف “مسار القديس أوغسطين” ضمن قائمة التراث العالمي بعدا يتجاوز الاعتراف الرمزي، ليصبح مشروعا حضاريا يعيد ربط الفكر بالمكان، والتاريخ بالواقع المعاصر.

وتكمن أهمية هذا المسار في كونه لا يقوم على معلم منفرد أو موقع أثري معزول، بل على شبكة واسعة من المدن التي ارتبطت بسيرة أوغسطين وتحولاته الفكرية، من هيبون بعنابة إلى مداوروش وسوق أهراس وخميسة وتبسة وشرشال وتنس وسطيف وغيرها من الفضاءات التي ما تزال تحتفظ ببقايا معمارية وآثار شاهدة على عمق الحضور الحضاري للمنطقة خلال العهدين الروماني والمسيحي المبكر. وبهذا المعنى، تتحول الجزائر إلى “خريطة فلسفية مفتوحة”، يمكن من خلالها قراءة مسار أوغسطين بوصفه تجربة فكرية وجغرافية في آن واحد.

ولا يتوقف الرهان، كما يشير دحدوح، عند البعد الثقافي أو الأكاديمي، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية التراثية”، حيث يصبح التراث أداة لتعزيز صورة الجزائر دوليا، وتثبيت حضورها داخل النقاشات العالمية المتعلقة بالذاكرة الإنسانية المشتركة. فتصنيف هذا المسار ضمن التراث العالمي من شأنه أن يفتح المجال أمام مشاريع جديدة في السياحة الثقافية والبحث العلمي وحماية المواقع الأثرية، بما يمنح هذه الفضاءات التاريخية وظيفة جديدة تتجاوز فكرة “الأطلال الصامتة”، لتتحول إلى مراكز جذب معرفي وثقافي واقتصادي.

محمد حراث

وفي السياق ذاته، يبرز طرح الدكتور محمد حراث الذي قرأ استعادة أوغسطين من زاوية “الأمن الثقافي” وضرورة إعادة وصل الجزائري بجذوره الفكرية العميقة. فبحسبه، لا يتعلق الأمر بالاحتفاء بشخصية دينية أو تاريخية فقط، بل بإعادة الاعتبار لمسار كامل من الإنتاج الفكري الذي ساهم في تشكيل الوعي الإنساني العالمي. ويرى أن قوة أوغسطين تكمن في كونه انطلق من بيئة محلية محددة، لكنه استطاع أن يطرح أسئلة كونية حول الزمن والذاكرة والوجود، ما جعله يتجاوز حدود الجغرافيا والعصر.

ويؤكد حراث أن هذه العودة إلى الرموز الفكرية الجزائرية تمثل شكلا من أشكال استعادة “السيادة الذهنية”، خاصة بعد عقود طويلة من اختزال الجزائر في صور نمطية مرتبطة بالعنف أو الاستهلاك الثقافي، مقابل تغييب مساهمتها التاريخية في إنتاج الفكر والمعرفة. لذلك، فإن إعادة قراءة هذا الإرث بروح نقدية معاصرة لا تهدف إلى تمجيد الماضي بقدر ما تسعى إلى بناء وعي ثقافي جديد، قادر على استيعاب التحولات الحديثة دون الانفصال عن الجذور.

كريم كرار

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إشراك المجتمع المدني في مشاريع تثمين التراث، وهو ما شدد عليه الناشط السياحي والكاتب كريم كرار، الذي اعتبر أن حماية الإرث الثقافي لا يمكن أن تبقى مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها. فنجاح أي مشروع ثقافي، بحسبه، يرتبط بقدرة المجتمع على التفاعل معه وتحويله إلى جزء من الوعي الجماعي.

وأشار كرار إلى أن اللقاءات الفكرية حول أوغسطين تمثل نموذجا لمقاربة جديدة تقوم على التشاركية، من خلال ربط البحث الأكاديمي بالسياحة الثقافية والتنمية المحلية. كما لفت إلى أن الهيئات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، أصبحت تشترط حضور المجتمع المدني في ملفات تصنيف التراث، باعتباره شريكا أساسيا في الحماية والتثمين والاستدامة.

وفي هذا السياق، تبدو “المسارات الأوغسطينية” أكثر من مجرد مشروع ثقافي، إذ يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية ومعرفية تساهم في تنشيط السياحة الثقافية وربط الأجيال الجديدة بتاريخها الفكري والحضاري. فالمواقع الأثرية، حين تُقرأ ضمن سياقها الإنساني والفلسفي، لا تبقى مجرد حجارة قديمة، بل تتحول إلى فضاءات حية تنتج المعنى وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وماضيه.

أوغسطين في مواجهة أسئلة العصر

وعلى مستوى الجلسات العلمية، واصلت اللقاءات توسيع النقاش نحو قضايا “ارتحال المعارف” و”الصحة الحضارية” و”الاتصال الثقافي”، بما يعكس الرغبة في إسقاط الفكر الأوغسطيني على إشكالات العالم المعاصر. فقد تناولت الجلسة الثالثة موضوع انتقال المعرفة بين الحضارات، من خلال مداخلات بحثت في علاقة أوغسطين بميلانو وأمبروز، وفي وحدة النسق المعرفي والتثاقف بين الضفاف المتوسطية، مؤكدة أن الفكر لا يولد داخل حدود مغلقة، بل يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الثقافات.

أما الجلسة الرابعة، فقد ركزت على أزمات الإنسان المعاصر، من خلال طرح أسئلة تتعلق بالسلام والرحمة والحوار الثقافي، وهي القضايا التي أعادت أوغسطين إلى قلب النقاش بوصفه مفكرا انشغل بمأزق الإنسان بين العنف والخلاص. وفي هذا الإطار، برزت مداخلات حول “دبلوماسية الثقافات” والشخصية الكونية لأوغسطين، في محاولة لربط الفكر الفلسفي بأسئلة العالم الراهن.

واختُتمت الأشغال بجلسة حملت بعدا إنسانيا وروحيا، تناولت العلاقة بين أوغسطين وأمه مونيكا، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات تأثيرا في تشكل شخصيته الفكرية والروحية. وقد بدت هذه اللمسة الختامية وكأنها إعادة تذكير بأن الأفكار الكبرى لا تولد فقط داخل الكتب، بل تتشكل أيضا داخل التجارب الإنسانية العميقة التي تصنع حساسية المفكر ورؤيته للعالم.

ولعل أكثر ما منح هذه اللقاءات رمزيتها الخاصة، هو اختيار الضريح الملكي الموريتاني بتيبازة لاحتضان الحفل الفني الافتتاحي، في مشهد جمع بين الفكر والفن والتاريخ في فضاء واحد. فالمكان هنا لم يكن مجرد خلفية جمالية، بل رسالة ثقافية تؤكد أن الجزائر، بما تختزنه من طبقات حضارية متعددة، قادرة على تحويل ذاكرتها إلى لغة حوار كوني مفتوح.

وهكذا، بدا أوغسطين في هذه اللقاءات أكثر من مجرد شخصية تاريخية يُعاد استحضارها؛ لقد تحول إلى مرآة تعكس أسئلة الجزائر المعاصرة حول الهوية والمعنى والذاكرة والمستقبل. وبين الفلسفة والآثار والسينما والموسيقى والسجال الأكاديمي، تشكلت صورة جديدة لأوغسطين: مفكر انطلق من أرض جزائرية، لكنه استطاع أن يعبر نحو الكونية، ليظل، بعد قرون طويلة، جزءا من النقاش الإنساني المفتوح حول الإنسان ومصيره.

الدكتور رمضاني حسين
مدير مخبر الدراسات الفلسفية وقضايا الانسان والمجتمع في الجزائر – كلية العلوم الانسانية والاجتماعية – جامعة ابن خلدون (تيارت)

أوغسطين في الجزائر.. حين يستعيد الفكر جذوره ويستشرف أفقه

في لحظة ثقافية تتسم بكثافة الأسئلة وقلق المعنى، يعود اسم أوغسطينوس ليتصدّر المشهد الفكري في الجزائر، ليس بوصفه مجرد رمز ديني أو تاريخي، بل باعتباره علامة فلسفية كبرى تستدعي إعادة القراءة والتأويل. هذا الحضور المتجدد لا يمكن فصله عن التحولات التي يعيشها المجتمع الجزائري، ولا عن الحاجة المتزايدة لدى النخب الأكاديمية والثقافية إلى مرجعيات فكرية عميقة تعيد التوازن بين الذات والعالم.

لقد ظلّ الاعترافات نصا مفتوحا على التأويل، يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليؤسس لكتابة فلسفية تنطلق من التجربة الفردية نحو أفق كوني. ومن هذا المنطلق، يبدو استحضار أوغسطين اليوم في الجزائر فعلا ثقافيا واعيا، يعكس رغبة في إعادة بناء العلاقة مع التراث المتوسطي، واستثمار ما يتيحه من إمكانات فكرية في مواجهة تحديات العصر.

إنّ ما يلفت الانتباه في هذا الحضور، هو تحوّله من مجرد اهتمام أكاديمي محدود إلى ظاهرة ثقافية أوسع، تتجلى في الندوات والملتقيات، وفي النقاشات التي تعيد طرح أسئلة الذات والهوية والمعنى. هنا، لا يعود أوغسطين مفكرا من الماضي، بل يتحول إلى محاور حيّ، يقدّم أدوات تحليلية لفهم القلق الإنساني في زمن السرعة الرقمية والتفكك القيمي.

من هذا المنظور، تكتسب العبارة الشهيرة: “قلوبنا تظل قلقة حتى تستقر فيك” دلالة تتجاوز بعدها اللاهوتي، لتعبّر عن بنية وجودية عميقة، تجعل من القلق شرطا للمعرفة لا عائقا لها. هذا ما سيجد صداه لاحقا في فلسفات حديثة، كما عند سورين كيركغور وجان بول سارتر، حيث يتحول القلق إلى لحظة تأسيسية في تجربة الإنسان مع ذاته والعالم.

غير أن خصوصية أوغسطين تكمن في قدرته على تجاوز هذا القلق نحو أفق المعنى، من خلال دعوة صريحة إلى العودة إلى الداخل: “لا تخرج خارج نفسك، بل عد إلى داخلك، ففي الإنسان الباطني تسكن الحقيقة”. في سياق جزائري يعيش ضغط الصورة الرقمية وهيمنة الخارج، تبدو هذه الدعوة ذات راهنية قصوى، إذ تعيد الاعتبار للتأمل الذاتي كشرط لإنتاج معرفة أصيلة.

ولا يمكن إغفال إسهامه العميق في تحليل الزمن، حيث يقدّم تصورا يتجاوز البعد الفيزيائي ليغوص في التجربة النفسية: الماضي في الذاكرة، الحاضر في الانتباه، والمستقبل في التوقع. هذا التصور، الذي سيتقاطع لاحقا مع تأملات مارتن هايدغر، يفتح أمام الفكر الجزائري إمكانات جديدة لإعادة التفكير في علاقتنا بالوقت، خاصة في ظل تسارع الإيقاع الرقمي وتفكك الإحساس باللحظة.

ومن زاوية أخرى، يقدّم أوغسطين تصورا متوازنا للحرية، يبتعد عن النزعات الفردانية المتطرفة، ويؤكد أن الإنسان، رغم حريته، يظل محتاجا إلى أفق يتجاوزه. هذا الطرح يجد صداه في نقاشات معاصرة حول المسؤولية والالتزام، ويشكّل أرضية خصبة لإعادة بناء خطاب فلسفي يزاوج بين الحرية والمعنى.

ولعلّ من أبرز ما يميّز هذا الحضور الأوغسطيني في الجزائر، هو إمكان فتحه على حوار فلسفي عابر للثقافات، خاصة مع التراث الإسلامي. فالتقاطع بين تجربة أوغسطين وتجربة أبو حامد الغزالي، كما في المنقذ من الضلال، يكشف عن وحدة الهمّ الإنساني في البحث عن الحقيقة، ويؤكد أن الفلسفة ليست حكرا على جغرافيا بعينها، بل هي أفق إنساني مشترك.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الأثر التكويني الذي لعبه الأساتذة الجامعيون في ترسيخ هذا الوعي الفلسفي لدى الأجيال الجديدة. فقد كان للبرفيسور صايم عبد الحكيم، أستاذ الفلسفة، دورٌ بالغ الأهمية في مطلع الألفينات، حين أسهم من خلال تكوين أكاديمي رصين في إيقاد شعلة التفكير الفلسفي في نفوسنا نحن الطلبة، خاصة في ما يتصل بقضايا الفلسفة المسيحية ذات المرجعيات الجزائرية. لم يكن ذلك التكوين مجرد نقل للمعرفة، بل كان تأسيسا لوعي نقدي، أتاح لنا إعادة قراءة تراثنا الفلسفي، وعلى رأسه فكر أوغسطينوس، ضمن أفق علمي منفتح ومتوازن. ولعلّ هذا الأثر البيداغوجي العميق هو ما يفسّر اليوم قدرة جيل كامل على الانخراط في هذا النقاش الثقافي الحيوي، بوعي منهجي ورؤية فلسفية ناضجة.

إنّ الحاجة إلى هذا المشهد الثقافي في الجزائر ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية. فاستحضار أوغسطين لا يعني العودة إلى الماضي، بل الانخراط في حوار حيّ مع التراث، يسمح ببناء مشروع فكري متجدد، يجمع بين الخصوصية والانفتاح، وبين الجذور والآفاق. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الجزائر، وهي تستعيد أحد أبرز أبنائها الفكريين، إنما تعيد اكتشاف ذاتها ضمن الفضاء المتوسطي، وتؤسس لوعي فلسفي قادر على مواجهة تحديات الحاضر.

في أفق التلاقي.. أوغسطين بوصفه جسرا بين المسيحية والإسلام

إذا ما تعمّقنا في الرؤية الأوغسطينية، وجدنا أنها لا تنغلق ضمن حدود لاهوتية ضيقة، بل تنفتح على إمكان حوار إنساني واسع، يتجاوز الفواصل الدينية نحو أفق كوني. فالفكرة المركزية عند أوغسطينوس — وهي أن الحقيقة تُدرك عبر تجربة داخلية صادقة — تجد امتداداتها في الفكر الإسلامي، حيث تتحول المعرفة إلى مسار روحي-عقلي متكامل، لا يفصل بين الإيمان والتفكير، ولا بين القلب والعقل.

ولعلّ المقارنة مع أبو حامد الغزالي تكشف عن هذا التلاقي بوضوح لافت؛ فكلاهما خاض تجربة شكّ عميقة، لم تنتهِ إلى العدم، بل أفضت إلى يقين مُعاد البناء. في المنقذ من الضلال، كما في الاعترافات، نلمس هذا المسار الوجودي الذي ينطلق من أزمة الذات ليبلغ أفق الحقيقة. إنّه تلاق لا يقوم على التشابه السطحي، بل على وحدة المنهج: تحويل القلق إلى معرفة، والاضطراب إلى يقين، والتجربة الفردية إلى درس إنساني مشترك.

ولا يقف هذا التلاقي عند حدود الغزالي، بل يمتد إلى تقاليد فكرية أوسع داخل الفلسفة الإسلامية، حيث نجد عند ابن سينا تأكيدا على مركزية النفس في إدراك الحقيقة، وعند ابن رشد دفاعا عن العقل بوصفه أداة لفهم الوجود، وهي كلها عناصر تتقاطع مع المشروع الأوغسطيني في بحثه عن المعنى. هذا التداخل لا يعني التطابق، بل يشير إلى حيوية الفكر حين ينفتح على الآخر، ويتغذى من اختلافه.

الجزائر كفضاء للكونية الفكرية

إنّ هذا التلاقح بين الفكر المسيحي والإسلامي، في ضوء الرؤية الأوغسطينية، لا يمكن اعتباره مجرد حدث فكري عابر، بل هو تعبير عميق عن طبيعة الثقافة الجزائرية نفسها، التي تشكّلت عبر قرون من التفاعل الحضاري والتعدد الثقافي. فالجزائر، التي أنجبت أوغسطينوس، واحتضنت لاحقا تقاليد فكرية إسلامية غنية، تقدّم نموذجا حيا لإنسانية الفكر وكونيته.

إنّ استعادة هذا البعد اليوم، في سياق التحديات المعاصرة، تمثّل ضرورة ملحّة، لا سيما في ظل النزعات الانغلاقية التي تهدّد الحوار الثقافي. فالفكر الأوغسطيني، حين يُقرأ في ضوء هذا التلاقي، يصبح أداة لإعادة بناء الجسور، لا لتكريس الفواصل؛ ويغدو التراث، بدل أن يكون عبئا، رافعة نحو المستقبل.

وبهذا المعنى، فإنّ الحاجة إلى أوغسطين في الجزائر، ليست فقط حاجة فلسفية، بل هي حاجة ثقافية-حضارية، تذكّرنا بأن الفكر الحقيقي لا يُختزل في انتماءاته، بل يتجاوزها نحو أفق إنساني مشترك. إنّه دعوة إلى أن نعيد قراءة ذواتنا في مرآة الآخر، وأن نبني وعيا فلسفيا يليق بتاريخنا، وينفتح على العالم في آن واحد.

بوصفي مختصا في الفلسفة، أرى في هذا الحضور الأوغسطيني فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للفكر العميق في المشهد الثقافي الجزائري، ولتحفيز الأجيال الجديدة على الانخراط في أسئلة المعنى، بعيدا عن السطحية والاستهلاك المعرفي. إنّه حضور لا يستدعي التقديس، بل النقد الخلاق؛ ولا يفرض الإجابات، بل يفتح الأسئلة.

في النهاية، يظلّ أوغسطينوس أكثر من مجرد اسم في سجل التاريخ، إنّه تجربة فكرية حيّة، تذكّرنا بأن الإنسان، مهما تغيّرت ظروفه، يظل كائنا قلقا، باحثا عن معنى، ومشدودا إلى ما يتجاوز حدوده. وفي هذا القلق، تكمن بداية كل فلسفة.

قراءة لتراث أوغسطين من الخصوصية الجزائرية إلى الكونية الفكرية

الدكتورة بلخضر نوال
أستاذة قسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة ابن خلدون (تيارت)

يشكل التراث الفكري أحد أهم الحقول التي تتقاطع فيها إشكالات الهوية والمعنى والتاريخ، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية فكرية بحجم القديس أوغسطين، الذي لا يمكن اختزاله في كونه مجرد لاهوتي مسيحي أو فيلسوف غربي، بل يتجاوز ذلك ليكون نتاجا مركبا لبيئة ثقافية جزائرية إفريقية ومتوسطية، أسهمت في تشكيل مشروعه الفلسفي ذي الأفق الكوني، وعليه فإن قراءة هذا التراث تمثل ضرورة فكرية، ليس فقط لفهم الماضي، بل لإعادة بناء الحاضر في ضوء تجربة إنسانية عميقة ومفتوحة على التأويل.

نشأ أوغسطين في فضاء شمال إفريقي متعدد الأبعاد، فضاء لم يكن هامشيا بل مجالا حضاريا تتقاطع فيه أنماط مختلفة من الوعي والثقافة، تشمل الجزائر الحالية، ويعد جزءا فاعلا في الإمبراطورية الرومانية من حيث (الإدارة، التعليم، والحياة الفكرية) وهو ما جعلها فضاء غنيا بالتفاعلات الثقافية والحضارية.

وقد عرفت المنطقة تداخلا بين الثقافة اللاتينية الرسمية والثقافات المحلية الأمازيغية، هذا الانتماء المزدوج (المركز الروماني والهامش الإفريقي) خلق حالة من التوتر الهوياتي انعكست في فكره، ما جعله ينخرط مبكرا في إشكالات الهوية والحقيقة والوجود، استطاع من خلال مساره الفكري والروحي أن يحول تجربته الذاتية إلى خطاب إنساني شامل، يتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء، ليؤسس رؤية عميقة حول (الإنسان، والزمن، والشر، والمدينة، والعدالة). مما خلق وضعا انعكس في البنية الفكرية.

غير أن هذا الامتداد الكوني لفكره يطرح إشكالا منهجيا، تمثل في كيفية إعادة قراءة التراث خارج الأطر التقليدية التي حصرته المركزية الأوروبية، واستعادته ضمن سياقه الأصلي الذي تشكل فيه، لا تكتفي بإعادة عرض أفكاره، بل تسعى إلى تفكيكها وإعادة تأويلها في ضوء أبعادها الفكرية والإنسانية، مع إبراز جذورها المحلية وامتداداتها الحضارية دون الوقوع في الاختزال المحلي أو التمركز الغربي.

يعد أوغسطين من أبرز الشخصيات التي تشكل فكرها في تقاطع معقد بين السياق التاريخي، والتجربة الذاتية، والبيئة الثقافية، ولا يمكن فهم مشروعه دون العودة إلى الإطار المرجعي الذي أفرزه، والذي يعكس خصوصية شمال إفريقيا في العهد الروماني، وقد اتسم هذا السياق بتعدد ديني واضح، حيث تواجدت الوثنية الرومانية إلى جانب المسيحية التي كانت في طور التشكل، إضافة إلى تيارات فكرية كـالمانوية التي جذبت عددا من المثقفين.

وقد ساهم هذا التنوع في خلق حالة من الجدل الفكري والديني، دفعت المفكرين إلى البحث عن الحقيقة ومحاولة التوفيق بين المعتقدات المختلفة، ولم يكن هذا التعدد سلميا دائما، بل عرف صراعات حادة، خاصة داخل المسيحية نفسها، وهو ما ألقى بظلاله على تفكيره في مسألة الوحدة الدينية والسلطة، وبناءا على ذلك لم يكن فكره وليد تأمل مجرد، بل كان استجابة حية لواقع متوتر ومليء بالتحديات الفكرية.

المسار الفكري للقديس أوغسطين

يمثل هذا المسار أحد أهم مفاتيح فهم فلسفته، إذ يعكس انتقالا تدريجيا من الشك إلى اليقين، ففي بداياته انخرط في المانوية، حيث وجد فيها تفسيرا عقلانيا لمشكلة الشر، غير أنه سرعان ما اكتشف محدوديتها، ثم مر بمرحلة من الشك الفلسفي، متأثرا بالتيارات الشكية التي زعزعت ثقته في المعرفة الحسية، لكن نجد هذا التحول الحاسم في حياته جاء مع تأثره بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة، التي فتحت أمامه أفقا جديدا لفهم الحقيقة، وقادته في النهاية إلى اعتناق المسيحية، عبر عن هذه الرحلة في كتابه الشهير “الاعترافات” الذي يعتبر من أوائل النصوص التي تناولت الذات الإنسانية بالتحليل العميق، حيث جعل من تجربته الشخصية موضوعا للتفكير الفلسفي، هذا المسار يكشف أن فكره لم يكن مجرد بناء نظري، بل كان نتاج تجربة وجودية عميقة، هذا انتقال نوعي من التفكير الخارجي إلى التأمل الداخلي، وهو ما يجعله من الأوائل الذين أسسوا لما يمكن تسميته بـ”فلسفة الذات”.

في كتابه “مدينة الله” قدم تصورا للتاريخ وكان قائم على الصراع بين مدينتين “مدينة الله” و”مدينة الأرض” كانت الأولى تمثل القيم الروحية والعدالة، بينما الثانية تعكس واقع الصراع والمصالح، هذا التصور يسمح بفهم التاريخ بوصفه مسارا أخلاقيا، لا مجرد تسلسل زمني، لم يقف عند هذا الحد بل اعتبر أن الدولة ضرورية لتنظيم المجتمع، لكنها تظل محدودة في تحقيق العدالة، وهو ما يفتح المجال للتفكير في حدود السلطة، تُظهر هذه الأفكار أن أوغسطين لم يكن فقط لاهوتيا، بل مفكرا سياسيا حاول فهم العلاقة بين الدين والمجتمع.

فكر أوغسطين من المحلي إلى الكوني

لا يمكن فصل فكر أوغسطين عن جذوره المحلية، فقد ولد وعاش في مدن جزائرية، مما جعله مرتبطا بقضايا مجتمعه، وقد انعكس هذا الارتباط في اهتمامه بمشكلات الجماعة الدينية، خاصة في مواجهة الانقسامات، حيث دافع عن وحدة الكنيسة ضد التيارات المنشقة، كما يظهر أثر البيئة الإفريقية في نظرته الواقعية للإنسان والمجتمع، إذ لم يتعامل معه بوصفه كائنا مثاليا، بل ككائن متوتر، يعيش صراعا دائما بين الخير والشر، وهذه النظرة تعكس خبرته المعيشية، لا مجرد تأمل نظري، ونجد أن خصوصيته لا تكمن فقط في مكان نشأته، بل في كونه مفكرا استطاع تحويل هذه التجربة المحلية إلى مشروع فكري عالمي، وهو ما يجعل دراسته ضرورية لفهم العلاقة بين المحلي والكوني، وبهذا لا تمثل خصوصيته هامشا في فكره، بل تشكل أحد أسسه العميقة، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في القراءات التي فصلته عن سياقه الأصلي.

يمثل فكر أوغسطين نموذجا فريدا لانتقال الفكر من إطار محلي محدود إلى أفق كوني واسع، حيث استطاع أن يعالج قضايا إنسانية عامة انطلاقا من تجربته الخاصة، فيحتل مفهوم الذات مكانة مركزية في فلسفته، إذ يرى أن الحقيقة لا تدرك من الخارج، بل من خلال التأمل الداخلي، وقد أسس بذلك لنوع من التفكير الذي يركز على الوعي الذاتي، هذا التحول يمثل قطيعة مع الفلسفات التي ركزت على الموضوع، ويفتح المجال أمام فهم جديد للإنسان بوصفه كائنا واعيا بذاته.

كما قدم تحليلا عميقا للزمن واعتبره ليس مجرد تعاقب للأحداث، بل تجربة نفسية تتجلى في الذاكرة والانتباه والتوقع، هذا التحليل يكشف عن عمق فلسفي يجعله قريبا من إشكالات الفلسفة الحديثة، وهو تصور يتجاوز الفهم التقليدي للزمن كمعطى خارجي، أما فيما يتعلق بمشكلة الشر، فقد قدّم تفسيرا يقوم على اعتباره نقصا في الخير ، وليس كيانا مستقلا، وهو تفسير يحمل بعدا أخلاقيا وفلسفيا مهما، رغم ما يثيره من نقاش، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مدى قدرته على تفسير الشر الواقعي، هذه القضايا تجعل من فكره فكرا إنسانيا يتجاوز الحدود الدينية والجغرافية.

الامتداد الثلاثي كآلية للكونية

إن كونية فكر أوغسطين لا تعني انفصاله عن جذوره، بل هي نتيجة امتداد تدريجي انطلق من البيئة الجزائرية، مرورا بالسياق الإفريقي، وصولا إلى الفضاء المتوسطي، هذا الامتداد يعكس دينامكية فكرية تسمح بتحويل التجربة المحلية إلى نموذج إنساني عام، وهو ما يفسر استمرار تأثيره عبر العصور، وإن أهمية هذا التراث لا تكمن فقط في مضمونه، بل في قابليته المستمرة لإعادة القراءة والتأويل، فالمقاربة المعاصرة مكنت من تحرير فكره من القراءات الأحادية، وإعادة إدماجه ضمن سياقه الحضاري الأصلي، دون أن تفقده بعده الكوني، ومن هنا، يصبح هذا التراث مجالا مفتوحا للحوار بين الماضي والحاضر، وبين الخصوصية الثقافية والإنسانية المشتركة.

نسعى بهذه القراءة إلى إعادة النظر في تراث أوغسطين، من خلال تجاوز القراءات التقليدية التي اختزلته في إطار واحد، ركزت فيه على البعد اللاهوتي، وقدمته كمفكر مسيحي أوروبي، متجاهلة أبعاده الأخرى، فأدى إلى تهميش جذوره الإفريقية، وإغفال السياق الذي تشكل فيه فكره، وهو ما يعكس هيمنة المركزية الغربية في كتابة “تاريخ الفكر” فنحاول إعادة تأويله في ضوء إشكالات الحاضر، إعادة النظر في هذا الطرح تقتضي الاعتراف بتعدد أبعاده، وإعادة إدماجه في سياقه الأصلي كضرورة منهجية تسمح بفهم النصوص خارج حدودها التقليدية، وربطها بقضايا الإنسان المعاصر، هذه المقاربة لا تهدف إلى إلغاء التراث، بل إلى إعادة تفعيله.

أظهر التحليل أن البيئة الثقافية التي نشأ فيها لم تكن مجرد خلفية تاريخية، بل كانت عاملا فاعلا  في صياغة إشكالياته، سواء تعلق الأمر بمسألة الحقيقة، أو الشر، أو علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، كما أن تجربته الشخصية، بما حملته من توتر وتحول، أسهمت في نقل التفكير من مستوى الخطاب الخارجي إلى عمق الذات، مؤسسة بذلك لنمط جديد من الفهم الفلسفي يقوم على التأمل الداخلي، وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في استعادته كما كان، بل في إعادة بنائه فكريا بما ينسجم مع تحولات الإنسان، مع الحفاظ على روحه النقدية وعمقه الإنساني، فالفكر في نهاية المطاف، لا يعيش بقدر ما يُعاد التفكير فيه، ولا يستمر بقدر ما يُفتح على أسئلة جديدة، وبذلك يظل تراثه شاهدا على قدرة الفكر المنبثق من الهامش على بلوغ أفق العالمية، ودعوة متجددة لإعادة التفكير في علاقتنا بتراثنا، لا بوصفه عبئا تاريخيا، بل كإمكانية دائمة لإنتاج المعنى وبناء المستقبل.

خلاصة القول لا يمكن فهم فكر أوغسطين إلا في إطار جدلية معقدة تجمع بين المحلي والكوني، فلم ينطلق فقط من بيئة جزائرية إفريقية، بل استطاع بذلك أن يبلور رؤية فلسفية تجاوزت حدودها الجغرافية لتصبح جزءا من التراث الإنساني، ومن ثمّ، فإن إعادة قراءته اليوم تمثل ضرورة لفهم التراث، ليس بوصفه ماضيا جامدا، بل كأفق مفتوح للتأويل وإعادة البناء، كما لا يمكن اختزاله في كونه تراثا لاهوتيا أو إنتاجا فلسفيا منتميا إلى فضاء أوروبي مغلق، بل هو بناء فكري مركب تشكل في عمقه من تفاعل حي بين خصوصية جزائرية إفريقية وامتداد متوسطي، قبل أن يرتقي إلى مستوى الكونية الفكرية، إن هذا التداخل بين المحلي والعالمي لا يمثل تناقضا، بل يكشف عن دينامكية الفكر الإنساني حين ينطلق من واقع محدد ليعالج أسئلة تتجاوز حدوده.

وبالرغم من مرور قرون لا يزال فكر أوغسطين يحمل أبعادا راهنة، غير أن الاستفادة منه تقتضي قراءة جديدة، تأخذ بعين الاعتبار سياقه التاريخي، وتفصل بين ما هو إنساني قابل للتوظيف، وما هو مرتبط بظروفه الخاصة.

القديس أوغسطين.. عودة السؤال الأخلاقي في زمن الاضطرابات الدولية

الدكتور بن علي رابح
أستاذ في علم الاجتماع والديموغرافيا – جامعة ابن خلدون (تيارت)

يعود اسم اوغسطين ابن سوق اهراس إلى الواجهة من جديد. لكن لماذا يعود؟ وهل هو مجرد استدعاء لمفكر من الماضي، أم أننا أمام حاجة حقيقية إلى صوته الأخلاقي؟ كيف يمكن لقسيس عاش قبل قرون أن يصبح معاصرا لنا اليوم؟ أليس في ذلك مفارقة تستحق التأمل؟!

لقد طرح أوغسطين أسئلة لا تزال تُقلق ضمير الإنسان: هل يمكن تبرير الحرب؟ وأين تقف حدود العدالة؟ وهل السلام هو مجرد غياب السلاح، أم حضور العدل؟ هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرة، الا انها تُربك عالمنا اليوم، لأنها تكشف فراغا أخلاقيا متزايدا في إدارة الصراعات.

لقد عاش أوغسطين في زمن مضطرب فعلا، حيث كانت الإمبراطورية الرومانية تتفكك، والحروب تفرض نفسها كواقع يومي. ومع ذلك، لم ينجرّ إلى تبرير العنف، ولم يسقط في رفض مطلق للحرب. بل حاول أن يضع لها حدودا أخلاقية. وهنا تبرز فكرته عن “الحرب العادلة”: أيمكن أن تكون الحرب وسيلة لتحقيق السلام؟ وهل يمكن أن تكون مشروعة إذا كانت غايتها حماية الإنسان لا تدميره؟!

لكن، ماذا عن عالمنا اليوم؟ ألسنا نعيش واقعا أكثر تعقيدا؟ الحروب لم تعد مجرد مواجهات تقليدية، بل أصبحت شبكات من المصالح والتدخلات والتحالفات. في الحرب بين الروسية الاكرانية، هل يُطرح فعلا سؤال العدالة، أم أن الحديث يختزل في موازين القوة؟! وفي غزة، كيف يمكن تفسير استهداف المدنيين؟ أهو دفاع مشروع أم انهيار أخلاقي؟! وفي دول الساحل الإفريقي، من المسؤول عن هذا العنف المتداخل؟ الجماعات المسلحة أم التدخلات الدولية أم غياب الدولة؟!

أمام هذه الصور، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أين الأخلاق؟! أين الحدّ الذي يجب ألا يُتجاوز؟! هنا يتجلّى أوغسطين من جديد.. لا كإجابة جاهزة، بل كسؤال مفتوح. إنه يذكّرنا بأن الحرب التي تفقد عدالتها تفقد مشروعيتها. فهل ما نراه اليوم يندرج ضمن هذا الإطار؟ أم أننا أمام عالم تجاوز حتى فكرة “العدالة” نفسها؟!

حين يتقدم القانون ويتراجع الضمير

إن تجدد أوغسطين لا يعني العودة إلى الماضي، بل إعادة قراءة الحاضر. فعندما نتحدث اليوم عن القانون الدولي الإنساني، وعن حماية المدنيين، وعن التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، ألا نعيد طرح نفس الأسئلة التي طرحها؟! ولكن، لماذا يبقى التطبيق ضعيفا؟ ولماذا تتحول هذه المبادئ إلى شعارات انتقائية؟!

الأخطر من ذلك، أن الأزمة لم تعد فقط في الحروب الدولية، بل في العنف داخل المجتمعات.

في الجزائر مثلا، خلال العشرية السوداء، ماذا حدث؟ كيف تحوّل العنف إلى واقع يومي؟ كيف أصبح قتل الأبرياء أمرا “ممكنا” في نظر البعض؟! أليست هذه لحظة انهيار أخلاقي قبل أن تكون أزمة سياسية؟! تجربة الجزائر تطرح سؤالا صادما: ماذا يحدث عندما تغيب الأخلاق؟ الجواب واضح.. الفوضى.

وهنا نصل إلى جوهر فكر القديس أوغسطين ليست المشكلة في وجود الحرب فقط، بل في غياب الضوابط الأخلاقية. فهل يمكن أن نقبل بحرب بلا حدود؟! وهل يمكن تبرير العنف باسم الأمن أو السيادة أو حتى الدين؟! أين تقف النية؟ وأين الوسيلة؟ وأين الغاية؟!

إن العالم اليوم يتحدث كثيرا عن القانون، لكنه يتجاهل الأخلاق. لكن، ما قيمة قانون بلا ضمير؟! عندما تُقصف مناطق مأهولة، أو تُبرر أعمال إرهابية، هل نحن أمام خرق قانوني فقط، أم أمام أزمة إنسانية أعمق؟! أليست هذه مفارقة خطيرة؟!  كما أن أوغسطين يقدّم تصورا مهما حول نية الفاعل في الحرب. فليس المهم فقط ما يحدث، بل لماذا يحدث. هل الهدف هو حماية الناس؟ أم تحقيق مصالح ضيقة؟ هذا البعد الأخلاقي يكاد يغيب في كثير من النقاشات المعاصرة، التي تركز على النتائج أكثر من القيم.

وفي العلاقات الدولية، تبرز ازدواجية صارخة: ما يُدان في مكان يُبرر في مكان آخر! فكيف يمكن الحديث عن العدالة في ظل هذا التناقض؟! وكيف يمكن بناء سلام حقيقي في عالم تحكمه المصالح أكثر من القيم؟! وفي السياق العربي والإفريقي، يمكن أن يكون استحضار أوغسطين فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالعنف والصراع. فقد عانت العديد من المجتمعات من الحروب والإرهاب، وهو ما يطرح الحاجة إلى بناء ثقافة سلام تقوم على العدالة والحوار، وليس فقط على التوازنات الأمنية.

السلام المفقود بين منطق القوة ومنطق الضمير

إن “تجدد أوغسطين” هو في جوهره دعوة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في السياسة. فالعالم اليوم لا يعاني فقط من صراعات مادية، بل من أزمة قيم. وعندما تغيب المعايير الأخلاقية، تصبح القوة هي المعيار الوحيد، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. انه يقدّم هنا فكرة حاسمة: السلام لا يُبنى على الظلم. ولكن، هل يفهم العالم هذا اليوم؟ أم أن السلام أصبح مجرد هدنة مؤقتة؟! أليس ما نراه من صراعات مجمّدة دليلا على غياب العدالة؟!

إذا نظرنا بعمق، سنجد أن كثيرا من الأزمات الحالية ليست نتيجة نقص في القوة، بل نتيجة نقص في الأخلاق. فهل يحتاج العالم إلى مزيد من السلاح، أم إلى مزيد من الضمير؟! هل المشكلة في غياب الحلول، أم في غياب الأسئلة الصحيحة؟!

إن تجلّي أوغسطين اليوم هو عودة السؤال الأخلاقي بقوة: ماذا نفعل؟ ولماذا؟ وهل ما نفعله عادل؟! هذه الأسئلة، رغم بساطتها، هي ما يخشاه عالم اليوم، لأنها تكشف تناقضاته. إذا أسقطنا هذه الفكرة على الواقع، سنجد أن كثيرا من الأزمات الحالية ليست نتيجة نقص في القوة، بل نتيجة نقص في العدالة. فالعالم لا يحتاج فقط إلى توازنات عسكرية، بل إلى توازنات أخلاقية. وهذا ما يغيب عن معظم السياسات المعاصرة. اذ لا يقدّم أوغسطين حلولا جاهزة، لكنه يقدّم ما هو أهم: طريقة في التفكير. التفكير في الحرب كمسؤولية أخلاقية، لا كخيار سياسي فقط. التفكير في السلام كعدالة، لا كهدنة. التفكير في الإنسان كقيمة، لا كوسيلة.

في النهاية، “تجدد أوغسطين” ليس حنينا إلى الماضي، بل نقدا للحاضر. هو تذكير بأن الحرب بدون أخلاق ليست سياسة، بل فوضى. وأن السلام بدون عدالة ليس سلاما، بل تأجيل للصراع. وإذا كان العالم اليوم عاجزا عن وقف الحروب، فربما لأنه لم يعد يطرح السؤال الذي طرحه أوغسطين منذ قرون: هل ما نفعله عادل حقا؟

هذا السؤال، رغم بساطته، هو ما يحتاجه عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

الدكتورة مكناس مختارية
أستاذة علم الاجتماع الديني – جامعة ابن خلدون (تيارت)

في جدلية التراث والانفتاح.. أوغسطينوس والزوايا كمرجعيتين للتعايش السلمي في الجزائر

لم يكن إقرار الأمم المتحدة ليوم 16 ماي يوما عالميا للعيش معا في سلام، بمبادرة جزائرية سنة 2017، حدثا منفصلا عن المسار التاريخي والثقافي للجزائر، بل امتدادا لذاكرة طويلة تشكلت داخل فضاء عرف، عبر قرون، تداخلا بين الأديان والثقافات واللغات. فقد شكّلت الجزائر، عبر تاريخها، فضاء للتفاعل بين أبعاد دينية وثقافية متعددة، مما جعل من الانفتاح سمة أساسية في بنيتها الاجتماعية.

ويُعدّ التراث الفكري أحد الركائز الأساسية في فهم تشكّل الفرد داخل مجتمعه، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات فكرية ذات امتداد حضاري واسع. ويبرز أوغسطينوس كواحد من أهم المفكرين الذين أسهموا في صياغة تصورات عميقة حول الذات والقيم والعلاقة بين الإنسان والمجتمع، على الرغم من انتمائه إلى سياق ديني وتاريخي مغاير، ليس فقط في أوروبا بل أيضا في الفضاء المتوسطي والإفريقي، وبالأخص في الجزائر التي تُعد جزءا من مجاله الحضاري والتاريخي. وهذا ما يمنحه حضورا رمزيا في الذاكرة الثقافية الجزائرية، ويجعل استحضار فكره مدخلا مهما لمناقشة قضايا معاصرة مثل الانفتاح الديني.

فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الطويل، كانت دائما فضاء للتعدد الديني والثقافي، من الديانات القديمة إلى الإسلام مرورا بالمسيحية في العهد الروماني. وهذا التنوع يعيدنا إلى إرث أوغسطينوس الذي عاش في بيئة متعددة، ما يجعله رمزا لإمكانية التعايش الديني. فهو نموذج فريد في بناء العلاقة مع الآخر، إذ عاش في بيئة متعددة الثقافات والديانات، حيث تفاعلت المسيحية مع تيارات فكرية ودينية مختلفة.

هذا السياق جعله يطور رؤيته القائمة على الحوار الداخلي والبحث عن الحقيقة بدل الإقصاء والتعصب، فهو رمز مبكر للتعايش السلمي، ليس فقط من خلال أفكاره، بل أيضا من خلال مسيرته الشخصية التي اتسمت بالتحول والانفتاح. وهو، كرمز تاريخي، يذكرنا بأن هذه الأرض لم تكن يوما أحادية، بل كانت فضاء للتعدد والتفاعل.

ومن مظاهر ذلك:

  • البعد الإنساني في فكره: حيث ركّز على البعد الداخلي للإنسان، وعلى القيم الروحية مثل المحبة والبحث عن الحقيقة. هذه القيم تُعد أساسا لأي تعايش سلمي، لأنها تتجاوز الانتماءات الضيقة نحو إنسانية مشتركة.
  • التفاعل مع المحيط الإفريقي: كونه ابن البيئة الإفريقية (الجزائر حاليا)، فإنه لم يكن معزولا عن قضايا مجتمعه، بل عبّر عن واقع متعدد ثقافيا، وهذا يعزز فكرة أن التعايش كان جزءا من النسيج الاجتماعي، وليس مجرد فكرة نظرية.
  • التحول الديني كتجربة مفتوحة: تنقّل أوغسطينوس بين عدة معتقدات قبل اعتناقه المسيحية، وهذا يعكس حرية فكرية نسبية داخل مجتمعه. هذا التحول لا يمكن فهمه إلا في سياق يسمح بقدر من التعايش مع الاختلاف الديني.
  • إدارة الاختلاف الديني: رغم وجود صراعات دينية في عصره، حاول أوغسطينوس فهم الاختلاف وتفسيره، وهو ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال “إدارة التنوع”، وهي فكرة أساسية في علم الاجتماع الديني الحديث.
  • التعايش بين السلطة الدينية والمدنية: تناول أوغسطينوس العلاقة بين الدين والسياسة، خاصة في تصوره لـ”مدينة الله” و”مدينة الشر”، حيث أقرّ بوجود نظامين متوازيين. هذا الطرح يعكس نوعا من التوازن، ويمهد لفكرة التعايش بين المجالين.
  • التعايش اللغوي والثقافي: فقد عاش في بيئة تتداخل فيها اللاتينية مع اللهجات المحلية الأمازيغية والإفريقية، ما يعكس تعددية ثقافية. هذا التعدد اللغوي ساهم في بناء وعي منفتح، حيث لم تكن الهوية أحادية بل مركبة، وهو شرط أساسي لقيام التعايش.
  • الاعتراف بالضعف الإنساني المشترك: في كتاباته (مثل “الاعترافات”)، يبرز أوغسطينوس فكرة أن الإنسان كائن ناقص يبحث عن الكمال. هذا الإدراك يجعل الإنسان أكثر تسامحا مع الآخر، لأنه يرى فيه شريكا في الضعف الإنساني لا خصما.
  • التعايش داخل الجماعة الواحدة: لم يقتصر التعايش عنده على العلاقة بين أديان مختلفة، بل شمل أيضا إدارة الخلاف داخل الجماعة المسيحية نفسها، وهو ما يعكس وعيا بأهمية التعدد حتى داخل النسق الواحد.
  • البعد التربوي للتعايش: خطابه كان يحمل بعدا تربويا وأخلاقيا يسعى إلى تهذيب الإنسان من الداخل، والتربية هنا تُعد أداة أساسية لبناء مجتمع متسامح.

من الضمير الأوغسطيني إلى روح الزوايا

إن أوغسطينوس لا يمثل فقط حالة فردية، بل نموذجا فكريا يمكن قراءته كسوسيولوجيا مبكرة للتعايش، حيث تتقاطع فيه عناصر التعدد والحوار والتجربة والضمير، وهذا ما يجعله مرجعا مهما لإعادة التفكير في التعايش الديني في الجزائر اليوم انطلاقا من تراثها المحلي.

ومن منظور علم الاجتماع الديني، يظهر الدين في المجتمع الجزائري بوصفه منظومة اجتماعية حيوية ومتفاعلة مع محيطها، لا مجرد إطار مغلق أو معزول عن التحولات الاجتماعية. وقد ساهمت المرجعية الإسلامية، خاصة في بعدها الصوفي، في ترسيخ قيم التسامح والتعايش، وهو ما تجسد في الدور الذي أدته الزوايا باعتبارها فضاءات للتضامن الاجتماعي ونشر القيم الأخلاقية، إلى جانب وظيفتها الدينية والتربوية.

فقد لعبت الزوايا دورا محوريا في تحقيق ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الاندماج الاجتماعي”، حيث ساهمت في تقوية الروابط بين الأفراد وتجاوز الفوارق الاجتماعية من خلال خطاب ديني معتدل ومنفتح على الآخر. ونذكر منها الطريقة العلاوية التي أسسها الشيخ أحمد مصطفى العلاوي في الغرب الجزائري (ولاية مستغانم)، والتي عرفت انتشارا في جميع أنحاء القطر الجزائري، بل وتجاوزت حدود الوطن نحو مناطق مختلفة من العالم: أوروبا، وأمريكا، وآسيا، وإفريقيا.

وقد كانت الزوايا شاهدة على إسلام حيّ ومتفتح، اندمج في الغرب مع بداية القرن العشرين. كما قامت، بالإضافة إلى وظيفتها التعبدية وتحفيظ القرآن، بتنظيم ملتقيات ومؤتمرات عبر العالم للتعريف بالإسلام وشريعته السمحة. وقد كان تاريخ العلاوية وشيخها خالد بن تونس حافلا بالمواقف، حيث دافع عن الإسلام مناظرا ومحاورا المبشرين والقساوسة، وأسهم في نشر قيم السلام والإخاء ومحاربة العنف والإجرام. ومن تعاليمها أيضا احترام كل المخلوقات، سواء البشرية أو الحيوانية أو الطبيعية، بما يعكس فكرة قدسية الحياة.

الجزائر.. ذاكرة سلام تتجاوز الأزمات

لقد حُدّد اليوم العالمي للعيش معا في سلام يوم 16 ماي من كل سنة، وهو يوم أقرّته الأمم المتحدة سنة 2017 بمبادرة من الجزائر. ويكتسب هذا اليوم دلالة رمزية لتجربة تاريخية طويلة في التعايش بين مكونات المجتمع (الديني، والثقافي، واللغوي)، خاصة بعد تجاوز الأزمات، وعلى رأسها مرحلة العشرية السوداء، وترسيخ قيم السلم والمصالحة، كنموذج لإدارة التعدد الديني والثقافي داخل المجتمع، تأكيدا على أن الدين يمكن أن يكون عامل تماسك لا صراع.

وكذلك التيار الإصلاحي الذي مثّله علماء مثل عبد الحميد بن باديس، قدّم نموذجا مميزا للانفتاح الديني الواعي، حيث دعا إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وربط الدين بالعلم والتعليم، مما ساهم في تشكيل الوعي الديني داخل المجتمع الجزائري.

إن دراسة الانفتاح في التراث الجزائري من زاوية علم الاجتماع الديني تكشف عن قدرة الدين على أداء وظيفة اجتماعية تتجاوز البعد التعبدي، ليصبح أداة لبناء التماسك الاجتماعي وتعزيز الاستقرار. كما تؤكد أن الانفتاح الديني، حين يكون مؤطّرا بقيم المجتمع، يمكن أن يكون عاملا أساسيا في مواجهة التحديات المعاصرة.

وفي ظل التغيرات الراهنة، يبقى التراث الديني الجزائري نموذجا يستحق الدراسة، لما يحمله من إمكانيات في تحقيق التوازن بين الهوية والانفتاح، وبين الثبات والتجدد. وعليه، فإن الانفتاح الديني لا يُعد تهديدا للهوية بقدر ما يشكل فرصة لإعادة قراءة التراث وإحيائه في ضوء التحولات المعاصرة، فهو بناء اجتماعي قابل للتجدد والتأويل.

ومن منظور علم الاجتماع الديني، فإن التفاعل بين الانفتاح والتراث ينتج ديناميكية توازن بين المحافظة والتغيير، بما يضمن استمرارية المعنى الديني داخل المجتمع. وعليه، فإن المجتمعات تنجح في تحقيق الانسجام بين الأصالة والمعاصرة، بعيدا عن الانغلاق أو الذوبان. وبمعنى أدق، فإن الانفتاح الواعي على الآخر، دينيا وثقافيا، لا يلغي الخصوصية، بل يمنحها بعدا إنسانيا أكثر شمولا.

فالتراث والانفتاح عنصران متكاملان في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي. وعليه، فإن الجمع بين فكر أوغسطينوس ووظائف الزوايا يتيح قراءة سوسيولوجية متكاملة، تُظهر أن التعايش السلمي في الجزائر ليس ظاهرة ظرفية، بل هو امتداد لتراث روحي وثقافي عميق يجمع بين البعد الفكري والبعد الميداني. وعليه، فإن تحقيق الاستمرارية في هذا النموذج يتطلب إعادة تفعيل هذا التراث في الخطاب المعاصر، من خلال تعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم التسامح، وربط الإصلاح الديني بخصوصيات المجتمع الجزائري.