إصلاح مجلس الأمن.. فصل السم عن العسل في خطاب «بايدن»

خلال خطابه أمام أعضاء الجمعية العامة لأمم المتحدة في دورتها الـ77، عبّر الرئيس الأمريكي «جو بايدن» عن رغبة بلاده في زيادة عدد أعضاء مجلس الأمن قائلا: “أعتقد أنّ الوقت قد حان لكي تصبح هذه المؤسسة أكثر شمولاً حتى تتمكّن من الاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات عالم اليوم”، لكنّ كلام «بايدن»، وإن كان في ظاهره نبيلا فإنه من حيث المغزى ينطوي على أهداف مبيّتة تدفع إلى طرح هذه الأسئلة.

ماذا يريد «بايدن» من هذا التغيير؟

هل يسمح تاريخ تعامل الولايات المتحدة مع مجلس الأمن بإعطاء الدروس للغير؟

ما هي الدول التي يمكن أن تحصل على مقاعد؟

ما هي الخطوات القانونية لزيادة عدد الأعضاء وهل ستسمح روسيا والصين بتحقيق مسعى الولايات المتحدة الأمريكية؟

في هذا السياق يرى الناشط الحقوقي «عماد حمد» ـ رئيس المجلس التنفيذي للمجلس الأمريكي لحقوق الإنسان ـ أن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في زيادة عدد مقاعد مجلس الأمن التي بدأت مع بداية الأزمة الروسية الأوكرانية، وأصبحت رسمية أكثر حين جدد «بايدن» الحديث عنها خلال انعقاد الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، تهدف إلى التضييق على روسيا وإضعافها على الصعيد الدولي، ذلك أنه ـ وفق رأي «بايدن» ـ لا يمكن عزل هذا الطرح الأمريكي عن التطورات الإقليمية والدولية الحاصلة في العالم اليوم.

وفي حين تحاول الولايات المتحدة توسيع هيمنتها السياسية على العالم، تعتبر روسيا ما يجري في أوكرانيا شرعيا ويهدف إلى لحماية أمنها القومي من مخاطر الغرب الذي ترى أنه يتمدّد محاولا خنقها من خلال استعمال بعض الدول التي كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي السابق.

مطالبة «بايدن» بزيادة عدد أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين ـ يقول «عماد حمد» في مقابلة مع «الأيام نيوز» ـ هي ردّ على استعمال روسيا لحق النقض «الفيتو» وعدم تمكين مجلس الأمن من اتخاذ أي خطوات من شأنها تأمين غطاء دولي للدعم الأمريكي والأوربي المطلق لأوكرانيا، التي تعدّ عمليا ـ حسب المتحدث – ساحة حرب لتصفية حسابات بين أمريكا وحلفائها من جهة وروسيا من جهة أخرى.

تاريخ من الخروقات والازدواجية !

من الغريب أن تتحدث الولايات المتحدة الأمريكية عن إصلاح مجلس الأمن ودعم دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين، وهي أكثر عضو دائم استخدم حق النقض خاصة في فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ـ يشير الباحث في القانون الدولي «معتز المسلوخي» ـ حيث استخدمته لما يزيد عن الـ90 مرة أكثر من صفها كان دعما للكيان الإسرائيلي ولإبطال مشاريع قرارات ضده بما يقدر بـ44 مرة، ولا بد ألّا ينسى العالم ـ يضيف «المسلوخي» ـ أن أمريكا تجاوزت قرارات مجلس الأمن في غزوها للعراق، لذا فالمشكلة حسب المتحدّث لا بدّ أن تُطرح حول تقليص الصلاحيات، فلا يعقل أن تتحكّم 5 دول في مصير 193 دولة عضو في الأمم المتحدة.

ومن جانبه يرى «عماد حمد»، رئيس المجلس التنفيذي للمجلس الأمريكي لحقوق الإنسان، أن التناقض الصارخ في تعامل الولايات المتحدة مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن يُظهر أنها تتصرف اتجاه هذه الهيئة الدولية حسب ما تمليه مصالحها الإقليمية والدولية، فحين تشعر بأنّ الأمم المتحدة قد يكون لها دور يخدم توجهاتها وسياستها، تضعها كواجهة وتعتبرها هامة وأساسية، وحين تتعارض مواقفها مع ما تريده تقزّم دورها وتهمش قراراتها، ويتم حتى تهديدها بقطع المساعدات المالية، خاصة وأن الولايات المتحدة هي أكبر متبرّع لهذه الهيئة الدولية.

على أي أساس ومن سيستفيد منها؟

اكتفى «بايدن» في خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحدة بالكشف عن رغبة بلاده في إضافة دول من إفريقيا، أمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي، ورغم عدم كشف الجانب الأمريكي بعد عن قائمة أسماء الدول التي ستحصل على مقاعد، يرى «عماد حمد» أن الولايات المتحدة ستحرص على تعيين أعضاء موالين لتوجهاتها، وسيكون التغيير بقدرتها على تحقيق ذلك بهدف التضييق على روسيا وسحب قوّة حق النقض منها.

من الصعب التنبؤ بأسماء الدول التي ستحظى مقاعد دائمة وغير دائمة بمجلس الأمن ـ يقول الباحث في القانون الدولي «معتز المسلوخي» لـ«الأيام نيوز» ـ ولكنْ من المرجح حسب رأيه استبعدا إيران وكوريا الشمالية، واحتمال ترشيح الهند، البرازيل، اليابان، ماليزيا، تركيا، السعودية، مصر، ألمانيا، وربما أوكرانيا، كما يُحتمل إضافة الكيان الإسرائيلي، الذي يرى «المسلوخي» أن الولايات المتحدة ستأخذ بعين الاعتبار “التطبيع” معه لمكافأة حلفائه ومنحهم مقاعد بمجلس الأمن.

تبقى الأسئلة مطروحة حول أسماء الدول التي يمكن منحها مقاعد سواء كانت دائمة أو غير دائمة لأن الولايات المتحدة لم تكشف عنها بعد، لكن مجرّد الإشارة إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، يدلّ أن الإدارة الأمريكية لن تسمي دولا لا تخضع لسيطرتها أو سيطرة أوروبا، وبالتالي  فالتسليم بوجود ديمقراطية حقيقية في اختيار الدول سيكون نوعا من الغباء السياسي ـ يقول محدثنا ـ فتاريخ الولايات المتحدة مليء بازدواجية المعايير، كما أن هناك قرارات بقيت حبرا على ورق، وأخرى طواها النسيان، بينما تم تطبيقات قرارات أخرى حرفيا.

وأكبر دليل على ذلك القرارات الخاصة بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فالأمم المتحدة أصدرت عشرات القرارات ولم يطبق شيء منها، ولو هناك قرارات تتعلق بأوكرانيا ستكون الولايات المتحدة الأمريكية في رأس الحربة لتطبيقها، لذلك هناك أزمة ثقة في الأمم المتحدة كهيئة دولية من المفروض أن تفوق قوتها قوة دولة منفردة.

ما هي الخطوات القانونية؟

تعديل عدد مقاعد مجلس الأمن ليكون قانونيا سيُحتّم تعديل الميثاق الذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الأمم المتحدة بما فيهم الدول الدائمة العضوية كروسيا والصين طبقا للمادة 108 من نص الميثاق، حسب المختص في القانون الدولي «معتز المسلوخي»، وبالنظر إلى الأزمة الحاصلة بين أوكرانيا وروسيا والتوترات الحاصلة بين الصين وتايوان ودور الولايات المتحدة في الأزمتين، فإن تحقيق مسعى «بايدن» يبدو صعبا وحتى لو استطاعت أمريكا كسب الصين لتمرير القرار وتعطيل «الفيتو» الروسي فإن ذلك لن يحدث الآن حسب المتحدث.