الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

إبحار في ذاكرة الماء


“أدب البحر” لونٌ أدبيٌّ لم يتحقّق لعناصر أخرى من الطبيعة فليس هناك “أدب الجبال” مثلا، وإن كان هناك أدب الصحراء بما فيها الجبال وخير ما يمثله الأدب العربي في العصر الجاهلي، وقصيدة “ابن خفاجة” الأندلسي في مناجاة الجبل.

ولعل سرَّ انفراد البحر بأدب يختصُّ به هو البيئة البحرية الثرية التي تغاير البيئة البرية مغايرة تامة، فليس ثمة في البحر غير الماء من كل جانب يقل مرتاديه وسالكي فجاجه فتجري عليه سفنهم، والسماء تظلهم ويهتدون بنجومها ليلا، ولا شك أنَّ للبحر جذورًا في الأدب العربي، وفي الثقافة الشعبية العربية، وقد ركبتُ البحر مرات عديدة وفي طرق مختلفة من ميناء نويبع بمصر إلى ميناء العقبة في الأردن في طريقي لأداء العمرة منذ ثلاثين عاما، ومن ميناء ضبا بالسعودية إلى ميناءي سفاجة والغردقة بمصر والعودة عدة مرات، لنقل الكتب التي كنتُ أقتنيها على مدى أربعة عشر عاما قضيتها في السعودية، ولا شك في وجود ذكريات جميلة سواء مع الأصدقاء في العمرة أو مع الزوجة والأبناء في الرحلات الأخرى، وهذه الذكريات لا تُنسى ما حييت، ولم يعكر صفو هذه الرحلات إلا طول الانتظار في الموانئ، أما الرحلات البحرية نفسها فكانت مريحة وجميلة وتبعثُ على التأمل خصوصًا عند الصعود على سطح الباخرة أو العبّارة البطيئة أو السريعة ليلا ومطالعة النجوم التي تزين السماء.

وقد ولدتُ ونشأتُ على شاطئ “ترعة العطف” المتفرّعة من بحر شبين المتفرع من فرع دمياط أحد فرعَي النيل العظيم شريان الحياة في مصر والذي قلتُ فيه بعنوان “شمس الأصيل والنيل”:

شمس الأصيل على الحقول تماوجت — أضواؤها فبدت كأسـلاك الذهب

ماذا يضاهي حسنها وبهاءهــا — سبحان من خلق الجمال ومن وهب

تهب الضياء مع الحيـاة لأرضنا — هذي الزهــــور تألقت، معها العنب

والروض ينضـح بالعبير يروقنا — والنخل تزهو باسقات بالرطب

وترى الزروع على جوانب شطه — في خضرة تسبي العيون فتنجذب

والفاتنات على الشطوط تمايست — أعطافهن، فرحن يبعثن الطــرب

والناي قد بث الكمان شجونــه — فتجاوبا حتى لعبن بكل لب

والنيل رقرق ماءه ريح الصبا — فتلاحقت أمواجه تســري بحب

ما أروع النيل الجميل!، فماؤه — عذب يروي بالسعادة من شرب

فيعود منجذبا لفضة مائه — خلعت عليه الشمس ثوبًا من قصب

أنا إن فُتنت بشطـه وبمائــه — عذري معي، فالحسن عقلي قد سلب

فلكم قضيت الليل وحدي سـاريا — متأملا بجماله عبر الحــقب

ومع الحبيب سريت فوق مياهـــه — وعلى شواطئه، فلبينا خلب

يا نيل دمت على الزمان لأرضنا — تسخو، فننعم بالجمال وبالأرب

فلأنت نبع من جنـان إلهنا — أرأيت نبعا من جنــان قد نضب

وقد ألهمني البحر منذ أربعين سنة قصيدة سميتها من “وحي البح” كتبتُها وأنا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في سيدي بشر بالإسكندرية، ونُشرت بجريدة المساء العدد الأسبوعي في 25 من مايو 1985م، ونشرت في ديواني الأول “هموم وأشجان: خواطر ومشاعر” عام 2004م، قلت فيها:

تتكسر الأمواج فوق متونـــــه — كتكسر الألماس فوق جبيـــــن

ومناظر حسناء قد خلعت على — وجه الدنا من روعة التكويــن

الله أبدعها وأحسن صنعهـــــا — والله أبدع آدما من طيـــــــــن

قد كان لي فيها ملاعب صبية — ومعاهد درست فلا تشجينــــي

فالأفق يحمل في ثنايا غيبـــــه — حللا من الآمال قد تكفينــــــي

فلطالما أبحرت خلف رحابـــه — أرنو إلى عذب المنى تروينــي

علقت آمالي به فتقطعـــــــــــت — ومضت مع الأمواج مثل ظنون

وبمثل لمح البرق يحجب ضوءه — عني فأخبط في ظلام فتـــــــون

فدنوت منه على حيـــــاء علني — أحظى بما لم تحتسبه ظنونــــي

فأهـــل لما أن رآني مقبـــــــلا — وتمايلت أغصانــــــه لتقينـــــي

من برد إعصار وحـر دويــــة — أصبحت في أمن وفي تحصين

فحمدت ربي أن حباني نعمــــة — فوق الذي أملت أن يعطينــــــي

ودعوته في أن تدوم كريمتــــي — عونا على دنياي بل في دينــــي

قلب كريم والخلال عظيمـــــــة — والحسن زاه والتقى يرضينــــي

فبأي لفظ بعد ذلك أبتغـــــــــــي — شكرا لربي خالقي ومعينـــــــي

أعيتني الألفاظ أن أحظى بهــــا — كم كانت الألفاظ طــــوع يميني

فسجدت شكرا للذي خلق اللغــى — واغرورقت عيني وفاض يقيني

ولي مقطوعة بعنوان “عروس البحر”، كتبتها عام 2011، قلتُ فيها:

عروس البحر تضحك في سرور — وموج البحر يخطر في حبور

وصخر تجلسين عليه يندى — لينبت فيه ورد جنب جوري

وتغبطك الحسان على جمال — كأنك من حسان بنات حـــور

فليتي كنتُ عند البحر أحظى — بقربك كي أمدك من شعوري

شعور أب وأستـــــــاذ وأخ — وعم ثم خــــــــال أو سمير

يشاركك المشاعر في وداد — ويحفظ عهدكم عبر الأثير

ولي مقطوعة أخرى بعنوان “البحر يضحك “كتبتها في أغسطس/ أوت عام 2015، قلت فيها:

البحر يضحك إذ وقفت بشطـــه — والموج يرقص يا جميل، يزغرد

جاء الجمـــــال إليه يخطب وده — فالموج يحضنـــــــــــه، له يتودد

وإذا عروس البحر تلك وصيفــة — لجماله الفتـــــــــــــان لا تتـــردد

يا حسنه الفتاك رفقــا بالفتــــى — قسمات وجهك في فتاك تعربــــد

ولي مقطوعة بالعامية المصرية القريبة من الفصحى بعنوان: “مناجاة البحر” أقول فيها:

يا بحر فيك العجب والمعجزات ألوان —

فيك المحار واللآلئ والسمك ألوان

منه الكبير والصغير وأليف ووحشي كمان

سبحانه من سخرك للإنس ويا الجان

وزودك بالخير والنفع للإنسان

فيك البواخر مواخر كالجبال صنوان

تحملنا ويا متاعنا من مكان لمكان

والملح في ميتك يحفظ لنا الحيوان

ع الأرض في دورة ثابتة من سحيق أزمان

لحد يوم القيامة، تنقلب لنيران

وحتى دي معجزة قلب المياه لنيران

يا ريتنا بك نتعظ من قبل فوت الأوان

نسمع كلام ربنا ويبقى الجميع إخوان

نبقى عباد للإله مش نعبد الشيطان

يرجع لنا مجدنا ونقاوم الطغيان

والبحر، بقدر ما أسعد أناسًا كثيرين، فإنه أيضًا كان سببًا في مآسي آخرين من الصَّيَّادين، أو المغامرين، أو الحالمين الذين أغوتهم الأمواج وخانتهم قلَّة معرفتهم بفنّ العوم.. كما يحدث على شواطئ البحار في مصر وغيرها من بلاد العالم المطلة على البحار، ممن يرومون الهجرة غير الشرعية من الشواطئ المصرية والليبية إلى إيطاليا، أو مَن يقبلون على السباحة رغم التحذيرات على الشواطئ من رجال الإنقاذ والشرطة البحرية أو النهرية، أو الذين أوقعهم حظهم العاثر في ركوب باخرة متهالكة كما في الباخرة المصرية التي غرقت منذ سنوات وهي قادمة من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، أو حتى في تيتانك التي تحدى صانعها أن تغرق فغرقت كما قدر الله لها، ولهذا فنحن نعتقد بأنه يجب تعريف أبناء المناطق البعيدة عن الشطآن بالبحر، وتعلميهم أسراره وأخطاره، إذا ما قدموا للاستمتاع بالبحر في المصايف.

وللكُتّاب والشعراء والروائيين دور مهم في هذه التوعية بما يكتبون عن البحر وأخطاره وأسراره في فصول السنة المختلفة، وما يكون فيه من نوات بحرية في أوقات معينة يعرفها مَن يسكنون على الشواطئ وفي الثغور البحرية.

وللبحر في الأدب العالمي قصص وحكايات وكذلك في الأدب العربي وسوف نستعرضها بقدر ما تسمح به المساحة المحددة للمقال وبما لا يضجر القارئ أو يدفعه للملل والسآمة، مع بيان رموزه ودلالاته وتجلياته في الشعر والنثر والفكر الإنساني عبر الثقافات.

فمنذ أن رفع الإنسان عينيه إلى الأفق ورأى زرقة البحر تمتد بلا نهاية، صار البحر مرآةً لروحه، وصدىً لعواصفه الداخلية، ومسرحًا لأسئلته الكبرى، وفي الأدب العالمي، لم يكن البحر مجرّد خلفية طبيعية، بل رمزًا شاملًا للوجود، ومصدرًا للإلهام والخوف، وللفرح والحزن، وللحياة والموت معًا.

البحر بوصفه مهد الحياة ومصدر الإلهام

في الأساطير الأولى، كان البحر أصل الخليقة، ومنه نشأت الآلهة والكائنات، ففي الميثولوجيا اليونانية خرجت “أفروديت” من زبده، وولد “بوسيدون” سيد الأعماق من رحم الفوضى المائية، وهذه النظرة البدائية جعلت البحر رمزًا للخصب والخلق، وللقوة الخفية التي تحرك الكون، ومن هنا، غدا البحر في الأدب الغربي – كما في الشرقي – تمثيلًا للطاقة الكونية التي لا تُقاوَم.

البحر في الشعر الغربي

تناوله الشعراء من زوايا متباينة؛ فقد تغنّى به الرومانسيون بوصفه رمز الحرية والانطلاق، كما عند بايرون ووردزورث وشيللي الذين رأوا فيه خلاصًا من قيود الحضارة وفساد المدن. كتب شيللي في قصيدته إلى البحر:

“أيها البحر العظيم، أنتَ المرآة التي لا تشيخ

نرى فيك وجوهنا العارية من الزيف

ونسمع في أمواجك لحن الأبد”

أما في الشعر الفرنسي، فقد رآه “بودلير” مرآةً للنفس البشرية في “أزهار الشر”، حين قال:

“أيها البحر، يا مرآة قلقة،

يا قلبي، كم تشبهني!”

وفي الأدب الأمريكي، بلغ البحر ذروته الرمزية عند “هربرت ميلفيل” في روايته “موبي ديك”، حيث صار البحر رمزًا للغموض الإلهي الذي يواجهه الإنسان بلا يقين، والبحث عن الحقيقة في مواجهة القدر.

البحر في الأدب الروسي والاسكندنافي

في الأدب الروسي، كان البحر غالبًا فضاءً للعزلة والتأمل، كما عند بوشكين الذي وجد في أمواجه صفاء الحرية المفقودة، وتشيخوف الذي جعله خلفية حزينة لأحلام شخصياته المجهضة.

أما في الأدب الاسكندنافي، فقد ارتبط البحر بالقدر القاسي وبالبطولة، في ملاحم الفايكنغ التي جعلت من الإبحار رمزًا للحياة والمغامرة والموت الشجاع.

البحر في الأدب الشرقي والعالمي الحديث

في اليابان، جسّد البحر روح التأمل والسكينة في شعر الهايكو، إذ تختصر أمواجه فلسفة الزوال الدائم والتجدّد المستمر، أما في الأدب اللاتيني الحديث، فصار البحر عند بابلو نيرودا “الكتاب المفتوح للكون”، يقول:

البحر يكتب رسائله إلى السماء

بحروفٍ من رغوةٍ وضوء

البحر كرمز فلسفي وإنساني

عبر العصور، ظل البحر مرآةً للإنسان في بحثه عن المعنى، في موجاته يرى الفلاسفة صورة الصراع بين النظام والفوضى، بين العقل والعاطفة، فالبحر لا يُدرَك كله، لأنه – كالحياة – يمنح ويأخذ، يغري ويهدد، يحتضن ويبتلع، وهكذا صار في الأدب العالمي رمزًا للقدر، وللسفر الداخلي في أعماق الذات.

ويبقى البحر، في كل ثقافة، كائنًا حيًّا من الشعر واللغة، إنه صوت الأرض حين تتكلم بالماء، وصوت الإنسان حين ينصتُ إلى ما وراء الكلام، من هوميروس إلى نيرودا، ومن المتنبي إلى درويش، ظل البحر فضاءً أبديًّا للدهشة، ومدرسةً للحرية، ومجازًا خالدًا للوجود الإنساني الذي لا يكفّ عن الإبحار.

البحر في الأدب الجاهلي موضوع غني بالدلالات والرؤى، إذ مثّل هذا العنصر الطبيعيّ الجبّار، في وعي العربيّ القديم، رمزًا للقوة والمجهول والخطر، كما شكّل في الوقت نفسه مصدر دهشة وإلهام وقلق، لأنه يقف على تخوم الصحراء التي كانت وطنه ومجاله الحيويّ.

البحر في الأدب الجاهلي: من رهبة المجهول إلى رمزية الوجود

لم يكن البحر في الأدب الجاهلي مجرّد مظهر طبيعيّ يُرى من بعيد، بل كان أفقًا أسطوريًّا غامضًا، يحمل في أعماقه سرًّا مهيبًا يخيف الصحراء ويغريها في آنٍ واحد، فالعربيّ الجاهلي، ابن الرمال والقيظ، لم يعرف البحر إلا بوصفه نهاية العالم، وسديمًا من الماء لا يُرى له حدّ، ولذلك ورد ذكره في شعرهم قليلًا، لكنه حين يحضر، يأتي محمّلًا بالرموز والدلالات العميقة.

1. البحر بين الخوف والانبهار

كان البحر في المخيال الجاهلي مرادفًا للتّيه والخطر، لأنه غامض لا يُدرك عمقه ولا تُؤمن غوائله، يقول امرؤ القيس وهو يصف عظمة قوة فرسه وسرعته: “كجلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ”.

هنا يشبّه السيل بالماء المتدفّق المماثل لحركة البحر، فيحضر البحر كرمزٍ للاندفاع والقوة، كذلك نجد في شعر الشنفرى صورة البحر باعتباره امتدادًا للخطر:

وأطوِي على الخوفِ قلبًا جلودًا — كأنّي على البحرِ أُجري القُلوعا

في البيت الأخير يحضر البحر بوصفه ساحة مواجهة، كأنَّ الشاعر نفسه ملاحٌ يقاوم الموج، في استعارة تكشف عن روح التحدي.

2. حضور البحر في لغة التشبيه والاستعارة

استخدم الشعراء الجاهليون البحر في تشبيهاتهم النادرة كمعيار للاتساع والعظمة، فقد شبّهوا الكرم ببحر لا ينضب، والحلم ببحر هادئ، والحرب ببحر متلاطم الأمواج. يقول زهير بن أبي سلمى:

يُفيضُ عليكَ البحرُ من جودِ كفِّهِ — كأنّكَ من بحرٍ تجودُ جـــــــداولُهُ

فالبحر هنا يتحوّل من رمز للخطر إلى رمز للعطاء، في دلالة على تدرّج الوعي الجماليّ في تصويره.

3. البحر كرمز للمجهول والمصير

أمام امتداد البحر، يشعر الشاعر الجاهلي بعجز الإنسان أمام القدر، وكأنّ الموج مرآةٌ للزمن، فالقصيدة الجاهلية في جوهرها بحثٌ عن المصير، والبحر عند أطراف الصحراء هو رمزٌ لذلك المجهول الذي لا يُطال، وقد يكون البحر في هذا السياق قرينَ الموت، لأنّه طريق إلى الغياب، إلى العالم الآخر الذي لا يُرى.

4. البحر في مقابل الصحراء

العلاقة بين البحر والصحراء في الأدب الجاهلي علاقةُ تضادٍّ وجذبٍ معًا، فالصحراء وطن الشاعر، عالم الجفاف واليقين، والبحر عالم الرطوبة والغموض، هذا التضادّ جعل البحر رمزًا للتجاوز والانفتاح، فحين يقول الشاعر:

إذا الريحُ هبّت من رِياحِ ابنِ مُجدِمٍ — عَرَفتُ بها ريحَ البحرِ والماءِ الزُّلالا

فإنه لا يقصد البحر الحسيَّ بقدر ما يقصد رمز الانطلاق والحنين إلى ما وراء الأفق.

5. أثر البحر في التشكيل اللغوي والخيال الجاهلي

قلّة رؤية البحر جعلت صوره عند الجاهليين نابعة من التأمل والتخييل أكثر من المشاهدة، فالصور البحرية في الشعر الجاهلي لا تأتي بدقّة حسية، بل بطابع أسطوريّ أو استعاريّ، ولذلك فإنَّ البحر في الشعر الجاهلي هو بحر نفسيّ، مرآة للعواصف الداخلية أكثر منه مشهدًا طبيعيًا.

يمكن القول إنّ البحر في الأدب الجاهلي لم يكن عنصرًا طبيعياً مألوفًا كالصحراء والناقة والطلل، لكنه مثّل حدًّا رمزيًّا بين الحياة والمجهول، وبين الوطن والمنفى، وبين الأمان والمغامرة، لقد وقف العربي القديم أمام البحر كما يقف أمام قدره: مأخوذًا بجلاله، متوجّسًا من عمقه، مؤمنًا بأنه يحمل سرًّا يتجاوز حدود الإنسان.

وهكذا ظلّ البحر في الأدب الجاهلي صوتَ المهابة والدهشة، ومرآةً للبحث عن اللامحدود، ومفتاحًا رمزيًّا لفهم الإنسان العربيّ في بدايات وعيه بالعالم والوجود.

البحر في الأدب العربي بعد الإسلام: من رهبة الطبيعة إلى رمز الوجود والحرية

لم يكن البحر في الأدب العربي مجرّد عنصرٍ طبيعي أو مشهدٍ مائي، بل تحوّل، مع العصور، إلى مرآةٍ لتقلّبات الإنسان العربيّ نفسه: من الخوف إلى التأمل، ومن الهرب إلى الاكتشاف، ومن المجهول إلى الحرية. وإذا كان البحر في الجاهلية حدًّا غامضًا للصحراء، فإنه بعد الإسلام صار بابًا مفتوحًا على العالم والروح والقدر.

1. البحر في صدر الإسلام والعصر الأموي: بين الدعوة والعبرة

مع إشراق الإسلام تغيّر الوعي بالكون، وصار البحر مظهرًا من مظاهر قدرة الله. فالقرآن الكريم أكثر من ذكر البحر في مواضع التأمل والعبرة: “وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل: 14).

هذا الخطاب الجديد جعل الشعراء المسلمين ينظرون إلى البحر بعين الإيمان والتسليم، لا بعين الخوف القديم، فصار البحر آيةً في ملكوت الله، وعبرةً على قدرة الخالق، ويُروى أنَّ حسان بن ثابت وأضرابه من شعراء الإسلام، كانوا يرون في البحر دليلًا على عظمة الخلق وتنوّع النِّعم، لا على الغموض والموت.

أما في العصر الأموي، فمع اتساع الفتوحات ووصول العرب إلى السواحل، بدأ البحر يدخل في الشعر بوصفه طريقًا للغزو والسفر والتجارة، فقد ذكره الفرزدق وجرير في سياق الفخر بالأساطيل العربية التي بلغت قبرص وسواحل الروم.

2. البحر في العصر العباسي: من المادية إلى الرمزية

في العصر العباسي، حيث تفتّحت المدن على الحضارة والعلم والفلسفة، تغيّرت نظرة الأدباء إلى البحر، فقد صار رمزًا للعلم والمعرفة والدهشة الكونية، يقول أبو تمام:

كالبحرِ يقذفُ للقاصي جواهرَهُ — ويستفيءُ بنو الدنيا على طَرَفِ

فالشاعر هنا يرى البحر مرآةً للعطاء والكرم الفكري، كما يرى نفسه بحرًا من المعاني. أما المتنبي فيقول مادحا سيف الدولة:

كالبحر يقذف للقريب جواهرا — جودا، وبعث للبعيد سحائبـــه

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية:

أنا البحرُ في أحشــائِهِ الدُّرُّ كامــــنٌ — فهل ساءلوا الغوّاصَ عن صدفاتي؟

هذا البيت يكاد يكون أعظم تمثيل رمزي للذات العربية المثقفة؛ البحر هنا ليس ماديًّا بل هو الذات المبدعة، المليئة بالدّرّ الخفيّ، أي بالمعنى والشعر.

لقد تحوّل البحر في التجربة الصوفية إلى رمزٍ روحيّ شامل: الغوصُ فيه هو غوصٌ في الذات الإلهية، والموجُ هو اضطراب النفس في طريق المعرفة.

وفي المشرق، ظلّ البحر يظهر في رسائل الأدباء ورحلاتهم، مثل ابن بطوطة والمسعودي والجاحظ، بوصفه ميدانًا للتأمل في الكون، وللتعبير عن تنوّع الخلق، وعن المغامرة في طلب العلم.

5. البحر في الأدب العربي الحديث: من الرمز الطبيعي إلى الوجودي

مع النهضة الحديثة، واحتكاك الأدب العربي بالآداب الأوروبية، اكتسب البحر دلالات جديدة، ففي شعر إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران أصبح البحر رمزًا للحرية والبحث عن الذات.

وفي شعر بدر شاكر السياب، تجسّد البحر في ديوان “أنشودة المطر” كرمزٍ مزدوجٍ للحياة والموت، للخصب والفناء

ثم تطوّرت الصورة في شعر نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش، ليصبح البحر وطنًا للذاكرة، وفضاءً للحنين إلى الحرية والأنوثة والوطن المفقود.

هكذا نرى أنّ البحر في مسيرة الأدب العربي تحوّل من مشهدٍ خارجي إلى رمزٍ داخلي. في الجاهلية كان حدًّا مهيبًا، وفي الإسلام صار آيةً من آيات الله، وفي الفترة العباسية صار فضاءً للعقل، وفي الصوفية طريقًا إلى الله، وفي العصر الحديث أصبح مرآة للحرية والوجود والحنين.

إنَّ البحر في الأدب العربي ليس ماءً فقط، بل تاريخ من التأملات في الإنسان نفسه، كل موجةٍ فيه تُعيد صياغة العلاقة بين الشاعر والعالم، بين الروح والمصير، وبين الحلم والحدود. وما يزال البحر، حتى اليوم، رمزًا خالدًا لدهشة الإنسان العربي أمام اللامحدود.

الماء في القرآن الكريم والشعر الأندلسي

الماء عصب الحياة، بل هو الحياة، وصدق الله العظيم خالق الحيـاة، إذ يقول: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء، الآية: 30).

ولقد وردت كلمة الماء في القرآن الكريم (59) تسعاً وخمسين مرة، في تسع وخمسين آية كريمة، بصيغة المفرد؛ المعرفة أو النكرة، وذلك في سياقات عديدة، ومن هذه السياقات ما يصور الأمور الغيبية المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، وبدء الخلق، مثل قوله تعالى: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ”، (هود، الآية: 7)، وفي هذا السياق ذاته ترد أعظم آية في الدلالة على عظيم قدرة الله، وأهمية الماء؛ فمنه خلق الله كل شيء حي، يقول تعالى: ” وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ” (الأنبياء: 30)، وقوله سبحانه وتعالى مصورا خلق كل ما يدب على الأرض من الماء: “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ” (النور: 45).

وفي سياق الخلق أيضا، يرد قوله تعالى عن خلق الإنسان: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا” (الفرقان: 54)، وقوله تعالى: “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” (المرسلات: 20).

كما وردت كلمة الماء في القرآن الكريم في سياق الحديث عن نِعم الله على الإنسان، وبيان وظيفة الماء في الحياة مثل تطهّر الإنسان به في قوله تعالى: “وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ” (الأنفال: 11)، أو إحياء الأرض بعد موتها، في قوله تعالى: “وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” (البقرة: 164)، وقوله تعالى في هذا السياق أيضا: “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ” (الأنعام: 99).

كما وردت كلمة الماء في القرآن الكريم في سياق الدلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى في تشقق الصخور وخروج الماء ونبعه منها، يقول سبحانه مقارنا بين الصخور من جهة وقلوب بني إسرائيل القاسية من جهة أخرى، والتي هي كالحجارة أو أشد قسوة، لأن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، “وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ” (البقرة: 74).

ويذكر القرآن الكريم كذلك الماء الجوفي، يقول الله تعالى: “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ” (المؤمنون: 18)، ويقول سبحانه وتعالى في السياق نفسه، بأسلوب الاستفهام الذي يلفت النظر وينبه المسؤول إلى بديع قدرة الله في إنزال الماء من السماء، وكيف يسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  (الزمر: 21).

وقد ورد الماء في القرآن الكريم بوصفه جندا من جنود الله في إهلاك الكافرين، فكما أنه نعمة كبرى من الله، فإنه قد يكون نقمة، فقد أغرق الله به فرعون حين أمعن في الطغيان وادّعى الألوهية، كما نجّى موسى عليه السلام حين ضرب له ولأتباعه طريقا في البحر يبساً، وكذلك نجّى به نوحا عليه السلام والذين آمنوا معه، وأغرق الكافرين، يقول تعالى في تصوير قصة نوح عليه السلام، وما دار بينه وبين ابنه الكافر من حوار: “قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ” (هود: 43).

ويرد الماء في القرآن الكريم في سياق ضرب المثل، فقد ضرب الله به مثلا للحياة الدنيا، فقال سبحانه: “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا” (الكهف: 45).

كما ورد في القرآن الكريم ذكر ماء الآبار في قوله تعالى في سياق قصة موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب عليه السلام: “وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ” (القصص: 23).

كما ورد الماء في القرآن الكريم في سياق الحديث عن الآخرة، وما أعدّه الله فيها من النعيم لعباده الطائعين، قال تعالى في وصف الجنة: “مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ”(محمد: 15).

ثم يقارن الحق تبارك وتعالى بين حال هؤلاء المتقين، وحال الخالدين في النار من الكافرين في الآية نفسها فيقول: ” كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ”(محمد: 15)

ويصف الحق تبارك وتعالى حال الكافرين حين يستغيثون في جهنم وكيف يغاثون بماء كالمهل يشوي وجوههم فيقول: “وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” (الكهف: 29).

وقد وردت كلمة الماء مضافة إلى الأرض في قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام، مبيّناً ائتمار السماء والأرض بأمره سبحانه: “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (هود: 44). وفي قـوله تعالى عن الأرض أيضاَ: “أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا” (النازعات: 31).

وفي سياق من الله على عباده، وتذكيرهم بنعمه عليهم يقول سبحانه: “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ” (الملك: 30). وقوله تعالى على لسان المؤمن وهو يجادل الكافر الجاحد لنعم الله تعالى عليه، والمزدري لأخيه الطائع لله، والمفاخر بجنتيه المحفوفتين بالنخل، وما بينهما من ثمر، يقول سبحانه: “أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا” (الكهف: 41).

ويمُنُّ الله على عباده بأنَّ إنزال الماء إنما يكون بسبب طاعتهم له واستقامتهم على طريقه فيقول: “وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا” (الجن: 16).

وهذا غيض من فيض حديث القرآن الكريم عن الماء، مما يدل على أهميته البالغة في استمرار الحياة على سطح الأرض.

أما أوعية الماء الكبرى على هذه الأرض، فإنها تنقسم على ثلاثة أقسام؛ هي الأنهار “عذبة الماء”، والبحار والمحيطات “مالحة الماء”.

وقد لاحظنا أنَّ المحيطات لم ترد كأوعية للماء في القرآن الكريم، وإنما وردت بمعنى الإحاطة والاستيعاب والسعة؛ بحيث تحيط بالشيء من جميع جوانبه، حيث وردت كلمة محيط في القرآن الكريم (9) تسع مرات، منها قوله تعالى: “وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ” (البقرة: 19)، وقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ” (آل عمران: 120)، وقوله سبحانه: “وكان الله بكل شيء محيطاَ “(النساء 126)، وقوله تعالى عن سعة جهنم وإحاطتها بالكافرين: “يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ” (العنكبوت: 54).

أما الأنهار؛ فقد وردت كلمة نهر في القرآن الكريم مفردة ثلاث مرات؛ اثنتان منها في الدنيا، في سياق الاختبار والابتلاء، وهما قوله تعالى على لسان طالوت: “قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ…” (البقرة: 249)، وقوله تعالى في قصة صاحب الجنتين: “وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا” (الكهف: 33). كما وردت مرة واحدة، في الحديث عن ثواب المتقين في الآخرة، في قوله تعالى: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ” (القمر: 54).

أما كلمة الأنهار بصيغة الجمع فقد وردت في القرآن الكريم 47 مرة؛ منها 7 مرات في أثناء الحديث عن الدنيا، و40 مرة في سياق الحديث عن الآخرة وثواب المتقين. كما وردت كلمة “أنهارًا” جمعًا منكرة 4 مرات؛ كلها في سياق الحديث عن الدنيا.

أما البحر فقد ورد في القرآن الكريم 33 مرة؛ كلها في سياق الحديث عن الدنيا. وورد بلفظ المثنى “البحران” مرة واحدة في الحديث عن الدنيا، وورد بلفظ المثنى “البحرين” 4 مرات، في الحديث عن الدنيا أيضا.

كما ورد مجموعًا على “أبحر”َ مرة واحدة في سياق التذكير بنعم الله في الدنيا، وأنها لا تحصى وذلك في قوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (لقمان: 27).

أما “البحار”، فقد وردت مرتين في سياق الحديث عن قيام الساعة في قوله تعالى: “وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ” (التكوير: 6)، وقوله تعالى: “وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ” (الانفطار: 3).

ولعلنا لاحظنا أنَّ البحر لم يرد في سياق الحديث عن الآخرة مطلقًا، إلا أن البحار وردت مرتين في سياق الحديث عن قيام الساعة، وأما الأنهار فإنَّ معظم ورودها في القرآن، جاء في سياق الحديث عن الآخرة، وما أعدّ الله فيها من الثواب للمتقين، وقلّ ورودها في سياق الحديث عن الحياة الدنيا، ولعل هذا يلفتنا إلى ما في الدنيا من شقاء وعناء ومرارة تشبه مرارة ماء البحر، الذي لا يروي ظمأ ولا يبلّ أوامًا، فمهما تضلع الإنسان من الدنيا فإنه لا يرتوي منها، كما لا يرتوي من يشرب من ماء البحر مهما عبّ منه، أما الآخرة فإن فيها الري من أنهار الماء “غير آسن” واللبن “لم يتغير طعمه” والخمر “لذة للشاربين” والعسل “مصفى”.

نسأل الله أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يسقينا من أنهار الجنة جميعها عموما، ومن نهر الكوثر خصوصًا، من يد نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا، وما ذلك على الله بعزيز، “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ” (سورة الكوثر).

وإذا انتقلنا من الحديث عن الماء في القرآن الكريم، إلى الحديث عنه في الشعر العربي، فإننا نجد أنَّ كلمة الماء وردت في الشعر العربي 4298 مرة، عند 708 شاعرا.

أما في الشعر الأندلسي، وهو مناط بحثنا ومجال اختصاصنا، فإنَّ كلمة الماء قد وردت فيه 370 مرة، عند سبعة وخمسين شاعرا.

وسوف نكتفي بالحديث عن الماء عند شاعر أندلسي واحد، وهو من أشهر شعراء الأندلس، بل هو أشهرهم على الإطلاق، وقلّ مَن لا يعرفه، إنه “بحتري الأندلس”، الوزير العاشق ـ كما لقبه الشاعر الأستاذ فاروق جويدة في مسرحيته ـ وكما اشتهر في التاريخ الأدبي، بحبه لـ “ولادة بنت المستكفي”، التي قال فيها نونيّته الشهيرة، التي مطلعها:

أضحى التنائي بديلا من تدانينا — وناب عن طيب لقيانا تجافينـــا

  وقد تكررت كلمة الماء في شعر “ابن زيدون” سبع مرات، سوف نعرض لها مبيّنين دلالاتها المختلفة.

1 – يشبّه جسم محبوبته في الصفاء والرقة بالماء، وما ظهر في وجهة من بثور بالحباب الذي يعلو سطح الماء، فيقول:

جسمه في الصفاء والرِّقة الماء — فلا غــــــــرو أنَّ عـــــلاه حُباب

وهذا من باب حسن التعليل.

2 – كما يصوّر عدم صبره على فراق “ولادة”، وكيف أنه يشبه عدم صبره لدى العطش على الماء القراح، فيقول:

إليك من الأنام غـــــــداً ارتياحي — وأنت على الزمان مدى اقتراحي

وما اعترضت همــوم النفس إلا — ومن ذكراك ريحاني وراحــــي

فديتك إنَّ صبري عنك صبـــري — لدى عطشي على الماء القراح

ولي أمل لو الواشون كفـــوا — لأطلع غرسُه ثمر النجــــــاح

وأعجب كيف يغلبني عــــــدوٌ — رضاكِ عليه من أمضى سلاح

3 – يصوّر “ابن زيدون” محبوبته “ولادة” بالبحر اللجي الذي لا ساحل له، ولا يستطيع أحد أن يخوض في ساحله، فضلاً عن أن يخوض في لجته، فقد غرّه عهدها وهو السراب الذي يتراءى، والبرق الوامض لا يقدر أحد على إمساكه، وقد ظن بها الوفاء، ولكن ظنونه كانت كاذبة تجيب على من يفترض صحتها بأن “ولادة” تشبه الماء، بل هي الماء بعينه، يأبى على قابضه ولا يمكن أن يمنح زبدته من يمخضه، يقول “ابن زيدون”:

وشمرت للخوص في لجـــة — هي البحر ساحلها لم يُخَض

وعزك من عهــــــــد ولادة — سراب تراءى وبرقِ ومض

تظن الوفاء بها والظنــــون — فيها تقول على مَن فَــــرَض

هي الماء يأبى على قابضٍ — ويمنع زبدته مَن مَخَض

هذا في مجال الغزال والهجر والتمنّع من المحبوبة.

4 – أما في إطار المدح والاستعطاف فإنه يشبه ممدوحه “ابن جهور” في شهامة نفسه مع سلامة مذهبه بالماء الممزوج بالخمر، فيقول:

شهامة نفس في سلامة مذهب — كما الماء للراح الشمول قطاب

5 – كما يصوّر ما حدث من جفوة بينه وبين ابن جهور بالماء الذي علته كدرة أو الضباب الذي يغطي ضوء النهار، فيقول:

فقد تتغشى صفحة الماء كدرة — ويغطو على ضوء النهار ضباب

6 – ويصور ممدوحه وما يبذله من جهد في سبيل الارتقاء بحضرة قرطبة، حتى غاب عنها صرف الدهر من خشيته، ونام القط فلم يثر فيها وكأنها غدت حرمًا آمنًا، وأنَّ نازلها يتمتع بالربيع الطلق ويلهيه فيها ندى البُكر عن طيب آصالها، فهي جميلة بُكرة وأصيلاً، لأنَّ ممدوحة “ابن جهور” لا يزال يبث النبت في جَلدٍ منذ ساسها، ويفيض الماء من حجر، وكأن يريد أن يقول إنه يصنع المعجزات للارتقاء بها، فيقول:

كم اشتري بِكَرى عينيه من سهر — هدوء عين الهدى في ذلك السهـر

في حضرة غاب صرف الدهر خشيت — عنها ونام القطا فيهـا فلم يثر

ممتع بالربيـع الطلــــق نازلهـا — يلهيه عن طيب آمال نــــدى بُكـــــــرِ

7- وفي مجال السفارة بين الأمراء نراه يصور العهد بين زعمين من زعماء ملوك الطوائف، هما “باديس” ملك غرناطة و”ابن عباد” ملك إشبيلية، وكيف أنهما في الموالاة والتّصافي كالماء القراح حين يمزج بالخمر، حتى يقطع دابر الوشاية بينهما، فيقول:

فداء لباديس النفوس وجاده — من الشكر في أفق الوفاء غمام

فما لحقت تلك العهود ملامة — ولا ذُمَّ من ذاك الحفاظ ذمام

ومثلك والى مثله فتصافيـــا — كما صافت الماء القراح مدام

كانت رحلة ممتعة مع البحر والماء، وعسى أن يجد القارئ فيها ما وجد الكاتب من متعة وفائدة تستحق عناء الكتابة والقراءة، والله من وراء القصد، وهو المستعان.

Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
↑