الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

أين الكتب في الشواطئ الجزائرية؟.. رهانات المقروئية في الفضاء المفتوح

Author
هارون عمري 02 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تجسد القراءة في الشواطئ واحدة من أبرز الممارسات الحضارية التي واظبت فئات واسعة من المجتمع الجزائري على ممارستها خلال مواسم الاصطياف، حيث ارتبطت عطلة الصيف بتوفر الكتاب في الفضاءات المفتوحة عبر مبادرات نوعية أطلقتها المكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية والجمعيات الثقافية لتوفير الأكشاك الترويجية والمكتبات المتنقلة، غير أن الموسم الحالي شهد تراجعاً ملحوظاً في حضور هذه الفضاءات القريبة من المواطنين، ما فتح باب النقاش الواسع حول حدود مسؤولية المؤسسات الرسمية في تأطير هذه التظاهرات وتقسيم الأدوار مع منظمات المجتمع المدني، إلى جانب تساؤلات عميقة حول مدى تأثير انتشار الأجهزة الرقمية وتغير أنماط الترفيه في خلق هذا العزوف الشاطئي.

وفي هذا السياق المتعلق بضرورة إعادة تقييم واقع المطالعة العمومية خارج الأسوار التقليدية، تتشابك الرؤى بين ضرورة تكثيف المبادرات الميدانية وتطوير الفضاءات الشاطئية لتوفر البيئة الخدماتیة الهادئة، ففي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكدت الكاتبة ورئيسة جمعية مرافئ الفكر الأدبية الثقافية، كنزة شنوقي، أن هيمنة الشاشات على الحياة اليومية تستدعي البحث عن آليات جديدة لإعادة الكتاب إلى الفضاء العام، معتبرة أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تشجيع الناس على القراءة، إنما يتمثل في جعل الكتاب جزءاً من حياتهم اليومية.

ومن جانبه، أوضح الكاتب والناشط الثقافي، عباس عبد الرزاق لـ”الأيام نيوز” أن تراجع مبادرات القراءة الشاطئية في الجزائر يعكس قصوراً في دعم وتأطير المكتبات المتنقلة، رغم أهمية التكامل بين المؤسسات الثقافية ومختلف فعاليات المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة المطالعة خارج الفضاءات التقليدية.

وفي ذات الصدد، شدد المخرج ومنتج الأفلام الوثائقية خالد شنة، في حديثه إلى “الأيام نيوز”، على أن القراءة لا تعترف بالحدود الجغرافية، ولا ينبغي أن تبقى حبيسة المكتبات، حيث يجب أن ترافق الإنسان في مختلف الفضاءات، بما في ذلك الشواطئ ووسائل النقل والمقاهي والأماكن العامة، باعتبارها ممارسة يومية تعزز الوعي وتنمي الفكر.

غياب الأكشاك الترويجية وتراجع الأدوار التنسيقية

شهدت السنوات الماضية إطلاق تجارب ميدانية لتفعيل المكتبات المتنقلة والأكشاك الشاطئية، غير أن الموسم الحالي سجل انحساراً في هذه الأنشطة الميدانية الموجهة للمصطافين في العديد من الولايات الساحلية، ويرتبط هذا التراجع بتفاوت مستوى الدعم الموجه للمكتبات المتنقلة والجمعيات الناشطة، بالإضافة إلى تحوّل اهتمام العديد من البرامج الثقافية الصيفية نحو أنشطة أخرى متمركزة داخل دور الثقافة والمؤسسات المغلقة.

ويضع هذا الواقع قطاع الثقافة أمام مسؤولية إعادة تنظيم المبادرات الشاطئية بالتنسيق مع الجماعات المحلية والمجتمع المدني، لضمان استدامة التظاهرات وتوفير الإمكانات اللوجستية كالمظلات والأكشاك والكتب المتنوعة التي تناسب مختلف الفئات العمرية.

وأضاف الناشط الثقافي عباس عبد الرزاق أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بضعف المبادرات الرسمية، إذ إنه يتأثر أيضاً بانتشار الأجهزة الرقمية وتغير أنماط الترفيه لدى فئة الشباب، إلى جانب افتقار العديد من الشواطئ للبيئة الهادئة والتنظيم المناسب والخدمات التي تشجع على القراءة.

المكتبة المتنقلة.. آليات تقريب المعرفة من الفضاء العام

يمثل خروج الكتاب من الرفوف المغلقة نحو المساحات المفتوحة خطوة جوهرية لتجسيد العدالة الثقافية وتوفير المعرفة لجميع فئات المجتمع دون حواجز بيداغوجية أو جغرافية، وتؤدي القوافل المتنقلة دوراً كبيراً في تحويل الشريط الساحلي إلى مساحة تفاعلية تجمع بين الاستجمام واكتساب المعارف.

وتعمل المبادرات الميدانية الناجحة على تقديم الكتاب في قالب مشوق يتضمن ورشات حوارية وقراءات موجهة للأطفال والشباب لكسر النمطية التقليدية للمطالعة.

وأوضحت الكاتبة كنزة شنوقي أن فكرة قافلة المكتبة المتنقلة عبر الشواطئ انطلقت من قناعة بأن الكتاب يجب أن يغادر رفوف المكتبات ويتوجه إلى أماكن وجود الجمهور، لتحويل الشاطئ من فضاء للترفيه فقط إلى مساحة تجمع بين الاستجمام والمعرفة، وتمنح الأطفال والشباب والعائلات فرصة لاكتشاف متعة القراءة في بيئة مفتوحة.

وأضافت كنزة شنوقي أن المبادرة لا تقتصر على توفير الكتب، فتشمل أيضًا تنظيم ورشات وأنشطة ثقافية ولقاءات مفتوحة، بهدف ترسيخ عادة المطالعة، وتشجيع الحوار حول الكتاب، واكتشاف المواهب الشابة، وضمان وصول المعرفة إلى مختلف فئات المجتمع دون حواجز.

هيكل الشاشات والتحولات الرقمية في سلوكيات المصطاف

فرضت الثورة الرقمية وانتشار الهواتف الذكية واقعاً جديداً على سلوكيات الأفراد خلال أوقات الراحة والاصطياف، حيث تتجه الغالبية العظمى نحو استهلاك المحتويات البصرية السريعة ومتابعة المنصات الرقمية، وهو ما أثر بشكل مباشر على المساحة التي كانت تخصص سابقاً للمطالعة الورقية في الفضاءات الشاطئية.

ويتطلب هذا التغيير السلوكي دراسة أنماط التسلية الحديثة واستغلال الأدوات الوسائطية لتشجيع العودة إلى الكتاب المكتوب، من خلال تنظيم نشاطات تجمع بين ما هو رقمي وتفاعلي وما هو ورقي أصيل لشد انتباه القارئ المعاصر.

وأوضح المخرج خالد شنة أنه يلاحظ تراجعاً واضحاً في الإقبال على الكتاب، ليس في الشواطئ فقط، وإنما في مختلف الفضاءات، مقابل هيمنة الهواتف الذكية والشاشات على اهتمامات الأفراد، وهو ما يستدعي، حسبه، وقفة جادة لإعادة الاعتبار لثقافة القراءة.

وأشار شنة إلى أن القراءة أصبحت جزءاً من الأمن الثقافي للمجتمع، معتبراً أن حضور الكتاب في الفضاءات العمومية، ومنها الشواطئ، يمثل وسيلة لحماية الوعي وترسيخ المعرفة، والحد من الارتهان المفرط للهواتف الذكية وما قد يترتب عنه من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.

البيئة الشاطئية والتنظيم الخدماتي كشرط للمطالعة

تتطلب ممارسة طقس القراءة في الشواطئ توفر بيئة هادئة ومجهزة بظروف لوجستية تساعد على التركيز والاسترخاء، وتواجه العديد من الشواطئ الجزائرية تحديات تتصل بالتلوث الصوتي والازدحام وغياب التنظيم الخدماتي الذي يخصص مساحات هادئة للمطالعين أو محبي الهدوء.

ويرتبط إحياء المكتبات الشاطئية بالارتقاء بمستوى تسيير الشواطئ وتطوير الخدمات السياحية المقدمة، بحيث تتضمن المخططات الصيفية تخصيص زوايا ثقافية مجهزة بالأكشاك والمقاعد الهادئة التي تشجع العائلات على قضاء أوقات تجمع بين الترفيه والتعلم.

وأشار عباس عبد الرزاق في هذا السياق إلى أن إعادة إحياء ثقافة المطالعة على الشواطئ تستوجب اعتماد استراتيجية ثقافية متكاملة، تقوم على دعم المبادرات الميدانية وتطوير فضاءات الاصطياف، بما يجعلها بيئة حاضنة للكتاب ومحفزة على نشر الوعي والثقافة بين مختلف فئات المجتمع.

وأكدت كنزة شنوقي في المقابل أن التجارب الميدانية أثبتت أن القارئ موجود، لكنه يحتاج إلى مبادرات تقترب منه وتقدم الكتاب بطريقة جذابة، لافتة إلى أن كثيراً من الأطفال يبدأون علاقتهم بالقراءة بدافع الفضول، قبل أن تتحول إلى عادة راسخة.

 

الأمن الثقافي وبناء الاستراتيجيات المستدامة

يرتبط حضور الكتاب في الفضاء العمومي بمفهوم الأمن الثقافي الذي يسعى إلى حماية الفكر الوطني وبناء أجيال واعية قادرة على التفاعل الإيجابي مع المعارف الإنسانية، وتستدعي المرحلة الراهنة بناء شق عملي يجمع المؤسسات الحكومية والجمعيات المحلية، لصياغة برامج مستدامة تنشط طيلة أيام السنة ولا تتوقف بانتهاء فصل الصيف.

وتساعد هذه الشراكات التنظيمية على تذليل العقبات المالية واللوجستية، وضمان توزيع جغرافي عادل للمكتبات المتنقلة يغطي كافة الشواطئ الشمالية والولايات الداخلية عبر القوافل الموجهة للمناطق النائية.

وأضاف المخرج خالد شنة أن ترسيخ عادة المطالعة لا يقتصر على المبادرات الفردية، حيث يتطلب تكاملاً بين مختلف الفاعلين من خلال سياسات ثقافية ومجتمعية تسهّل الوصول إلى الكتاب وتشجع على اقتنائه وقراءته.

وختمت الكاتبة كنزة شنوقي تصريحها بالتأكيد أن طموحها يتمثل في تحويل المكتبة المتنقلة إلى مشروع ثقافي مستدام يجوب الشواطئ والفضاءات العمومية عبر مختلف ولايات الوطن، إيماناً بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، وأن الكتاب يظل أداة فاعلة في صناعة الوعي وتكوين الأجيال.

نحو استعادة القراءة كطقس حضاري في الفضاءات المفتوحة

تظل حماية العادات القرائية وتوسيع نطاقها في الفضاءات الشاطئية والعمومية رهيناً بمدى قدرة السياسات الثقافية على التكيف مع التغيرات المجتمعية والتقنية الراهنة، وتثبت كافة المعطيات الميدانية أن استعادة الكتاب لمكانته الطبيعية بين أيدي المصطافين تتطلب توفير البيئة المنظمة والدعم اللوجستي الكافي للمبادرات الشبابية والجمعوية.

وتشكل العودة الجادة لتجهيز الشواطئ بالأكشاك الترويجية وإطلاق قوافل المكتبات المتنقلة مدخلاً أساسياً لتحويل مواسم الاصطياف إلى محطات تجمع بين متعة الاستجمام وزيادة التحصيل المعرفي، ما يرسخ القراءة كممارسة يومية واعية تعزز حضور الكتاب في الحياة العامة وتصون الذاكرة الفكرية للمجتمع.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"