الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

إذا انسحبت واشنطن من الناتو.. أي مستقبل لتحالف اليتامى !

Author
الأيام نيوز 05 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – باتفاق، بل بتحريض من رئيس سلطة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو – حربا غير محسوبة العواقب ضد إيران، دون التشاور مع حلفائه الأوروبيين، ثم عاد لاحقا ليطلب المساعدة عبر حلف شمال الأطلسي، فقوبل طلبه بالرفض، إذ قيل له: “هذه ليست حربنا”. فهل يمكن أن يتخلّى ترامب في المستقبل، بعد انتهاء الحرب ضد إيران، عن دعم أوكرانيا بدافع الانتقام؟ وإذا طلب الأوروبيون حينها المساعدة من واشنطن، فهل سيرد عليهم بالمثل قائلا: “هذه ليست حربنا”؟

ويبرز هذا السؤال حجم التحدّي الذي يواجه حلف شمال الأطلسي، إذ لم تعد العضوية في الحلف تضمن تلقائيا حماية أمريكية بلا شروط، بل أصبحت مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، وربما بضرورة تقبل الإهانات كما حدث مع الرئيس الفرنسي. فالانسحاب الجزئي أو التردد الأمريكي، كما ألمح إليه ترامب مرارا، يكشف هشاشة الاعتماد على “المظلة الأمريكية” التقليدية، ويضع الأوروبيين أمام خيار صعب: إما الاستمرار في الاعتماد على دعم قد يتقلب بحسب الأهواء السياسية للرئيس الأمريكي، أو العمل عاجلا على تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية لضمان أمنهم ومصالحهم الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، تصبح مسألة استقلالية أوروبا العسكرية ليست خيارا رفاهيا، بل ضرورة حتمية، تشمل بناء تحالفات أوروبية مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات، حتى وإن كانت بعضها افتراضيا أو مبالغا فيه، دون الاعتماد الكامل على أي قوة خارجية. ويعكس هذا التحول الذي يفرضه الواقع الجديد عمق التغيرات في بنية الأمن الأوروبي، ويعيد طرح السؤال المحوري: هل يستطيع حلف الناتو أن يحافظ على قوته ونفوذه إذا فقد الدعم الأمريكي الثابت؟

رضا سعد

يرى رضا سعد، المحلل السياسي ومدير مركز جنيف للدراسات السياسية بسويسرا، أن العالم يشهد تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار في الولايات المتحدة. وأوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن إدارة ترامب تنتهج مقاربة مغايرة في التعامل مع الخارج، سواء مع الحلفاء كدول الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا والدول النفطية، أو مع الخصوم التقليديين، حيث باتت العلاقات تُدار وفق منطق الربح والخسارة، استنادا إلى موازين تجارية واقتصادية، في إطار شعار “أمريكا أولا” ونهج فرض السلام بالقوة.

وأضاف أن ترامب يتعامل مع الدول بعقلية رجل أعمال يدير شركة كبرى، أكثر من كونه رئيس دولة لطالما تبنّت خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما دفع حتى الحلفاء إلى التشكيك في الخطاب الأمريكي، وأدى إلى تراجع منسوب الثقة مع عدد من الدول، من بينها كندا والدنمارك، على خلفية ملفات مثل غرينلاند، إلى جانب قضايا أخرى كجزيرة دييغو غارسيا والعلاقات مع بريطانيا، فضلا عن الطرح المثير للجدل بشأن غزة.

وأشار المتحدث إلى أن أسلوب ترامب في التعاطي مع قادة الدول يتسم بنبرة فوقية وفرض الإملاءات، ترافقها أحيانا تعليقات ذات طابع شخصي، كما حدث مع عدد من القادة، من بينهم الرئيسان الفرنسي والأوكراني، إضافة إلى مسؤولين في دول أخرى.

وفي ما يتعلق بالملف الأوكراني، أكد سعد أنه بات خاضعا لهذه المقاربة، حيث يسعى ترامب إلى إبرام اتفاقيات اقتصادية، لا سيما في قطاع المعادن، مقابل تقليص الدعم الأمريكي لكييف، مع تحميل الدول الأوروبية العبء الأكبر من التكاليف العسكرية والمالية، معتبرا أن ترامب ينظر إلى الحرب على أنها امتداد لسياسات سلفه جو بايدن وليست حربه الخاصة.

وتابع أن هذه السياسة قد تنعكس أيضا على طبيعة العلاقة مع أوروبا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ لا يُتوقع أن ينسحب ترامب من الحلف، بل قد يعمل على إعادة صياغة دوره بما يخدم مصالحه الاقتصادية، عبر الضغط على الدول الأعضاء لرفع مساهماتها وتحمل نصيب أكبر من تكاليف الدفاع.

وختم سعد تصريحه بالإشارة إلى أن أوروبا، رغم اعتمادها الحالي على المظلة الأمنية الأمريكية، قد تجد نفسها مضطرة لتسريع خطوات تحقيق استقلالية عسكرية وأمنية، من خلال تعزيز قدراتها الذاتية، وربما التوجه مستقبلا نحو إنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة، قادرة على حماية دول الاتحاد بعيدا عن الضغوط والتقلبات السياسية في واشنطن.

في سياق متصل، صعّد الرئيس ترامب من لهجته تجاه حلف شمال الأطلسي، حيث هاجم الحلف علنا في مقابلة مع صحيفة “تلغراف” البريطانية، واصفا إياه بأنه “نمر من ورق”، ومشيرا إلى أن مسألة انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع أصبحت “غير قابلة للتراجع”.

وجاءت هذه التصريحات على خلفية رفض عدد من دول الناتو الاستجابة لطلب واشنطن إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، في خطوة اعتُبرت مؤشرا على تراجع الثقة بين الطرفين، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية.

ومنذ بداية العدوان الأمريكي-الصهيوني ضد إيران، وجّه ترامب انتقادات حادة للحلف، وصلت إلى حد وصف بعض أعضائه بـ”الجبناء”، معبّرا عن خيبة أمله من مواقفهم، ومؤكدا أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى دعمهم، وأن مواقفهم “لن تُنسى”، بحسب ما أوردته صحيفة “فرانكفورتر ألغيماينه” الألمانية.

وكان ترامب قد لوّح خلال ولايته الأولى بالانسحاب من الحلف بسبب ما اعتبره ضعف الإنفاق الدفاعي من قبل الأعضاء، قبل أن تتراجع حدة انتقاداته مؤقتا عقب اتفاق على زيادة الإنفاق. غير أن التوتر عاد للواجهة مع أزمات متتالية، من بينها ملف غرينلاند والحرب على إيران.

تعلموا كيف تدافعون عن أنفسكم

وعند سؤاله عما إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في الناتو بعد انتهاء الحرب، أجاب ترامب: “بالتأكيد، أقول إن الأمر لا رجعة فيه، لم أقتنع يوما بحلف الناتو”. كما دعا الحلفاء إلى الاعتماد على أنفسهم، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تقف إلى جانبهم كما كانت تفعل سابقا، وكتب عبر منصته “تروث سوشال”: “تعلموا كيف تدافعون عن أنفسكم، واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”.

وفي تصريح آخر لصحيفة “تلغراف”، قال ترامب إن ما جرى “كان اختبارا”، مضيفا: “كنا دائما إلى جانبهم، لكنهم لم يكونوا حاضرين لمساعدتنا”، موجّها انتقادات خاصة إلى المملكة المتحدة ورئيس وزرائها كير ستارمر لرفضه التدخل في الحرب، ومشككا في جاهزية البحرية الملكية.

من جانبه، جدّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر دعمه لحلف الناتو، واصفا إياه بأنه “التحالف العسكري الأكثر فعالية في العالم”، مؤكدا في الوقت ذاته سعي بلاده إلى تعزيز علاقاتها مع أوروبا على خلفية التوتر مع واشنطن، ومشددا على أن بلاده لن تنخرط في الحرب، قائلا: “هذه ليست حربنا، ولن نُجرّ إليها”.

وفي ما يخص تأمين مضيق هرمز، دعا الرئيس ترامب الدول الأخرى إلى حماية مصالحها بنفسها، معتبرا أن دولا مثل فرنسا قادرة على تأمين احتياجاتها دون الاعتماد على واشنطن، مضيفا: “أعتقد أن الوضع سيكون آمنا جدا، لكن ليس لنا علاقة بذلك”.

بدوره، أيد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث موقف ترامب، مشيرا إلى أن قرار الالتزام ببند الدفاع المشترك يعود للرئيس، لافتا إلى أن واشنطن تواجه ترددا وعقبات عندما تطلب دعما إضافيا. كما اعتبر وزير الخارجية ماركو روبيو أن الناتو أصبح “طريقا باتجاه واحد”، داعيا إلى إعادة تقييم العلاقة بعد انتهاء الصراع. وأوضح روبيو أن منع الولايات المتحدة من استخدام القواعد الأوروبية يطرح تساؤلات جدية حول جدوى استمرار العضوية، مضيفا أن حلفا يقتصر دوره على الدفاع عن أوروبا دون تلبية احتياجات واشنطن “ليس اتفاقا جيدا”.

مركلين جمال ساعود

وفي هذا السياق، ترى الباحثة السياسية مركلين جمال ساعود أن خطاب ترامب الأخير، الصادر في 1 أفريل 2026، وضع المادة الخامسة من معاهدة الناتو، الخاصة بالدفاع المشترك، في “غرفة الإنعاش”، ليس بسبب التهديد في حد ذاته، بل نتيجة توقيته المتزامن مع الحرب المباشرة على إيران وطريقة تنفيذه.

وأوضحت ساعود، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ترامب لم يأت بجديد في انتقاداته للحلف، بل أعاد طرح خطاب سابق حول ما يُعرف بـ”الراكبين المجانيين”، غير أنه هذه المرة ربط بشكل مباشر بين رفض الأوروبيين المشاركة في الحرب على إيران وبين مسألة “الدفع”، ملوّحا بإعادة النظر في الالتزام الأمريكي، وهو ما يجعل المادة الخامسة تبدو مشروطة عمليا، رغم بقائها قائمة من الناحية القانونية.

وأضافت أن الحرب على إيران لا تندرج ضمن حالات تفعيل المادة الخامسة، لأنها ليست هجوما على دولة عضو، بل عملية عسكرية استباقية، وبالتالي فإن رفض الدول الأوروبية المشاركة لا يُعد خرقا للاتفاق، إلا أن ترامب يتعامل مع الحلف بمنطق أقرب إلى “نادي اشتراك” يُفترض أن يدعم جميع تحركات واشنطن.

وترى المتحدثة أن الرسالة التي يبعث بها ترامب واضحة، ومفادها: “لن ندافع عن من لا يدفع ثمن حمايته”، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة الالتزام الأمريكي من بعده الاستراتيجي إلى منطق تجاري، الأمر الذي يفسر تنامي القلق الأوروبي وتراجع مستوى الثقة داخل الحلف. ويعزز هذا التوجه، بحسب ساعود، توصيف بعض الدبلوماسيين الأوروبيين للناتو بأنه في “غرفة الإنعاش”، في ظل مخاوف من أن تتحول هذه التهديدات إلى واقع في حال اندلاع أزمات كبرى مستقبلا، سواء في مواجهة روسيا أو قوى دولية أخرى.

وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، تظهر استطلاعات الرأي انقساما واضحا بشأن الحلف، إذ أبدى 45 بالمئة من الجمهوريين تأييدهم للناتو، مقابل 77 بالمئة من الديمقراطيين، فيما يرى نحو نصف الناخبين الجمهوريين فقط أن عضوية الولايات المتحدة تحقق لها فائدة مباشرة.

ورغم ذلك، يظل أي قرار بالانسحاب من الحلف مرهونا بموافقة الكونغرس، بعد إقرار قانون عام 2023 يمنع الرئيس من تعليق أو إنهاء العضوية دون موافقة تشريعية. وفي السياق ذاته، لا يحظى توجه ترامب في الحرب على إيران بإجماع داخل الحزب الجمهوري، إذ عبّر عدد محدود من أعضاء الكونغرس عن دعمهم الصريح، من بينهم السيناتور ليندسي غراهام، في حين حذر آخرون، مثل السيناتور توم تيليس، من تداعيات إضعاف الحلف وانعكاساته على الاستقرار الدولي.

كما أعاد الجدل حول طلب ترامب من الناتو تفعيل المادة الخامسة طرح تساؤلات حول حدود هذا الالتزام، الذي ينص على أن “الهجوم على أحد الأعضاء يُعد هجوما على الجميع”، وهو بند لم يُفعّل سوى مرة واحدة عقب هجمات 11 سبتمبر، عندما شاركت دول الحلف في الحرب على أفغانستان. غير أن هذا البند لا ينطبق على الحرب ضد إيران، باعتبارها لم تنشأ نتيجة هجوم على دولة عضو، بل جاءت في سياق عمليات عسكرية مشتركة بدأت بضربات جوية أمريكية-صهيونية في 28 فبراير الماضي.

وترى الصحيفة الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” أن أي تردد أو انسحاب جزئي للولايات المتحدة يشكل فرصة تاريخية لأوروبا لإعادة النظر في دورها، فبدل الاعتماد على “الأخ الأكبر” الأمريكي، يتعين على القارة أن تتحول إلى قوة فاعلة ذات سيادة، من خلال تحالف بين دول أوروبية مستقلة، قادرة على ضمان أمنها المشترك.

وتوضح الصحيفة أن الناتو، الذي تأسس عام 1949 على أنقاض الحرب العالمية الثانية، ظل لعقود طويلة يمثل درع الغرب، ويقوم على وعد المادة الخامسة، الذي لم يكن مجرد نص قانوني، بل فعل إيمان قدم لأوروبا ضمانة أمنية وجذب الدول التي تحررت من الهيمنة السوفيتية.

وترى الصحيفة أن هذا الإيمان بدأ يتزعزع بفعل تصريحات الطرف الذي كان ضامنا أساسيا، فتهديد ترامب بالانسحاب ووصفه الحلف بأنه “نمر من ورق” لم يقتصر على إثارة الحلفاء، بل مس جوهر الحلف نفسه، حيث قيمة أي تحالف عسكري تقاس بمدى مصداقية التزامه. فإذا تسلل الشك وأصبحت التضامنات مشروطة، فإن البنيان، مهما بدا متينا، يبدأ في التصدع. التطورات الأخيرة، ورفض الأوروبيين الانخراط في مواجهة مع إيران دون مشاركتهم، أبرزت شرخا عميقا في المصالح الاستراتيجية، وطرحت تساؤلات حول كيفية فرض تضامن تلقائي في نزاعات لا تتحكم فيها الدول الأوروبية في أسبابها أو أهدافها أو مشروعيتها.

وتخلص الصحيفة إلى أن أوروبا لم تعد ترغب في أن تكون الذراع العسكرية لقرارات لا تملك زمامها، وأن الحلف بصيغته الحالية أصبح ينتمي إلى الماضي، إذ روح الناتو قد تلاشت، وما يراه البعض تهديدا قد يشكل فرصة تاريخية. فإذا انكفأت الولايات المتحدة أو أبدت ترددا، فلن يبقى أمام الدول الأوروبية ترف الاعتماد عليها، بل يجب أن تنظر إلى نفسها كقوى فاعلة، لا عبر ذوبان فدرالي يمحو خصوصياتها، بل من خلال تحالف بين دول ذات سيادة قادرة على ضمان أمنها المشترك، فأوروبا، التي اعتادت على وهم السلام المضمون من “الأخ الأكبر” الأمريكي، لم يعد أمامها خيار سوى رفع ميزانيات الدفاع، ليس كخيار، بل كضرورة وجودية لبناء قوة أوروبية مستقلة وقادرة على حماية أمنها المشترك.

77 عاما من الناتو.. تحالف أم فوضى عالمية؟

بينما صادف يوم أمس السبت مرور 77 عاما على توقيع معاهدة شمال الأطلسي، التي أرست الأساس لحلف “الناتو”، عادت الانتقادات الدولية لتاريخ الحلف العسكري إلى الواجهة، في ظل اتهامات متجددة بأنه كان عاملا رئيسيا في زعزعة الاستقرار العالمي. وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية الروسية أن ما وصفته بـ”المغامرات العسكرية” للناتو عبر العالم شكلت مصدرا للفوضى وأدت إلى عواقب إنسانية وخيمة، مستشهدة بتجارب يوغوسلافيا والعراق وليبيا وأفغانستان وسوريا وأوكرانيا.

محمد اليمني

ويقول الخبير الدولي والمحلل السياسي محمد اليمني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إن فهم دور الناتو في النظام الدولي يتطلب العودة إلى سياق نشأته وتحولاته الكبرى، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة. وأوضح أن حلف شمال الأطلسي تأسس سنة 1949 كتحالف دفاعي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، في إطار توازنات الحرب الباردة، غير أن انهيار هذا الأخير مطلع التسعينيات وضع الحلف أمام تحد وجودي، تمثل في البحث عن دور جديد يبرر استمراره ويكفل استدامة قيمته الاستراتيجية.

وأشار اليمني إلى أن هذا التحول الاستراتيجي دفع الناتو إلى توسيع نطاق تدخله خارج حدوده الجغرافية التقليدية، مستندا إلى مفاهيم جديدة مثل “إدارة الأزمات” و”حماية المدنيين”، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية العابرة للحدود. ويبرز هذا التحول بشكل واضح في تدخل الحلف خلال حرب كوسوفو عام 1999، والتي تمت دون تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي، ما أثار جدلا واسعا حول شرعية هذا النوع من التدخلات، وحدود تجاوز المؤسسات الدولية.

ومع هجمات 11 سبتمبر 2001، دخل الناتو مرحلة توسع نوعية، حيث فعّل للمرة الأولى المادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك، ليقود تدخلا عسكريا في أفغانستان تحت شعار مكافحة الإرهاب. ومع أن هذه العملية أسقطت نظام طالبان في البداية، إلا أن عودة الحركة إلى الحكم بعد عقدين أثارت تساؤلات عميقة حول فعالية التدخلات طويلة الأمد وكلفتها البشرية والمادية.

وفيما يخص العراق، يرى اليمني أن مشاركة بعض دول الناتو، رغم عدم تبني الحلف رسميا لغزو 2003، ساهمت في تفكيك مؤسسات الدولة وفتح المجال أمام موجات عنف وعدم استقرار مستمرة حتى اليوم، مما يجعل التجربة العراقية أحد أبرز الأمثلة على التداعيات المعقدة للتدخلات العسكرية الخارجية. كما يعد التدخل في ليبيا 2011 نموذجا مثيرا للجدل، إذ استند إلى قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي أجاز استخدام القوة لحماية المدنيين، إلا أن العمليات العسكرية انتهت بإسقاط النظام دون خطة واضحة لإعادة بناء الدولة، ما أدخل ليبيا في حالة من الانقسام والصراعات المسلحة، وحوّلها إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

وأوضح اليمني أن توسع الناتو شرقا كان عاملا إضافيا في تعقيد المشهد الدولي، إذ أدى انضمام دول من أوروبا الشرقية إلى تصاعد التوتر مع روسيا، التي تعتبر هذا التوسع تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وأشار إلى أن هذا التوتر بلغ ذروته خلال الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث ترى موسكو أن سياسات التوسع والدعم الغربي لكييف كانت من العوامل التي ساهمت في اندلاع الصراع، بينما تعتبرها الدول الغربية دفاعا عن سيادة الدول واستقلالها.

ورغم هذه الانتقادات، شدد اليمني على أنه لا يمكن إغفال دور الناتو في حماية دوله الأعضاء ومنع اندلاع نزاعات كبرى داخل أوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو أحد أبرز مبررات استمراره، إلا أن سجل تدخلاته خارج الإطار الأوروبي يطرح إشكاليات معقدة، إذ يرى أنصار الحلف أنه ساهم في حماية المدنيين ووقف انتهاكات خطيرة، بينما يؤكد منتقدوه أن العديد من هذه التدخلات أسفر عن نتائج عكسية من خلال إطالة النزاعات وخلق فراغات أمنية استغلتها جماعات مسلحة.

ميخائيل ماهر

في السياق نفسه، يشير خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن المشهد السياسي والقانوني في الولايات المتحدة يشهد جدلا متصاعدا حول مستقبل العضوية الأمريكية في الناتو، خصوصا في ظل تصريحات وتهديدات سابقة للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف، وهو ما أعاد فتح نقاش دستوري حول حدود سلطات الرئيس في السياسة الخارجية ودور الكونغرس في القرارات السيادية الكبرى.

ويضيف ماهر أن الانضمام إلى الناتو شكل تاريخيا أحد الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية منذ 1949، إذ كان يُنظر إلى الحلف كأداة استراتيجية لتحقيق الردع الجماعي في مواجهة التهديدات الدولية. غير أن تصاعد النزعات الانعزالية داخل بعض التيارات السياسية أعاد طرح تساؤلات حول جدوى استمرار هذا الالتزام طويل الأمد.

وفي هذا السياق، جاء قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024 ليضع قيودا واضحة على سلطة الرئيس، إذ ينص على عدم جواز انسحاب الولايات المتحدة من الحلف دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، وهو ما يعكس رغبة السلطة التشريعية في حماية التحالفات الدولية من قرارات فردية قد تهدد التوازنات الاستراتيجية العالمية.

لكن التعقيد لا يقف عند النص القانوني، إذ يشير خبراء القانون الدستوري إلى وجود ثغرة محتملة تتعلق بالجدل حول ما إذا كانت سلطة الرئيس في إبرام المعاهدات تمتد إلى الانسحاب منها، أم أن للكونغرس دورا إلزاميا في أي قرار بهذا الشأن. وهذا يذكر بسوابق انسحابات أمريكية من اتفاقيات دولية دون موافقة صريحة من الكونغرس، مما يمنح طرح إمكانية تحرك الرئيس منفردا قدرا من الوجاهة القانونية، لكنه يفتح الباب أمام صدام دستوري محتمل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

منير شحادة

وعلى المستوى العملي، يؤكد العميد المتقاعد منير شحادة، الخبير الأمني، أن ما يُتداول حول انسحاب أمريكي من الحلف يجب فهمه بواقعية؛ فهو ليس انسحابا رسميا، بل انسحابا صامتا يتمثل في تقليص الالتزام الأمريكي وتفريغ الحلف من مضمونه، وهو أخطر لأنه يضرب الثقة دون كلفة سياسية مباشرة. وأضاف شحادة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الولايات المتحدة تمثل نحو 66% من إجمالي الإنفاق العسكري للحلف، أي ما يقارب 997 مليار دولار من أصل 1.5 تريليون، بينما لا تتجاوز مساهمة أوروبا مجتمعة 30%، ما يجعل القوة العسكرية للحلف أمريكية بالأساس.

وأشار شحادة إلى أن ثلثي واردات السلاح الأوروبية داخل الناتو تأتي من واشنطن، ما يعكس تبعية واضحة في مجالات التسليح والتكنولوجيا، وأن عددا محدودا من الدول يلتزم بإنفاق 2% من ناتجه المحلي على الدفاع، ما يعمّق فجوة الاعتماد على المظلة الأمريكية. وتابع أن تأثير الانسحاب الصامت على المادة الخامسة سيكون كبيرا، لأنها تعتمد عمليا على إرادة الولايات المتحدة في التدخل، وإذا بدأت واشنطن في تقليص وجودها العسكري وإرسال إشارات مترددة، فإن الردع سيتآكل، وتتحول دول شرق أوروبا إلى مناطق رمادية من حيث الضمانات الأمنية.

وأوضح شحادة أن أوروبا تمتلك الموارد والقدرات الاقتصادية والصناعية والعسكرية لتعويض جزء من النقص، إلا أن العجز الحقيقي يكمن في القدرات الأساسية، مثل الردع النووي الشامل، والنقل الاستراتيجي، والاستخبارات المتقدمة، والقيادة العسكرية الموحدة، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الصناعات الدفاعية الأوروبية، وهو ما يجعل الانسحاب الأمريكي الصامت تهديدا عميقا للحلف، لأنه يقوض الردع النفسي قبل العسكري، ويدفع أوروبا نحو تسريع مسار الاستقلال الدفاعي.

وهكذا، يشير كل من اليمني وماهر وشحادة إلى أن مستقبل الناتو يمر بمنعطف حساس، حيث تتلاقى الاعتبارات التاريخية والاستراتيجية والقانونية والسياسية. فالتحالف الذي يُقال إنه أرسى الأمن الجماعي لأوروبا منذ أكثر من سبعة عقود، يواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية متعددة، تبدأ بالجدل حول الالتزام الأمريكي وتتعدى إلى قدرة أوروبا على بناء منظومة دفاعية مستقلة، وسط تحول النظام الدولي نحو تعددية القوى وتزايد الأزمات الجيوسياسية في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط وشرق أوروبا.

“من يعجز عن حماية نفسه”.. رسائل ترامب الصادمة لحلفائه

في خضم هذا التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على خلفية الحرب الأمريكية–الصهيونية ضد إيران، لم يكتفِ الرئيس ترامب بالضغط السياسي، بل انتقل إلى مستوى أكثر حدّة، عبر توظيف السخرية الشخصية كأداة في إدارة الخلافات الدولية.

ففي مقطع أثار جدلا واسعا، سخر ترامب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت كان يطلب فيه دعما من باريس، ملمّحا إلى أن من “يعجز عن حماية نفسه” لا يمكن التعويل عليه كشريك عسكري. هذه الرسالة، التي بدت في ظاهرها تهكما شخصيا، حملت في جوهرها دلالات أعمق تتعلق بنظرة واشنطن الجديدة لحلفائها الأوروبيين.

أكرم خريف

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي أكرم خريف أن استهداف ماكرون لم يكن معزولا، بل يندرج ضمن محاولة للضغط على فرنسا بصفتها إحدى أبرز القوى العسكرية في أوروبا. وأوضح خريف، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الهجوم الأمريكي يعكس رغبة في استفزاز باريس ودفعها نحو الانخراط في الصراع، غير أن رد ماكرون اتسم بالحذر، ما يعكس إدراكا فرنسيا لتعقيدات المشهد ورفضا للتورط في حرب مفتوحة في المنطقة.

وأضاف أن موقف حلف شمال الأطلسي من الأزمة ينسجم مع طبيعته الدفاعية، حيث لا يدعم الانخراط في حرب لا تندرج ضمن نطاق تفعيل المادة الخامسة، التي تشترط تعرض دولة عضو لهجوم مباشر. في المقابل، ينظر ترامب إلى الحلف من زاوية مختلفة، باعتباره عبئا ماليا تتحمله الولايات المتحدة بشكل غير متوازن، ما يدفعه إلى المطالبة بإعادة توزيع الأعباء أو تقليص الالتزامات.

وحذّر خريف من أن استمرار هذا التصعيد قد تكون له تداعيات بعيدة المدى، إذ يمكن أن يُسرّع من تفكك الناتو، خاصة في ظل تنامي أصوات تعتبر أن الحلف فقد مبررات وجوده منذ نهاية الحرب الباردة. كما أشار إلى أن اتساع الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة، أو على الأقل إعادة تقييم موقعها داخل الحلف.

مركلين جمال ساعود

من جهتها، اعتبرت الباحثة السياسية مركلين جمال ساعود أن أسلوب ترامب في التعاطي مع ماكرون يعكس طبيعة الدبلوماسية “الترامبية” القائمة على الضغط العلني والصفقات المباشرة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن خلل أعمق في بنية العلاقة عبر الأطلسي.

وأوضحت ساعود، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن السخرية من الرئيس الفرنسي تمثل مستوى غير مسبوق من الاستهانة بقائد دولة أوروبية كبرى، لكنها لا تُعد وحدها السبب في هشاشة الموقف الأوروبي، بل هي تعبير فجّ عن واقع قائم منذ سنوات.

وبيّنت أن أوروبا تعاني من اعتماد مفرط على المظلة الأمريكية في المجال الدفاعي، حيث تعتمد قدرات الناتو الاستراتيجية بشكل كبير على الولايات المتحدة، خاصة في مجالات حيوية مثل الاستخبارات واللوجستيات والقدرات بعيدة المدى. ورغم امتلاك فرنسا لقدرات عسكرية متقدمة، بما في ذلك الردع النووي، فإنها فضّلت عدم الانخراط في الحرب، انسجاما مع حسابات تتعلق بتجنب التصعيد مع إيران والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.

وترى ساعود أن الرسالة التي وجّهها ترامب تتجاوز الإهانة الشخصية، لتكرّس منطقا جديدا في العلاقات الدولية يقوم على مبدأ: “الحماية مقابل الدفع”، وهو ما ينسجم مع عقيدة “أمريكا أولا” التي تتعامل مع الحلفاء باعتبارهم شركاء يجب أن يتحملوا تكلفة أمنهم.

وتضيف أن هذا النهج يساهم في تعميق الشعور بالضغط والإحراج داخل العواصم الأوروبية، لكنه في المقابل قد يدفعها إلى تسريع مسار “الاستقلال الاستراتيجي”، وهو المشروع الذي دافع عنه ماكرون منذ سنوات، ويهدف إلى تقليص الاعتماد على واشنطن في المجال الأمني.

ورغم ذلك، تؤكد ساعود أن أوروبا ليست عاجزة من حيث الإمكانيات، إذ تمتلك قدرات اقتصادية وصناعية وعسكرية كبيرة، إلا أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب الإرادة السياسية الموحدة. وتشير إلى أن ترامب يستثمر هذا التردد الأوروبي لفرض مزيد من الضغوط، كما فعل خلال ولايته الأولى، حين ساهمت سياساته في دفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي.

برير الربيعي

في السياق نفسه، يؤكد الباحث السياسي برير الربيعي أن هذا النوع من التصريحات يعكس أسلوبا سياسيا قائما على الشخصنة والتقليل من الحلفاء، وهو نهج ارتبط بترامب في أكثر من محطة. وبيّن الربيعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن السخرية من زعيم أوروبي، خصوصا في سياق أمني حساس، يمكن أن تُفسّر على ثلاثة مستويات:

أولا، على المستوى الرمزي: فهي تمسّ صورة القيادة الأوروبية وتُضعف فكرة “التضامن الغربي”، التي طالما بُنيت على الاحترام المتبادل، وليس على الإحراج العلني.

ثانيا، على المستوى الاستراتيجي: مثل هذه التصريحات قد تُعمّق الفجوة بين الولايات المتحدة وبعض الحلفاء الأوروبيين، خاصة إذا اقترنت بضغوط لجرّهم إلى صراعات لا يرغبون بها، فيما تحاول أوروبا – وتحديدا فرنسا – الحفاظ على هامش استقلال في القرار العسكري.

ثالثا، على مستوى الرسائل الدولية: فالخصوم، مثل إيران أو غيرها، قد يفسّرون هذا الخطاب على أنه مؤشر انقسام داخل المعسكر الغربي.

وأضاف الربيعي أن وصف التصريح بأنه “قمة الاستهانة” قد يكون دقيقا من ناحية لغوية وسياسية، مؤكدا أن الهدف السياسي الواضح منه هو دفع الحلفاء لتحمّل أعباء أكبر أو الانخراط في مواقف تتماشى مع الرؤية الأمريكية، خاصة في ملفات حساسة مثل التوتر مع إيران. لكنه حذر من أن هذا الأسلوب غالبا ما يأتي بنتائج عكسية، إذ يدفع الدول الأوروبية – وعلى رأسها باريس – إلى تعزيز خطاب الاستقلال الاستراتيجي والتمسك بقرارها السيادي.

اتساع فجوة الخلاف

أعرب إيمانويل ماكرون عن استيائه من التصريحات الساخرة التي أطلقها دونالد ترامب، في ظل تصاعد التوترات السياسية بين واشنطن وعدد من حلفائها الغربيين. واستغل نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف هذا التوتر لتوجيه انتقادات لاذعة للرئيس الفرنسي، معتبرا أن ماكرون بدا منزعجا من سخرية ترامب إلى حد دفعه لانتقاد العملية العسكرية الأمريكية في إيران، واصفا إياها بـ”المغامرة” التي قد تزيد من تعقيد المشهد الدولي وتفاقم التوترات الإقليمية.

ورأى مدفيديف أن هذه التطورات تعكس اتساع فجوة الخلاف بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، مشيرا إلى أن تصاعد التباينات في المواقف قد يدفع باريس إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه عدد من الملفات الدولية الحساسة، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الجيوسياسي العالمي.

وكتب مدفيديف، في منشور عبر منصة “إكس”، أن سخرية ترامب من ماكرون أثارت انزعاجا واضحا لدى الرئيس الفرنسي، الذي ردّ بتصريحات تنتقد العملية الأمريكية في إيران، واصفا إياها بالمغامرة العبثية. وأضاف مدفيديف في لهجة تهكمية أن استمرار الضغوط الأمريكية قد يدفع ماكرون إلى مراجعة موقفه من الصراع الأوكراني، وربما الاعتراف بصواب وجهة النظر الروسية، معتبرا أن العقوبات المفروضة على موسكو لم تحقق أهدافها.

ومن جانبها، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن التلاسن العلني بين ترامب وماكرون دليل على أزمة عميقة في نهج النظام السياسي الغربي. وأضافت زاخاروفا في مقابلة مع صحيفة كومسومولسكايا برافدا: “هذا هو مستوى الخطاب السياسي الغربي. الأمر لا يتعلق بأخلاقهم، بل برواياتهم. أعتقد أنه بات من الواضح أن هذه ليست سمات شخصية للسياسيين، بل مشكلة منهجية في ما يسمى بالديمقراطية الغربية”.

ونوهت المتحدثة بأن النموذج الغربي الحالي للحكم تهيمن عليه “التقييمات القائمة على الضجة الإعلامية والاستشهادات ومعدلات النقر؛ والميمات بدلا من الأفكار؛ وكذلك الوعود الفارغة بدلا من القرارات وخطط العمل المدروسة جيدا؛ والانخراط في المغامرات بدلا من النهج المسؤول”.

ولم تقتصر انتقادات ترامب على ماكرون فقط، بل امتدت أيضا إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، حيث سخر من تصريحات الأخير بشأن ضرورة التشاور مع فريقه قبل إرسال حاملتي طائرات بريطانيتين إلى إيران. ووفق تقارير إعلامية بريطانية، ظهر ترامب في مقطع فيديو خلال مناسبة رسمية وهو يقلد ستارمر بأسلوب ساخر، وسط ضحكات الحضور، ما اعتبره مراقبون مؤشرا على تصاعد حدة التوتر بين واشنطن ولندن.

كما انتقد ترامب الدور البريطاني في الأزمة، معتبرا أن بريطانيا “يجب أن تكون حليفا أفضل”، في إشارة إلى رفض لندن الانخراط المباشر في التصعيد العسكري مع إيران. وسبق لترامب أن انتقد حاملات الطائرات البريطانية، واصفا إياها بأنها “ألعاب” وليست بالمستوى المطلوب، وهو ما أثار جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا في الأوساط الغربية.

وتأتي هذه التصريحات في سياق أوسع من الانتقادات التي وجهها ترامب لبعض حلفاء الولايات المتحدة، بسبب رفضهم المشاركة في العمليات العسكرية وتأمين مضيق هرمز. كما أثار ترامب مزيدا من الجدل بتصريحاته حول إمكانية مراجعة التزام بلاده تجاه حلف شمال الأطلسي، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرا على تصاعد الخلافات داخل المعسكر الغربي وتزايد الضغوط السياسية بين الحلفاء.

القواعد الأمريكية تشعل سباق الاستقلال العسكري الأوروبي

 

تُعد القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا عنصرا محوريا في استراتيجية واشنطن تجاه النزاعات الدولية، بما في ذلك الحرب الأمريكية على إيران. هذه القواعد لا تمنح الولايات المتحدة فقط منصة لعملياتها العسكرية في أوروبا والشرق الأوسط، بل تمنح ألمانيا موقعا حساسا يمكنها من فرض قيود محددة على استخدام هذه القوات، مع تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن. ومع ذلك، فإن القلق الأوروبي، والألماني بشكل خاص، يتصاعد في ظل مخاوف من انسحاب جزئي أو تقليص الالتزام الأمريكي ضمن حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يفتح نقاشات واسعة حول التوازنات الاستراتيجية بين القارتين.

تلعب الولايات المتحدة دورا حيويا في حلف شمال الأطلسي، حيث تتحمل نحو ثلثي الإنفاق الدفاعي للحلف وتمثل 19% من تمويله، وتوفر القدرات الاستراتيجية في النقل الجوي والبحري والقوة الجوية بعيدة المدى، إلى جانب الردع النووي، ما يجعلها العمود الفقري للعمليات العسكرية داخل الحلف.

تنتشر خمس قواعد أمريكية رئيسية في أوروبا، أبرزها قاعدة أفيانو في إيطاليا مركز انطلاق المقاتلات والمخزون الإستراتيجي، وقاعدة صقلية للمسيّرات وطائرات الاستطلاع، ورامشتاين في ألمانيا أكبر مراكز القوات الجوية الأمريكية، إضافة إلى قواعد في بريطانيا، إسبانيا، واليونان. وقد رفضت إيطاليا وفرنسا وإسبانيا مؤخرا السماح لهبوط بعض الطائرات الأمريكية، ما يعكس تحفظ الدول الأوروبية على استخدام قواعدها في عمليات خارج نطاق الحلف، خصوصا النزاعات الإقليمية مثل الحرب الأمريكية على إيران.

إيليا مغانير

في هذا السياق، يشير المحلل السياسي العسكري إيليا مغانير إلى أن الولايات المتحدة من غير الممكن أن تتخلى عن قواعدها المتقدمة في أوروبا، نظرا لاستمرار الخطر الروسي بغض النظر عن التغيرات في البيت الأبيض. ويضيف مغانير: “العلاقات الشخصية بين الرؤساء قد تتغير، لكن التنافس الجيوسياسي مع روسيا مستمر، خاصة مع امتلاك موسكو أكبر ترسانة نووية في العالم. تهديدات الرئيس ترامب للأوروبيين تعكس غضبا سياسيا مؤقتا وليست سياسة استراتيجية أمريكية ثابتة”.

ويؤكد مغانير أن قواعد الناتو، وعلى رأسها قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا، ستبقى تحت السيطرة الأمريكية، مشيرا إلى أن التحركات الأمريكية تجاه أوروبا ليست مرتبطة بالصراع مع إيران بقدر ما هي جزء من التحالف الاستراتيجي طويل الأمد بين القارتين.

ويؤكد مغانير أن القلق الأوروبي لا ينبع بالضرورة من قدرة الولايات المتحدة على التخلي عن الحلف، بل من توقيت وطبيعة التصريحات الأمريكية التي توحي أحيانا بأن أوروبا مطالَبة بتحمل عبء الصراعات الدولية، في حين يبقى الحلف قائما كتحالف استراتيجي طويل المدى. هذا التباين بين الخطاب السياسي الأمريكي والواقع العسكري يخلق شعورا بعدم اليقين في بروكسل وبرلين، ويحفز صانعي القرار الأوروبيين على البحث عن آليات لتعزيز استقلالهم الاستراتيجي.

حمد محمود

من جانبه، يشدد حمد محمود، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في مصر، على الدور الحيوي لألمانيا داخل حلف الناتو، موضحا أن البلاد تحتضن أكثر من 50 ألف جندي أمريكي، إلى جانب قواعد متقدمة تشكل محور الحركة العسكرية الأمريكية في أوروبا، خصوصا قرب الحدود الروسية. ويضيف: “تقييد برلين لحركة القوات الأمريكية ورفضها إنشاء قواعد لوجستية جديدة في إطار الحرب على إيران شكل تحديا مباشرا للتقديرات العسكرية الأمريكية، ويعكس تحولات كبيرة في السياسة الدفاعية الألمانية”.

ويشير محمود إلى أن تحديث البنية العسكرية الألمانية خلال السنوات الماضية، بما في ذلك تخصيص نحو 100 مليار يورو لتطوير منظومة التسليح، يعكس رغبة ألمانيا في استعادة وزنها العسكري والعودة كلاعب رئيسي ضمن القوى العسكرية المتقدمة عالميا. ورغم أن الإنفاق الدفاعي لا يزال محدودا بنسبة 2.13% من الناتج القومي، إلا أن هذه الخطوة تمنح ألمانيا هامشا أوسع لاتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة، وتعزز دورها داخل الحلف الأطلسي.

وتتضح أهمية هذه القواعد أيضا في قدرتها على دعم العمليات اللوجستية والنقل العسكري، إذ تمثل قاعدة أفيانو مخزنا إستراتيجيا للمعدات والمقاتلات الأمريكية، فيما تستخدم قاعدة صقلية المسيّرات وطائرات الاستطلاع لتغطية مناطق الشرق الأوسط، بينما تعد رامشتاين مركز القيادة الجوية الأمريكية في أوروبا، بما يضمن السيطرة الأمريكية على التحركات العسكرية داخل الحلف وعلى امتداد القارة.

ويتابع محمود أن توقعات واشنطن، وكذلك تصريحات ترامب حول مشاركة الناتو في النزاع الإيراني، اصطدمت برد فعل أوروبي حذر، خاصة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ويشير إلى أن هذا التباين قد يدفع الدول الأوروبية نحو تطوير قدراتها العسكرية الذاتية بشكل أسرع، مع دعم محدود من بريطانيا. ألمانيا، بما تمتلكه من قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة وموارد مالية كبيرة، قادرة على استعادة جزء مهم من إمكانياتها العسكرية، وهو ما يمثل خطوة نحو استقلال أوروبي أكبر في مجال الدفاع.

كما يوضح محمود أن التحولات في السياسات الطاقوية والتكنولوجية، بما في ذلك القدرات النووية والبنية الدفاعية، قد تفتح نقاشا أوسع داخل أوروبا حول مستقبل الردع والتسليح. ويضيف: “الحرب الأمريكية على إيران قد تكون نقطة مفصلية تدفع نحو بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية وتماسكا، خصوصا مع استمرار الانقسامات بين الدول، كما يظهر موقف إيطاليا الرافض لاستخدام القواعد الأمريكية، ما يعكس عمق الانقسام داخل المعسكر الغربي حول إدارة هذا الصراع”.

وفي ظل هذه التطورات، يتسم التحرك الأوروبي تجاه الولايات المتحدة بالحذر، لكنه يعكس إرادة متزايدة لاستعادة الاستقلال الاستراتيجي. فبينما أعلن ترامب عن تكثيف الهجمات على إيران، ملوحا بقدرة الولايات المتحدة على “إعادة إيران إلى العصر الحجري”، لم يقدم على الانسحاب من حلف الناتو، رغم تصريحاته المثيرة للجدل التي وصف فيها الحلفاء الأوروبيين بـ”الجبناء”. في المقابل، بدأت دول أوروبية كألمانيا وفرنسا وإسبانيا اتخاذ خطوات عملية لتقييد استخدام القواعد الأمريكية، في محاولة للحد من الاعتماد المباشر على واشنطن في إدارة النزاعات الإقليمية.

ويعكس موقف المسؤولين الألمان هذا التوازن الدقيق بين الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة والرغبة في تعزيز الاستقلالية الدفاعية. فقد أعرب وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، عن قلقه إزاء تصريحات ترامب حول الانسحاب المحتمل للولايات المتحدة من الناتو، مؤكدا أن التزام ألمانيا ودعمها للحلف قد يقنع واشنطن بمواصلة التعاون، وأن أي انسحاب أحادي الجانب يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي، ما يضع قيودا واضحة على أي خطوات مفاجئة.

ومن منظور سياسي داخلي، ترى رئيسة حزب الخضر الألماني المعارض، فرانتسيسكا برانتنر، أن الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب لم تعد شريكا موثوقا، متهمة الرئيس الأمريكي بتأجيج الصراعات الدولية عبر خطاب عدواني ضد إيران وحلفاء الناتو. وتضيف أن الحلف سيظل ركيزة أساسية للدفاع الألماني، لكنها شددت على أهمية تطوير قدرة أوروبا على التحرك بشكل مستقل، معتبرة أن بناء اتحاد دفاع أوروبي أصبح ضرورة أمنية وليس مجرد هدف نظري.

وفي نهاية المطاف، تبدو أوروبا تائهة بين حاجتها إلى ممارسة دور عدواني مستقل في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية، وبين واقع تبعيتها للولايات المتحدة في القضايا الاستراتيجية الكبرى. فالدول الأوروبية، رغم امتلاكها القدرات الاقتصادية والعسكرية، غالبا ما تجد نفسها مجبرة على ضبط خياراتها السياسية والعسكرية وفقا لتوقعات واشنطن، مما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بشكل كامل.

وفي الوقت نفسه، تحرص هذه الدول على إبراز قوتها ودورها في النزاعات الإقليمية، بما يعكس رغبتها في فرض النفوذ وحماية مصالحها، لكنها غالبا تضطر إلى التراجع أمام الضغط الأمريكي، في تناقض دائم بين الطموح والسيادة الواقعية. هذا التوازن الهش يجعل أوروبا تتحرك بحذر شديد، محاولة إيجاد مساحة بين الإذعان والتحفظ، وبين الاستقلالية والفعالية العسكرية، في وقت يظل فيه النفوذ الأمريكي الضامن الرئيسي للردع والحماية داخل حلف الناتو.

 

رابط دائم
https://elayem.news/xgf5b