السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

إطلاق الطبعة الأولى للمسرح الجامعي الإفريقي: أبعاد ثقافية وأكاديمية تصنع التميز

Author
هارون عمري 04 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

احتضن مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بن عكنون، بالجزائر العاصمة، صبيحة يوم الثالث من مارس ، انطلاق فعاليات الطبعة الأولى للمسرح الجامعي الإفريقي، والتي ستقام بالجزائر العاصمة من 13 إلى 19 جويلية 2026، تحت شعار “إفريقيا تلتقي على خشبة المسرح الجامعي”، في خطوة تؤسس، لمرحلة متقدمة من التعاون الأكاديمي والثقافي، على المستوى القاري.

كما تجري المراسم تحت إشراف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وبمشاركة كاتبة الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، السيدة سلمة بختة منصوري.

ومثّل هذا الحضور الحكومي المزدوج، إشارة واضحة، إلى تقاطع المسارات الأكاديمية مع التوجهات الدبلوماسية، لتفعيل دور الجامعة، كمنصة للتفاعل الإنساني والثقافي، بين دول القارة الإفريقية.

وتميز حفل الإطلاق، بحضور مسؤولي التمثيليات الدبلوماسية المعتمدة لدى الجزائر، إلى جانب إطارات قطاع التعليم العالي، وممثلي الأسرة الجامعية، والفاعلين في الحقل الثقافي، بمشاركة طلبة مبدعين إفارقة.

حيث يندرج هذا المشروع، ضمن سياق استراتيجي مهم، يرمي إلى تكريس انفتاح الجامعة الجزائرية، وتعزيز أواصر التعاون العلمي والثقافي مع المؤسسات الجامعية الإفريقية، بما ينسجم مع التوجهات الدبلوماسية.

السياق المؤسساتي والأكاديمي لتأسيس المسرح الجامعي الإفريقي

يأتي تأسيس الطبعة الأولى للمسرح الجامعي الإفريقي كنتيجة لمسار طويل، من الهيكلة المؤسساتية التي أدت إلى إطلاق برامج وطنية رائدة، مثل برنامج “المسرح في رحاب الجامعة”، حيث تضمن هذا الأخير إنشاء 115 ورشة مسرحية، عبر كافة مؤسسات القطاع، وهي القاعدة التي مكنت الجامعة من توسيع نطاق نشاطها الثقافي، ليأخذ بعداً قارياً شاملاً.

كما يظهر هذا التوجه من خلال التنسيق المباشر بين مختلف الدوائر الوزارية، لضمان توفير البيئة الحاضنة للطلبة الأفارقة المبدعين، وتسهيل تواجدهم في فضاءات أكاديمية مجهزة بالمعايير المطلوبة.

ويجسد إشراف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، إرادة حقيقية لتحويل الأفكار الإبداعية للطلبة، إلى منتوجات ثقافية ذات قيمة مضافة، تساهم في الارتقاء بالفعل الفني الجامعي.

حيث يكتسي هذا الإطار أهمية بالغة كونه يوفر الغطاء الإداري والمالي، الضروري لاستدامة هذه الفعالية، وتحويلها من مجرد تظاهرة عابرة، إلى تقليد أكاديمي راسخ يتجدد دورياً.

كما تعتمد المبادرة على تسخير كافة الإمكانيات المتاحة داخل الحرم الجامعي، بدءاً من القاعات المهيأة للعروض، وصولاً إلى توفير الرصيد الوثائقي، لتمكين المشاركين من الاستناد إلى مرجعيات علمية.

العروض المسرحية وتجسيد التنوع الثقافي الإفريقي

تمثل العروض المسرحية المبرمجة الركيزة الأساسية لعملية التبادل الثقافي، حيث تتيح للطلبة فرصة استثنائية لتقديم أعمال تجسد التراث اللامادي، والثقافات المتعددة التي تزخر بها القارة الإفريقية.

كما يوفر الركح الجامعي مساحة حرة للمنظور الدرامي الإفريقي، كي يعبر عن قضايا المجتمعات المعاصرة، وينقل هموم وتطلعات الشباب، من خلال لغات جمالية تتجاوز الحدود الجغرافية.

وتتشكل هذه العروض من مزيج فني يعكس التوجهات الإخراجية والمدارس المسرحية المختلفة، مما يحول منصة العرض إلى فضاء بصري غني بالدلالات، التي تعزز الفهم المتبادل بين الشعوب.

وتعمل هذه الأعمال المسرحية على تقديم سرديات درامية، تستمد جذورها من التاريخ الإفريقي المشترك، وتسلط الضوء على الهوية الثقافية الأصيلة، مما يساهم في بناء صورة إيجابية ومتماسكة.

حيث تترافق العروض مع توفير بيئة تفاعلية تسمح للجمهور الطلابي، بمناقشة محتوى المسرحيات، وفك شفراتها الفنية، واستيعاب الرسائل التربوية والمجتمعية الهادفة التي تحملها في طياتها.

كما يساهم هذا الزخم الإبداعي في تحفيز الطاقات الشابة على الابتكار، في مجالات السينوغرافيا وتصميم الأزياء، مستلهمين إبداعاتهم من الخزانات التراثية المحلية لبلدانهم، لتوحيد الوجدان الطلابي القاري.

الورشات التكوينية كآلية للارتقاء بالممارسة الفنية

يأخذ الحدث طابعاً أكاديمياً وتعليمياً متميزاً، من خلال إدراج الورشات التكوينية كعنصر محوري، تهدف إلى نقل الخبرات التقنية والمعرفية بين الممارسين، وتزويد الطلبة بالأدوات الاحترافية اللازمة.

حيث تسعى الورشات إلى تحسين جودة الأعمال الدرامية، في مجالات الإخراج والتمثيل والكتابة المسرحية، بالاستناد إلى منهجيات علمية مدروسة، تدمج النظريات المعاصرة مع التطبيقات العملية المكثفة.

كما يستفيد الطلبة الأفارقة من هذا الفضاء لتبادل الممارسات الناجحة، والتعرف على التقنيات الحديثة في الإدارة المسرحية، وتقنيات الإضاءة وهندسة الصوت، للارتقاء بالعمل المسرحي إلى مستويات احترافية.

وتشكل هذه الجلسات التكوينية فرصة ثمينة لتكريس قيم الانضباط الفني، وتنمية مهارات العمل الجماعي، وتحفيز التفكير الإبداعي لدى الشباب القادمين من بيئات ثقافية متباينة، ضمن رؤية استراتيجية.

حيث يندمج هذا المسار مع أهداف قطاع التعليم العالي، الرامية إلى خلق أجيال قادرة على إنتاج المعرفة الثقافية، وتحويل الأفكار إلى مشاريع فنية قابلة للتسويق والمنافسة الدولية.

كما تسهم الورشات في تأسيس قاعدة صلبة من الكفاءات الشابة، التي ستحمل مسؤولية تنشيط الحياة الثقافية في جامعاتها، مما يضمن ديمومة الفعل الثقافي واستمراريته عبر مختلف دول القارة.

اللقاءات الفكرية وتشكيل الوعي المجتمعي المشترك

تتكامل العروض والورشات مع اللقاءات الفكرية المبرمجة، لتضفي عمقاً أكاديمياً وتنظيرياً على الفعاليات، من خلال فتح نقاشات هادفة حول سبل توظيف الفنون الركحية كأدوات في التوعية المجتمعية.

حيث تشكل هذه اللقاءات منصة معرفية حيوية لتبادل الأفكار، حول دور المسرح في معالجة القضايا الاجتماعية المتشابكة، ومناقشة التحديات الثقافية التي تواجه المجتمعات الإفريقية في ظل التحولات.

كما تجمع الجلسات الفكرية بين الأكاديميين وصناع القرار والطلبة، لبناء مرجعية نقدية تساعد على قراءة الأعمال الفنية، وتوجيه مسار الإنتاج المسرحي نحو خدمة التنمية المستدامة في القارة.

وتركز المحاور الفكرية على دراسة العلاقة العضوية، بين التراث الإفريقي والممارسة المسرحية الحديثة، وكيفية استثمار الرصيد الشفوي والأسطوري، في كتابة نصوص درامية تعبر عن الهوية القارية المشتركة.

حيث يتيح هذا التمازج ترسيخ وعي مجتمعي ناضج لدى الفئات الطلابية، ويؤهلهم ليكونوا قادة فاعلين في محيطهم السوسيوثقافي، من خلال طرح الأسئلة الجوهرية حول مسارات الثقافة الإفريقية.

كما توفر اللقاءات مساحة آمنة لمناقشة الحلول المبتكرة، التي يمكن للجامعة تقديمها لردم الفجوات الثقافية، وتأسيس قواعد صلبة للفكر الثقافي الإفريقي المعاصر، بعيداً عن الأبعاد الاحتفالية المؤقتة.

الدبلوماسية الأكاديمية وتعزيز الروابط الإفريقية

يتجلى البعد الدبلوماسي للطبعة الأولى بوضوح، من خلال مشاركة كاتبة الدولة السيدة سلمة بختة منصوري، وحضور مسؤولي التمثيليات الدبلوماسية الإفريقية المعتمدة بالجزائر، لتعزيز الروابط القارية الوثيقة.

حيث يبرز هذا الحضور الوازن أهمية الثقافة، كأداة رئيسية في تفعيل الدبلوماسية الأكاديمية، التي تعتمد على القوة الناعمة لتقريب المسافات، وبناء جسور الثقة والتفاهم المستدام بين الشعوب.

كما ينسجم تنظيم هذا الحدث مع التوجهات الكبرى للدبلوماسية الجزائرية، التي تضع التكامل القاري والتعاون البيني في صدارة أولوياتها، لتصبح الجامعة فاعلاً نشطاً في صناعة القرار الثقافي.

ويسهم التقاء الطلبة من مختلف الجنسيات في هذا الفضاء، في نسج علاقات إنسانية عميقة، وتشكيل شبكات تواصل تتخطى الأطر الرسمية، لتؤسس لدبلوماسية شعبية تقودها النخب الشابة والمثقفة.

حيث يعمل هذا التوجه على إزالة الحواجز النفسية، وتصحيح الصور النمطية المتبادلة، من خلال الاعتماد على لغة الفن والإبداع، التي تخاطب الوجدان الإنساني المشترك بعيداً عن الجغرافيا السياسية.

كما تدعم هذه المبادرات قدرة الدول الإفريقية على تنسيق مواقفها، في المحافل الدولية المتعلقة بالثقافة والتربية، وتوحيد جهودها لحماية مقدراتها الثقافية وتثمينها، ضمن رؤية شاملة لبناء قارة مزدهرة.

بومدين أصيل بشراير

بومدين بشراير: المسرح الجامعي يصنع لغة إفريقية مشتركة ويكرّس دبلوماسية ثقافية قارية

في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، يقول الممثل والكاتب المسرحي بومدين أصيل بشراير: إن المسرح الجامعي يتميز بخصوصية تجعله فضاءً شبابيًا حرًا وتفاعليًا، ما يمنحه قدرة كبيرة على احتضان حوار ثقافي عابر للحدود فوق الركح.

وأوضح أن الاختلافات اللغوية تتحول في هذا السياق إلى عناصر غنى جمالي، حيث يصبح الجسد والصوت والصورة وسائل تواصل تتجاوز الحاجة إلى الترجمة.

وعندما يلتقي طلبة من الجزائر بآخرين من دول إفريقية ضمن عرض واحد أو نقاش فني، فإنهم لا يتبادلون تقنيات مسرحية فحسب، بل يتقاسمون رؤى وتجارب وذاكرة مشتركة، لتتشكل بذلك “لغة ركحية إفريقية” قائمة على الإيقاع والحكاية والرمز والتجربة الإنسانية المشتركة، بما يسهم في كسر الحواجز وبناء جسور التفاهم.

وأضاف أن الورشات التكوينية تمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير المسرحيين، خاصة الهواة، لأنها تنقلهم من مستوى الموهبة الفطرية إلى مستوى الوعي التقني والمنهجي، سواء في الأداء أو الإخراج أو السينوغرافيا أو الكتابة الدرامية، وأشار إلى أن الاحتكاك بين خبرات متعددة من دول إفريقية مختلفة يخلق تبادلًا حيًا في الأساليب والرؤى.

أما عن “النفس الإفريقي”، فيراه حاضرًا من خلال استلهام الحكاية الشعبية، وتوظيف الإيقاع والموسيقى المحلية، وطرح قضايا الهوية والانتماء والتحرر بلغة معاصرة، معتبرًا أنه حضور فكري وجمالي يعكس خصوصية القارة دون انغلاق.

وأكد بشراير أن احتضان الجزائر لهذه الطبعة يعزز صورة الجامعة كمركز قيادي للثقافة والفكر، ويؤكد أن دورها يتجاوز التكوين الأكاديمي ليشمل صناعة الفعل الثقافي القاري.

كما اعتبر أن مثل هذه المبادرات تضع الجامعة في موقع الريادة في الدبلوماسية الثقافية، وتفتح آفاق تعاون بين مؤسسات التعليم العالي في إفريقيا، وقد تمهد لتنظيم مهرجانات جامعية قارية في مجالات أخرى كالموسيقى والسينما والفنون البصرية، بما يعزز التكامل الثقافي بين شباب القارة.

الآفاق المستقبلية للجامعة كحاضنة للإبداع الثقافي المشترك

تفتح الطبعة الأولى للمسرح الجامعي الإفريقي آفاقاً مستقبلية واسعة، تعيد صياغة دور مؤسسات التعليم العالي، كفضاءات حاضنة للإبداع الثقافي المشترك ومحفزة على الابتكار والتميز الفني والتقني.

حيث يؤسس هذا الحدث لتقاليد أكاديمية جديدة، تعتمد على استدامة التبادل الطلابي والفني، مما يمهد الطريق لإطلاق مشاريع طموحة، مثل الإنتاج المسرحي المشترك وتأسيس شبكات بحثية متخصصة.

كما تتجه الرؤية نحو تعزيز البنية التحتية الثقافية، داخل الحرم الجامعي، وتخصيص موارد إضافية لدعم الفرق الطلابية، وتشجيعها على المشاركة في المهرجانات القارية والدولية، لتمثيل بلدانها بفعالية.

كما يخطو قطاع التعليم العالي بثبات نحو ترسيخ مكانة الجامعة، كمركز إشعاع فكري وجسر متين للتواصل القاري، مما يضمن إعداد كوادر بشرية مسلحة بالمعرفة العلمية والوعي العميق.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"