الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
العالم

إزالة صورة غزة من “دوفيل”.. هل تخضع الرواية الفلسطينية لضغوط سياسية في فرنسا؟


أثارت إزالة صورة المصور الفلسطيني جهاد الشرافي من معرض “دوفيل” للصور الرياضية في فرنسا، واستبدالها بصورة لراكبي دراجات، جدلا واسعا حول خلفيات القرار، خاصة أن الصورة المحذوفة توثق مباراة لكرة القدم وسط مشهد من الدمار الذي خلفته الحرب في غزة.

وتعيد هذه الواقعة النقاش حول حدود حرية الصورة والصحافة في فرنسا، في وقت تثير فيه التغطية الإعلامية للحرب على غزة حساسيات سياسية وثقافية متزايدة.

في هذا السياق، يؤكد خبيران حاورتهما “الأيام نيوز”، أن أهمية الصورة لا ترتبط بالمشهد الرياضي وحده، وإنما بقدرتها على نقل واقع إنساني وسياسي إلى الجمهور، في وقت تتزايد فيه محاولات الحد من حضور الصور التي توثق معاناة الفلسطينيين في الفضاء الإعلامي والثقافي الغربي.

كما يرى المتحدثان أن الواقعة تعيد طرح مسألة تأثير الحساسيات والضغوط المرتبطة بالحرب على غزة في حرية الصورة والتعبير، وتفتح نقاشا حول حدود قدرة المؤسسات الثقافية والإعلامية في فرنسا على تقديم رواية بصرية تعكس واقع الحرب بعيدا عن الحسابات السياسية.

فمن جانبه، يرى خالد أبو زاهر، إعلامي وناقد رياضي فلسطيني، أن الاحتلال الصهيوني منع منذ بداية حرب الإبادة الجماعية في غزة الصحفيين الأجانب والعرب من دخول القطاع، خشية نقل الصورة الحقيقية لحجم الدمار والإبادة التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن الصورة التي وثقها المصور الفلسطيني جهاد الشرافي تعكس جانبا عميقا من الواقع الكارثي الذي يعيشه القطاع.

وأوضح أبو زاهر أن الصورة تُظهر ملعبا تابعا لنادي فلسطين، أحد الأندية الرياضية الفاعلة في مدينة غزة، بعدما تعرض المربع السكني المحيط به لقصف واسع أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منه، فيما لحقت أضرار بالنادي والملعب على حد سواء.

وأضاف أن مجموعة من الرياضيين شرعت، بعد الهدنة الأولى في 19 جانفي 2025، في تنظيف الملعب وترميمه، مستغلين فترة الهدوء النسبي لإعادة تهيئة المكان والسماح للرياضيين بممارسة كرة القدم من جديد.

وأبرز المتحدث أن هذا المشهد يحمل دلالات تتجاوز الجانب الرياضي، مؤكدا أن إصرار الفلسطينيين على إعادة تأهيل الملعب وممارسة كرة القدم، رغم الدمار المحيط بهم، يعكس تمسكهم بالحياة وبأرضهم، ويمثل رفضا لمشروع التهجير الذي يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى فرضه على سكان قطاع غزة.

وأشار الإعلامي الرياضي إلى أن الاحتلال يسعى إلى تحويل غزة إلى منطقة طاردة للحياة، من خلال استمرار القصف والقتل والتدمير، وتضييق الخناق على السكان، وتقليص دخول المساعدات، بما يدفع الفلسطينيين إلى التفكير في مغادرة القطاع تحت وطأة الظروف الإنسانية القاسية.

وأكد أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب الحالية يختلف بصورة كبيرة عن الحروب والهجمات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على مدار عقود، موضحا أن ما شهدته غزة شمل تدميرا واسعا للبنية التحتية في مختلف القطاعات، من البلديات والتعليم والزراعة والصناعة، وصولا إلى الاقتصاد، معتبرا أن الحرب الحالية خلفت مستوى غير مسبوق من الخسائر البشرية والمادية.

وأضاف أن صورة الشرافي تكتسب أهميتها من كونها توثق مشهدا معاكسا تماما لمحاولات تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، إذ يظهر فيها فلسطينيون يمارسون كرة القدم وسط الركام والدمار، وهو ما يمثل رسالة واضحة تؤكد تمسكهم بالحياة وإصرارهم على البقاء في أرضهم.

وفي سياق حديثه عن الجدل الذي أثارته إزالة الصورة من معرض “دوفيل” للصور الرياضية في فرنسا، أبرز أبو زاهر أن الصورة لا توثق مباراة رياضية فحسب، وإنما تنقل واقعا إنسانيا وسياسيا تعيشه غزة، منوّها بأن حضورها في معرض رياضي يفتح نافذة أمام الجمهور على حياة الفلسطينيين في ظل الحرب، وعلى قدرتهم على ممارسة الرياضة رغم الظروف القاسية.

كما يرى محدثنا أن حذف الصورة واستبدالها بصورة أخرى يطرح تساؤلات بشأن قدرة المشهد الثقافي والإعلامي في فرنسا على استيعاب الصور التي تنقل معاناة الفلسطينيين، خاصة أن الصورة المحذوفة تجمع بين الرياضة والدمار، وتقدم سردية مختلفة عن الصورة التي يريد الاحتلال تكريسها عن قطاع غزة وسكانه.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز أبو زاهر أن استمرار تداول الصورة، رغم حذفها من المعرض، يعكس قوة الصورة الصحفية في نقل الواقع، مشددا على أن الفلسطينيين، رغم ما تعرضوا له من قتل ودمار وتهجير، ما زالوا يتمسكون بمظاهر الحياة اليومية والرياضة، في رسالة تؤكد رفضهم لمغادرة أرضهم وتمسكهم بحقهم في الحياة.

حذف صورة غزة يعكس حربا على الرواية الفلسطينية في فرنسا

من جهته، أفاد مأمون أبو عامر، باحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، بأن إزالة صورة المصور الفلسطيني جهاد الشرافي من معرض “دوفيل” للصور الرياضية في فرنسا، تعكس حجم تغلغل نفوذ اللوبيات والمنظمات الصهيونية داخل المؤسسات الرسمية والاجتماعية والعامة في فرنسا، مبرزا أن هذه الجهات تسعى إلى حجب حقيقة المشهد المأساوي في قطاع غزة واستبداله بصور لا تعكس واقع الحرب ومعاناة الفلسطينيين.

وأوضح أبو عامر في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن كل مشهد فلسطيني من شأنه تذكير الرأي العام بالمحنة التي يعيشها سكان قطاع غزة أو بالكارثة الإنسانية التي يعانيها أهلها، أصبح موضع رفض وعدم قبول، مشيرا إلى أن هناك محاولات لخلق ذرائع وحجج لاستبدال هذه الصور بأخرى، خصوصا عندما تكون الصورة الفلسطينية مرتبطة بشكل مباشر بالمشهد الإنساني والدمار الذي خلفته الحرب.

وأبرز الباحث أن ما حدث مع صورة الشرافي يندرج ضمن “الحرب على الصورة” و”الحرب على الرواية الفلسطينية” للأحداث، لافتا إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على المؤسسات الفرنسية، وإنما يمتد إلى عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، في إطار “حرب شاملة” يخوضها الاحتلال ضد الرواية الفلسطينية وضد الرموز والأيقونات التي تجسد معاناة الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى ما قام به رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من تحطيم نصب تذكاري فلسطيني في إحدى قرى قلقيلية بالضفة الغربية، معتبرا أن هذا السلوك يجسد العقلية التي تسيطر على المشهد الصهيوني، والقائمة على محاربة الرموز والصور التي تحمل دلالات مرتبطة بالهوية والرواية الفلسطينية.

وأضاف أن نفوذ المنظمات الصهيونية في المجتمعات الغربية لم يتشكل بشكل مفاجئ، وإنما جاء نتيجة عمل امتد لعقود، موضحا أن هذه المنظمات تمكنت على مدار نحو 81 عاما، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من ترسيخ حضورها داخل عدد من المؤسسات والمجتمعات الغربية والتأثير في طريقة تناول الأحداث المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كما اعتبر أن أوروبا، وألمانيا بشكل خاص، ما تزال تتعامل مع “عقدة الذنب” المرتبطة بما تعرض له اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن هذا العامل التاريخي ينعكس على مواقف عدد من النخب السياسية الأوروبية تجاه ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية.

وفي السياق ذاته، أوضح أبو عامر أن المواقف الأوروبية تجاه الحرب في غزة غالبا ما تبقى في إطار التصريحات السياسية، في وقت تتجنب فيه بعض القيادات الأوروبية اتخاذ إجراءات عملية وقوية.

وأكد الباحث أن هذه المقاربة تعكس حالة من العجز السياسي والأخلاقي في التعامل مع ما يجري في الأراضي الفلسطينية، مشددا على أن الحرب التي يعيشها سكان قطاع غزة ليست وليدة اللحظة، وإنما جاءت نتيجة تراكم أزمات وإخفاقات مرتبطة بالنظام الأخلاقي العالمي وبمنظومة القانون الدولي.

خِتاماً، أشار أبو عامر إلى أن واقعة حذف صورة جهاد الشرافي من معرض “دوفيل” تتجاوز حدود قرار فني يتعلق بمعرض للصور الرياضية، لتفتح نقاشا أوسع حول موقع الصورة الفلسطينية في المشهد الثقافي والإعلامي الغربي، وحول مدى قدرة المؤسسات على التعامل مع الصور التي تنقل واقع الحرب في غزة بعيدا عن الضغوط والحساسيات السياسية المرتبطة بها.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑