أوكرانيا في مواجهة روسيا.. حشد أطلسي لوقف التمدد الأوراسي-السْلافي!

سيكون مجانبا للصواب كلّ سعي تفسيري ينشد قراءة الحشد العسكري الروسي على التخوم الأوكرانية دون أن يقرنه بالنظرية السياسية الرابعة لألكسندر دوغين، ذلك أنـّنا بصدد تمثّل واضح لسلوك دولة تسعى إلى ترسيخ تعريف لنفسها كقوّة مراجِعة (Revisionist) ضمن المنظومة العالمية، لا يضيرها في سبيل ذلك أن تضع نفسها على مسافة الصفر في مواجهة قوى الغرب المهيمنة (Hegemonic) .

هكذا هو المشهد بمنظار جيوسياسي، وهذا ما يُستشف مما كتبه بوتين في مقالته التي نشرها جوان الماضي التي طغى عليها الحنين إلى ماضي السلافيين الموحّد. لقد بدا الميل إلى الأطروحة الأُوراسية لدوغين واضحا في كلمات بوتين، حين أقرّ صراحة أنّ “الروس والأوكرانيين شعب واحد في بلدين مختلفين”، معتبرا أنّ تأجيج عداء كييف لموسكو “يساوي في عواقبه استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدّ بلاده.”

مسكونين بهاجس الخوف من التوسّع الروسي، ينظر الأوربيون للتلويح البيلاروسي بإغراق أوربا بالمهاجرين والمخدّرات على أنّه تواطؤ محتمل بين بوتين ولوكاشينكو يهدف إلى ليّ أيديهم لإجبارهم على القبول بالتوقيع على اتفاقية خطّ أنابيب نوردستريم 2

نحن إذن أمام عقيدة راسخة لدى بوتين يجاهر بها في وجه الغرب ويتطلع من خلالها إلى استرجاع مجد ضائع وتكريس السيادة الجيوسياسية لقوى البرّ الأُوراسية ضدّ الغرب وقوى البحر التي تكـبّل الأوراسيين بقيود الاحتواء؛ نهج استراتيجي ودبلوماسي عومل به الاتحاد السوفييتي منذ الخمسينيات، ثمّ روسيا الاتحادية بعده، وخضع لتحيينات في تكتيكاته لكنه بقي محافظا على خطوطه الرئيسية وجوهره المتمحور حول فكرة فعل كلّ شيء كي تبقى روسيا خارج أوروبا. وإذا تعمّقنا في هذه الفكرة، سنجد أنـّها الجوهر الذي تأسست وفقه عقيدة الحلف الأطلسي في حقيقة الأمر معبِّرا عنها بمصطلحات أخرى.

إنّ ما يظهر من جبل الجليد في الأزمة الروسية-الأوكرانية هو تصعيد عسكري في إقليمي لوهانسك ودوناتسك مع غزو محتمل يأتي على إثر تفاقم التوتّر بين روسيا الاتحادية والاتحاد الأوربي الذي تُعدّ أزمة اللاجئين في بيلاروسيا إحدى تمثـّلاته.

 مسكونين بهاجس الخوف من التوسّع الروسي، ينظر الأوربيون للتلويح البيلاروسي بإغراق أوربا بالمهاجرين والمخدّرات على أنّه تواطؤ محتمل بين بوتين ولوكاشينكو يهدف إلى ليّ أيديهم لإجبارهم على القبول بالتوقيع على اتفاقية خطّ أنابيب نوردستريم 2 (Nordstream 2) الذي ينقل الغاز من روسيا إلى أوربا مباشرة عبر بحر البلطيق دون المرور بأوكرانيا وبولندا ودول أوربا الوسطى. ويجري نقاش حاد داخل بيت الاتحاد الأوربي بين مؤيّدي فكرة التوقيع على اتفاقية تشغيل نوردستريم 2 ومعارضيها، وفي حين تقف ألمانيا على رأس المؤيدين، تطغى المعارضة على موقف الأوربيين المتوجّسين من كلّ تقارب محتمل بين روسيا وألمانيا مهما كان المسوّغ.

التصعيد الحاصل هو محطّة من محطات التنافس الجيوسياسي بين الأوراسيين والأطلسيين، لن تكون الأخيرة، وهو في جوهره موجّه ضدّ الأوربيين لوقف كل زحف ممكن لاتحادهم شرقا نحو عمق أوراسيا.

هذا بعض ما يطفو على السطح من الأزمة بين روسيا وأوروبا وعموما، بيد أنّ ما لا يُفلت من الأنظار هو أنّ العالم أمام صراع جيوسياسي محض لا يحتمل الاختزال في مجرّد مناوشات روسية-أوكرانية توعز إلى حنق سياسي متبادل لاعتبارات انفصالية، ولا يقبل الفصل عن تجربة الضم الروسي لشبه جزيرة القرم سنة 2014 لأنه –ببساطة- تطوّر خطّي في المسار ذاته، ولا عن نشر ونصب منظومة (S400) وصواريخ إسكندر المسلحة نوويا في جيب كالينينغراد بمحاذاة جمهوريات البلطيق، ولا بالتهديد الروسي باستهداف السويد وفنلندا بالأسلحة النووية سنة 2013 إن هما انضمّتا إلى حلف شمال الأطلسي، ذلك أنّ التصعيد الحاصل هو محطّة من محطات التنافس الجيوسياسي بين الأوراسيين والأطلسيين، لن تكون الأخيرة، وهو في جوهره موجّه ضدّ الأوربيين لوقف كل زحف ممكن لاتحادهم شرقا نحو عمق أوراسيا.

باتت موسكو تبدع في فك خيوط شباك اللعبة وتوجيهها نحو محاور ومحطات مختلفة؛ من أوكرانيا إلى سوريا وليبيا، وأصبحت تساوم القوى الغربية وتفرض شروطها ومنطقها المراجع المتمرّد على قيود المنظومة العالمية.

ما يحصل اليوم هو انتفاض وتمرّد جديد للروس ضد المعادلات الاستراتيجية التي طُبقت ضدهم وفُرض عليهم قبولها منذ نهاية الحرب الباردة لإجبارهم على الانكفاء والانكماش الاستراتيجيين وإحباط أي محاولة مستقبليّة لهم لترميم أو استعادة نفوذهم الذي تم تضييعه في شرق أوروبا. ومعلوم أنّ روسيا كانت وقتها قوّة ضعيفة منهكة، آيلة للانحدار بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي، لكنها ككيان جغرافي وكهوية حضارية سلافية-أرثوذكسية، ظلـّت قوّة كامنة يقيم لها الأمريكيون والأوربيون ألف حساب. وبعد حوالي ثلاثة عقود، ها هي إرهاصات ما تخوّف منه الأمريكيون وحلفاؤهم الأوربيون تبرز على أرض الواقع، إذ باتت موسكو تبدع في فك خيوط شباك اللعبة وتوجيهها نحو محاور ومحطات مختلفة؛ من أوكرانيا إلى سوريا وليبيا، وأصبحت تساوم القوى الغربية وتفرض شروطها ومنطقها المراجع المتمرّد على قيود المنظومة العالمية.

لقد بات واضحا مع تواتر الأزمات أنّ الكريملين أصبح يميل أكثر فأكثر إلى سياسة خارجية متحدية للغرب؛ تصعيدات ومناورات عسكرية بالقرب من حدود دول الناتو، على نحو يعطي الانطباع بأنّ الحكومة الروسية صارت تختار التوقيت لإدارة ديناميات التصعيد السياسي

فلا شيء يضمن عدم نزوع بوتين مستقبلا إلى إصلاح ما يعتبره صراحة أخطاء جسيمة حدثت إثر سقوط الاتحاد السوفيتي أو حتّى تفكيره في تحريك حدوده نحو الغرب وهذا مكمن الخطر الحقيقي بالنسبة للأطلسيين.

مع غرمائها مؤكدة في الوقت ذاتها نواياها المراجعة. في هذا السياق، كانت نبرة بوتين واضحة الحدّة حين هدد بحرب أوسع في أوكرانيا إن هي ضُمّت إلى الناتو مطالبا بـ “ضمانات قانونية” لضمان عدم حدوث ذلك.

أمام هذا، تدرك القوى الأطلسية أنّ محدودية مجال ردود أفعالها إزاء تطورات الموقف الروسي حول أوكرانيا سيضعها في مأزق صعب، وإن كانت المغامرة بمواجهة مسلـّحة مع روسيا مستبعدة في ظل ارتفاع كلفتها وتعقيد تداعياتها الإقليمية والعالمية، فإنّ العقوبات الاقتصادية أيضا تبدو غير ذات جدوى، إذ لم تكد تغيّر شيئا في سلوكات روسيا تجاه الغرب وطموحات بوتين الأوراسية على مدار السنين الماضية.

أمام هذا، يُستثار خوف الأطلسيين من سلوكات مشابهة قد تقدم عليها الصين متشجّعة بهذا التجاسر الروسي، ومن المؤكّد أنهم يفكرون في إمكانية غزو الصين لتايوان وضمّها إليها بالقوّة خاصّة وأنّ الأطلسيين سبق وأن استفزوها بحلف “أوكوس” (AUKUS) الذي أعلن عنه يوم 16 سبتمبر 2021.

إنّ الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية مع العلم المسبق بمحدودية ما يُتوقع منها من تأثير يسير جنبا إلى جنب مع الخوف الأورو-أمريكي من كابوس تعاظم طموحات روسيا الجيوسياسية وتجرّئها أكثر على الأسس البنيوية للمنظومة العالمية التي وضعها الغرب، فلا شيء يضمن عدم نزوع بوتين مستقبلا إلى إصلاح ما يعتبره صراحة أخطاء جسيمة حدثت إثر سقوط الاتحاد السوفيتي أو حتّى تفكيره في تحريك حدوده نحو الغرب وهذا مكمن الخطر الحقيقي بالنسبة للأطلسيين. من الممكن مثلا أن يفكّر –وهو يرى الارتباك الاستراتيجي للأطلسيين-في ضمّ بيلاروسيا أو بولندا، أو أن يراجع موقف بلاده من دول البلطيق الثلاث.. ربما!

أمام هذا، يُستثار خوف الأطلسيين من سلوكات مشابهة قد تقدم عليها الصين متشجّعة بهذا التجاسر الروسي، ومن المؤكّد أنهم يفكرون في إمكانية غزو الصين لتايوان وضمّها إليها بالقوّة خاصّة وأنّ الأطلسيين سبق وأن استفزوها بحلف “أوكوس” (AUKUS) الذي أعلن عنه يوم 16 سبتمبر 2021، أمر إن حدث سيؤدّي لا محالة إلى تغيير جذري في الميزان الاستراتيجي العالمي وسنرى معادلات جديدة تتشكل تختلف كليا عن المعادلات التي كـرّست بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ثم بعد سقوط جدار برلين.

ووسط كل هذا، من المتوقع أن خطاب وسلوك القوى الدولية والإقليمية ذات النزعة المراجعة والتي تقترب من روسيا سيكون أكثر وضوحا في معارضته لقواعد المنظومة العالمية المفروضة مع إمكانية انحياز مواقفها أكثر لهذا النهج، وبالنتيجة، قد نرى أطروحة النظرية السياسية الرابعة القائلة بتجسيد السيادة الجيوسياسية للقوى الأوراسية ضد القوى الأطلسية تجد فرصا أكبر للتحقق في عالم الغد.