السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أيام الفسيفساء بسطيف في طبعتها الثالثة.. آفاق تثمين التراث بين الحفظ والتطوير

Author
هارون عمري 18 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق الاحتفاء بشهر التراث تحت شعار “تراثنا حضارتنا”، وبالتزامن مع اليوم العالمي للمتاحف، احتضن المتحف العمومي الوطني بسطيف فعاليات “أيام الفسيفساء” في طبعتها الثالثة، التي اختتمت أشغالها أمس الأحد 17 ماي، وسط حصيلة علمية وتكوينية ثرية جمعت باحثين وخبراء ومهنيين حول واقع وآفاق الفسيفساء الجزائرية.

وشكّلت هذه التظاهرة، التي امتدت على مدى يومين، فضاء للنقاش العلمي والمهني حول قضايا متعددة تتعلق بالفسيفساء، من الحفظ والجرد والعرض إلى سبل إدماجها ضمن ديناميكية ثقافية وسياحية معاصرة. كما أبرزت المداخلات العلمية والورشات التكوينية والخرجات الميدانية المدرجة في البرنامج توجها متقدما نحو إعادة تفعيل هذا التراث بوصفه مادة حيّة قابلة للتثمين في مشاريع الثقافة والتنمية.

وفي اليوم الختامي، تمحور النقاش حول رهانات التثمين والاستدامة، مع التركيز على التحولات الرقمية والتقنيات الحديثة في عرض التراث وتوثيقه، بما يعزز حضور الفسيفساء الجزائرية في المشهد الثقافي، ويفتح المجال أمام قراءات جديدة تتجاوز بعدها الجمالي نحو أبعادها المعرفية والتنموية.

وقبل ذلك، شهد البرنامج جلسات علمية ومحاضرات وورشات تطبيقية وخرجات ميدانية، ما منح التظاهرة بعدا تكوينيا وعمليا متكاملا. وفي السياق ذاته، عكست تصريحات كل من الأستاذة دربال خيرة والسيد العماري عبد الله لـ”الأيام نيوز” توجهات داعمة لإعادة إدماج الفسيفساء ضمن رؤية ثقافية وسياحية حديثة وأكثر استدامة.

 الديباجة العلمية: الفسيفساء كشاهد حضاري

تشير الديباجة العلمية لأرضية التظاهرة إلى أن الفسيفساء تعد من أرقى التعبيرات الفنية التي خلفتها الحضارات القديمة المتعاقبة، حيث تختزل في مكوناتها أبعادا جمالية، تقنية، ورمزية لا تقدر بثمن. وتبرز الجزائر على خريطة التراث العالمي كإحدى أهم الحواضن لهذا الفن الأصيل، بفضل ما تزخر به من مواقع أثرية استثنائية وثرية، على غرار مواقع سطيف، وجميلة (كويكول)، وتيبازة، وقسنطينة، وغيرها من الحواضر التاريخية.

وتؤكد الأرضية العلمية أن هذا التراث الإنساني يواجه اليوم تحديات حقيقية ومعقدة مرتبطة أساسا بطرق العرض الكلاسيكية، ووسائل الحفظ المتاحة التي تحتاج إلى تحديث، إضافة إلى تأثير العوامل الطبيعية والبشرية المتراكمة عبر الزمن.

ويستدعي هذا الوضع المعقد ضرورة التحرك العاجل واعتماد مقاربات علمية دقيقة وصارمة، تضمن استدامة هذه التحف الفنية النادرة وتصونها للأجيال القادمة. وتشكل هذه المقاربات حجر الأساس لتأسيس منظومة حماية وطنية متكاملة، تراعي أحدث المعايير الدولية المعمول بها في التعامل مع الممتلكات الثقافية الحساسة.

 

برنامج تفصيلي يعكس ثراء المقاربة التكنولوجية والتاريخية

عرف اليوم الأول من التظاهرة افتتاحا رسميا تخللته كلمات ترحيبية وتأطيرية، ليعقبه عرض مبهر ومبتكر حول “رقمنة لوحة انتصار ديونيزوس”، بوصفها تحفة جزائرية فريدة أعاد الذكاء الاصطناعي إحياء تفاصيلها الدقيقة وألوانها الزاهية، ويعكس هذا التقديم توجها حديثا ومحمودا نحو توظيف التكنولوجيا الرقمية المتطورة في التعامل مع التراث الأثري، لتسهيل قراءته، فك رموزه، وفهم أبعاده الفنية والأسطورية.

وتضمّن البرنامج مداخلات علمية معمقة، لعل أبرزها دراسة مستفيضة حول أرضيات الفسيفساء بالقطاعات الإفريقية خلال العهد الإمبراطوري الروماني. كما قدم المتدخلون عروضا تطبيقية تتناول طرق عرض الفسيفساء داخل الفضاءات المتحفية، مع تقديم نماذج حية ومدروسة من ولاية بجاية، إلى جانب دراسة تاريخية ووصفية دقيقة حول لوحة “انتصار فينوس” المكتشفة في ماسكولا (خنشلة حاليا).

وتواصلت فعاليات اليوم الثاني بتقديم محاضرات متخصصة تسلط الضوء على فسيفساء “هيبون” بعنابة، وتستعرض تقنيات الترميم المباشر في الموقع الأثري ذاته، مع تحليل دقيق للعوامل المناخية والبيئية المؤثرة على حفظ اللوحات الفسيفسائية. وتختتم الجلسات بمناقشة خيارات تثمين الفسيفساء كبديل استراتيجي لدعم التنمية المستدامة، وربطها المباشر بصناعة “العلامة البصرية” والهوية المحلية، وصولا إلى توظيف تقنيات التسويق الثقافي الحديث.

محاور علمية لمعالجة واقع الحفظ والتخزين

تضمن البرنامج الدراسي أربعة محاور رئيسية، تركز في مجملها على تطوير تقنيات عرض الفسيفساء داخل المتاحف الوطنية ومتاحف المواقع المفتوحة. وتتطرق الجلسات بتفصيل دقيق إلى قضايا الحفظ والترميم المعقدة، وأيضا طرق التخزين السليمة للفسيفساء والمواد الكيميائية والطبيعية المستعملة في صيانتها الدورية لتفادي تآكلها.

وشمل المحاور استراتيجيات متطورة لتثمين هذا التراث المادي، وتوظيفه كآلية فعالة ضمن خطط التنمية الاقتصادية والسياحية في الجزائر. وتهدف هذه الأيام الدراسية إلى التعريف الموسّع بالمجموعات الفسيفسائية الوطنية غير المعروفة لدى العامّة، وتشخيص واقع عرضها وحفظها داخل المؤسسات المتحفية والمواقع الأثرية المتناثرة عبر التراب الوطني، مع تعزيز مساعي تبادل الخبرات والتجارب بين الباحثين والمختصين، سعيا للخروج بتوصيات عملية قابلة للتجسيد الميداني الفوري.

في هذا السياق، تؤكد دربال خيرة، وهي ملحق حفظ بالوكالة الوطنية للقطاعات المحفوظة وملحقة الشلف تنس وطالبة دكتوراه في تخصص علم الآثار، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن عملية جرد الفسيفساء الأثرية تواجه جملة من التحديات التقنية والعلمية المعقدة. وتبدأ هذه الصعوبات أساسا من ظروف التخزين القائمة، وطرق الحفظ المعتمدة داخل المخازن المخصصة لهذا النوع من القطع الأثرية بالغة الحساسية.

وتوضح المتحدثة أن من أبرز الإشكالات المطروحة في الساحة الأثرية غياب شروط التخزين الملائمة في بعض الحالات الميدانية. ويترافق ذلك مع ضعف ملحوظ في برامج الصيانة الوقائية أثناء فترات الحفظ الطويلة، وهو ما قد يؤثر تدريجيا على سلامة الفسيفساء، ويقلص من قيمتها التاريخية والفنية. وتضيف طالبة الدكتوراه أن عملية التثمين الفعال تتطلب اعتماد مقاربات حديثة ومبتكرة، تشمل التوثيق الرقمي الشامل للفسيفساء. ويسمح هذا التوجه التقني بحفظ البيانات العلمية بدقة متناهية، وتسهيل دراستها الأكاديمية، والتعريف بها على نطاق واسع ضمن منصات رقمية متخصصة ومفتوحة للجمهور.

وتشدد الباحثة على أهمية تطوير أساليب العرض المتحفي التقليدية، من خلال تقديم الفسيفساء ضمن فضاءات حديثة تعتمد الوسائط البصرية الجذابة والتقنيات التفاعلية المتقدمة. وتساهم هذه الآليات الحديثة في تقريب هذا التراث القيم من الجمهور الواسع، وتعزيز جاذبيته الثقافية والسياحية في آن واحد. وتدعو المتحدثة إلى إدراج مواقع الفسيفساء ضمن مسارات سياحية ثقافية متكاملة، بالتوازي مع دعم الترميم المتخصص، وتكوين الكفاءات العلمية والتقنية القادرة على صيانة هذا الإرث الثمين.

التثمين الاقتصادي كأفق استراتيجي واعد

من زاوية المجتمع المدني المهتم بالتراث، يؤكد العماري عبد الله، ممثل جمعية إدسافا بحمّام ڨرڨور السياحية، في تصريح حصري خص به “الأيام نيوز”، أن الفسيفساء الجزائرية تمثل واحدة من أبرز الشواهد الفنية والحضارية الموروثة عن الحقب القديمة. ويعتبر الناشط الجمعوي أن هذه القطع النادرة تمثل كنوزا ثقافية قادرة على التحوّل المباشر إلى رافد اقتصادي وسياحي قوي، في حال حظيت بالتثمين اللائق والتسيير الإداري الذكي.

ويوضح المتحدث أن الجزائر تزخر بتراث فسيفسائي استثنائي وتنوع فريد، يظهر جليا في مواقع تاريخية عريقة مثل جميلة، وتيمڤاد، وتيبازة. وتوثق هذه اللوحات الحجرية المتراصة بدقة متناهية تعاقب الحضارات الكبرى التي مرت على أرض الجزائر منذ قرون طويلة جدا. ويضيف العماري أن تثمين هذا التراث المادي يتطلب إنشاء فضاءات عرض متخصصة، وبناء متاحف محلية في مناطق التواجد الأثري. ويستوجب الأمر إدراج مواقع الفسيفساء ضمن المسارات السياحية والثقافية الكبرى، لجذب الزوار الأجانب والمحليين، ورفع الوعي العام بقيمتها الاستثنائية.

ويدعو الممثل الجمعوي إلى تشجيع الحرفيين والشباب المبدع على إحياء فن الفسيفساء العريق، عبر إنتاج أعمال فنية مستنسخة ومنتجات سياحية مصغرة مستوحاة من هذا التراث الأصيل. وتساهم هذه المبادرات الحرفية في خلق ديناميكية اقتصادية منتجة، وتنعش الحركة الثقافية المحلية في محيط المواقع الأثرية.

ربط التراث العريق بالتنمية المستدامة

في المحصلة، تعكس فعاليات أيام الفسيفساء بسطيف توجها استراتيجيا متناميا، يركز بشكل جوهري على إدماج التراث الوطني في صلب الديناميكية التنموية الشاملة للبلاد. ويتم ذلك من خلال ربطه العضوي بالصناعات الإبداعية الناشئة، وتكريس مفاهيم الاقتصاد الثقافي الحديث الذي يعتمد على الاستثمار الذكي في الموروث التاريخي بدلا من الاكتفاء بالتغني بأمجاده.

ويبرز هذا التوجه الواعد جليا من خلال طبيعة المواضيع الأكاديمية المطروحة للنقاش، والمقاربة المنهجية التي تجمع بسلاسة وفعالية بين البحث العلمي النظري والممارسة الميدانية العملية. وتشكل هذه التظاهرة الوطنية فضاء حيويا لتبادل الخبرات التقنية، ومناسبة هامة لتعزيز التنسيق المشترك والتشبيك بين المؤسسات الثقافية المعنية، والجامعات الجزائرية، ومراكز البحث العلمي.

ويدعم هذا التنسيق المؤسساتي بناء رؤية وطنية متكاملة وشاملة، تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الفسيفساء من شبح الاندثار، وتثمينها على أكمل وجه لتكون واجهة مشرقة للجزائر. وتتجه هذه الرؤية المستقبلية نحو اعتبار الفسيفساء عنصرا فاعلا وأساسيا في التنمية الثقافية والسياحية، مع تحويلها إلى أداة مستدامة لترقية المداخيل المحلية، بما يضمن الحفاظ على القيمة التاريخية والفنية للقطع الأثرية، ضمن تصور حضاري يربط عراقة الماضي بتطلعات الحاضر والمستقبل في مسار متواصل لا ينقطع.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"