الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

“إعلام الكذب” العربي ضد إيران.. أين ينتهي الخبر ويبدأ التحريض؟

Author
رتيبة عماري 26 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أثار البرومو الترويجي لبرنامج “الصندوق الأسود”، الذي يقدمه عمار تقي عبر منصة “شاشا” الكويتية، جدلا واسعا في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى طبيعة التغطيات الإعلامية العربية للملف الإيراني، وما يرافقها من اتهامات بتبني سرديات متماهية مع الطرح الصهيوأمريكي على حساب المعالجة المهنية المتوازنة. وفي هذا السياق، استضاف البرنامج، الإعلامي السعودي داود الشريان في حوار تناول ملفات سياسية حساسة، أقر خلاله بأنه “مارس الكذب” أثناء التغطية الإعلامية لحرب الخليج التي اندلعت عقب الاجتياح العراقي للكويت. وعند إسقاط هذه التصريحات على الراهن الخليجي، يبدو أن المشهد برمته يشير إلى وجود كذب إعلامي ممنهج في الإعلام العربي في ظل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، والتي نجحت واشنطن في توريط دول الخليج فيها.

لقد تحوّل ظهور الشريان إلى لحظة سياسية وإعلامية أعادت فتح ملف العلاقة بين الإعلام والسلطة خلال الحروب، خاصة مع حديثه الصريح عن ممارسته “الكذب الإعلامي” أثناء حرب الخليج. وقد أعادت هذه التصريحات إخضاع مرحلة كاملة من التغطيات الإعلامية العربية للمراجعة، بالنظر إلى الدور الذي لعبته في تشكيل وعي الجمهور ضمن سياقات تعبئة سياسية وعسكرية رافقت تلك الحرب، وهو ما ينعكس امتداده اليوم في سياق الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران.

ويطرح هذا الاعتراف جدلا ساخنا في سياق الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، حيث يحيل المشهد الراهن إلى أنماط إعلامية سابقة برزت خلال حرب الخليج، سواء على مستوى صناعة الرواية السياسية أو توجيه الرأي العام أو إعادة تشكيل صورة الخصوم الإقليميين. ويعيد هذا التداخل بين الماضي والحاضر طرح سؤال مركزي حول طبيعة الخطاب الإعلامي العربي اليوم، وحدود ارتباطه بأجندات سياسية تتجاوز الإطار المهني التقليدي للعمل الصحفي. ومن داخل هذه المعطيات، يبرز تساؤل أكثر إلحاحا: كيف يمكن قراءة تصريحات الشريان في سياق العدوان على إيران؟

الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي

في هذا السياق، يربط الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، بين اعتراف داود الشريان وبين طبيعة الأداء الإعلامي المصاحب للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، معتبرا أن القضية تفتح نقاشا قانونيا وأخلاقيا شديد الحساسية حول مسؤولية وسائل الإعلام خلال النزاعات المسلحة، خاصة عندما تتحول التغطية الإعلامية إلى أداة تعبئة سياسية وتوجيه للرأي العام.

إيران في مواجهة “تسليح الإعلام”

ويضع مهران هذه المسألة ضمن الإطار الذي يرسمه القانون الدولي لتنظيم عمل وسائل الإعلام زمن الحروب، موضحا أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنص في مادتها الـ27 على حماية المدنيين من الدعاية المحرضة على العنف، بينما يشدد البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، في مادته التاسعة والسبعين، على حماية الصحفيين في مناطق النزاع شرط التزامهم بصفاتهم المدنية وعدم الانخراط في أنشطة تتعارض مع دورهم المهني.

ويمضي مهران، من خلال هذا الطرح، إلى مقاربة الجانب الأخلاقي المرتبط بالعمل الإعلامي، مستحضرا إعلان المبادئ الأساسية بشأن إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، الصادر عن اليونسكو سنة 1978، والذي تنص مادته الثانية على ضرورة التزام وسائل الإعلام بالدقة والموضوعية، والابتعاد عن الدعاية الحربية والتحريض على الكراهية.

ومن خلال هذا الربط القانوني، يلفت مهران إلى أن قسما من الممارسات الإعلامية العربية خلال الحروب اتجه نحو صناعة التعبئة السياسية وتوجيه الرأي العام ضد إيران، بدل تقديم معالجة مهنية متوازنة تعكس تعقيدات المشهد الإقليمي. وفي هذا السياق، برزت منصات إعلامية عربية بوصفها أدوات لإعادة إنتاج خطاب سياسي يرسّخ صورة إيران باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي في المنطقة، بالتوازي مع تراجع التركيز على الانتهاكات الصهيونية والسياسات الأمريكية التي ساهمت في تفجير أزمات الشرق الأوسط وتوسيع دائرة الصراعات داخله.

وفي مقارنته بين حرب الخليج والحرب على إيران، يوضح مهران أن الاجتياح العراقي للكويت عام 1990 شكّل انتهاكا صريحا للقانون الدولي، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار 660، ثم القرار 678 الذي أجاز استخدام القوة لتحرير الكويت. وفي المقابل، يطرح المشهد المرتبط بإيران تعقيدات قانونية وسياسية أكثر تشابكا، تتداخل فيها ملفات السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية ومنع الانتشار النووي، إلى جانب السياق الإقليمي المرتبط بمشاريع التوسع الصهيوني في المنطقة.

ويشير مهران، في هذا الإطار، إلى أن الخطاب الإعلامي المتصاعد ضد طهران تجاوز، في كثير من الأحيان، حدود التغطية السياسية التقليدية نحو صناعة بيئة تعبئة واسعة تسعى إلى تبرير العدوان على إيران، رغم غياب أي توافق بشأنه، حتى داخل المعسكر الغربي. وفي هذا السياق، برزت قطاعات من الإعلام العربي بوصفها منصات لإعادة إنتاج سرديات سياسية تركّز بصورة مكثفة على تصوير إيران كتهديد دائم للمنطقة، مقابل تراجع الاهتمام بالسياسات الصهيونية والأمريكية التي أسهمت في تفجير أزمات الشرق الأوسط وتعميق حالة عدم الاستقرار فيه.

ويربط مهران هذه التعقيدات بالمادة الثانية، فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها في العلاقات الدولية إلا ضمن حالتي الدفاع الشرعي أو التفويض الصريح من مجلس الأمن، ما يجعل أي خطاب إعلامي يدفع نحو التصعيد أو يبرر الحرب خارج هذه الأطر القانونية جزءا من عملية أوسع تستهدف تهيئة الرأي العام وصناعة قبول سياسي وإعلامي للمواجهة مع إيران.

إدارة العقول في زمن التصعيد.. منطق التعبئة ضد إيران

وفي موازاة المقاربة القانونية المرتبطة بالحرب على إيران، تفرض المقارنة الإعلامية نفسها بقوة داخل النقاش الدائر حول تصريحات داود الشريان، خاصة بعد إعادة فتح ملف «الإعلام التعبوي» المرتبط بالحروب والصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق، يتوسع خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر، ضمن تصريحه لـ”الأيام نيوز”، في تفكيك طبيعة الخطاب الإعلامي العربي خلال الأزمات، معتبرا أن اعتراف الشريان يكشف آليات أوسع تتعلق بإدارة الوعي العام وصناعة الرواية السياسية خلال لحظات التوتر الكبرى.

ميخائيل ماهر، خبير القانون الدولي

ويضع ماهر ما جرى خلال حرب الخليج ضمن سياق متكامل من التوجيه السياسي والإعلامي، حيث تتحرك التغطيات الإعلامية زمن الحروب وفق منطق التعبئة النفسية وصناعة الخصم وتوجيه الرأي العام نحو أهداف سياسية محددة، الأمر الذي يجعل الحرب الإعلامية امتدادا مباشرا للحرب العسكرية والأمنية.

ومن هذا المنطلق، يربط ماهر بين تلك المرحلة وبين الحرب الأمريكية الصهيونية الحالية ضد إيران، معتبرا أن المنطقة تعيش إعادة إنتاج لآليات التأثير القديمة لكن عبر أدوات أكثر تطورا وانتشارا. فالشاشات العربية، وفق قراءته، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحات «حرب ناعمة» يجري عبرها تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الاصطفافات السياسية بما يخدم مشاريع إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة رسم توازنات المنطقة بما ينسجم مع المصالح الأمريكية والصهيونية.

ويبرز في هذا السياق تحول كبير في طبيعة التأثير الإعلامي. ففي مرحلة التسعينيات لعب التلفزيون التقليدي الدور المركزي في صناعة الرواية العامة، بينما دفعت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي اليوم نحو مضاعفة التأثير وتسريع انتشاره، بالتوازي مع توسع قدرة الأنظمة السياسية على إدارة النقاش العام عبر أدوات أكثر تعقيدا وتنظيما.

ومن داخل هذا المشهد، تبرز ظاهرة «الذباب الإلكتروني» باعتبارها الامتداد الرقمي للحرب الإعلامية، حيث ظهرت شبكات إلكترونية واسعة تعيد إنتاج الروايات السياسية بصورة تبدو تلقائية أو شعبية، رغم ارتباطها بإدارة منظمة للرأي العام وتوجيه النقاش نحو مسارات محددة تخدم خطابا سياسيا يستهدف إيران بصورة مباشرة.

ويحذر ماهر من خطورة هذا التحول، خاصة مع دفع القضايا السياسية المعقدة نحو معارك تخوين وتشويه متبادل، الأمر الذي يضعف مساحة النقاش العقلاني ويدفع المتلقي العربي إلى حالة ارتباك وسط التدفق الكثيف للرسائل الإعلامية المتناقضة، بما يفقده القدرة على الفصل بين الحقيقة والدعاية.

وفي صميم هذه المعركة الإعلامية، يضع ماهر إيران بوصفها المحور الرئيسي لحملات التعبئة المتواصلة منذ سنوات، حيث تعمل قطاعات واسعة من الإعلام العربي على ترسيخ صورة محددة عن طهران باعتبارها «الخطر الأكبر» على المنطقة، مقابل تراجع التركيز على الجرائم الصهيونية والانتهاكات الأمريكية المستمرة في فلسطين والمنطقة العربية.

ويقرأ ماهر هذا التحول باعتباره جزءا من إعادة ترتيب أولويات الخطاب الإعلامي العربي بما يخدم مشاريع إقليمية ودولية أوسع، معتبرا أن الاحتلال الصهيوني يستفيد بصورة مباشرة من حالة الانقسام والصراعات الداخلية العربية التي توفر بيئة مناسبة لترسيخ نفوذه الإقليمي وإبعاد الأنظار عن سياساته التوسعية.

كما يربط بين هذا الأداء الإعلامي وبين السياسة الخليجية الحالية تجاه إيران، حيث تتداخل الضغوط الأمريكية مع مشاريع إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، ما يدفع الإعلام إلى لعب دور يتجاوز نقل الأحداث نحو المشاركة في صناعة الرواية السياسية وتوجيهها بما يخدم التوازنات الدولية والإقليمية.

وضمن هذا المسار، يطرح ماهر قضية الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام باعتبارها واحدة من أخطر نتائج الاعترافات المرتبطة بالتضليل الإعلامي. فمع تصاعد شعور المتلقي بأن قسما من التغطيات السابقة خضع للتوجيه السياسي والإعلامي، تتوسع حالة الشك في الخطاب الإعلامي عموما، وتدخل فكرة الحقيقة نفسها في دائرة الاهتزاز، خاصة في ظل الحرب على إيران وما يرافقها من حملات تعبئة سياسية وإعلامية مكثفة.

وتدفع هذه التحولات بالأزمة إلى مستوى يتجاوز مفهوم «الكذب الإعلامي» بصيغته التقليدية، مع ترسخ بيئة إعلامية يختلط داخلها الخبر بالرواية السياسية، والتحليل بالدعاية، بصورة تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الوقائع وخطابات التوجيه. ومع تراجع الثقة بوسائل الإعلام التقليدية، تتوسع الفوضى المعلوماتية، وتجد الشائعات والمنصات غير المهنية مساحة أكبر للتأثير وإعادة تشكيل المزاج العام.

«الكذب الإعلامي» يعود إلى الواجهة

وفي مارس الماضي، أشار داود الشريان نفسه إلى خطورة هذا المسار عندما حذّر من أن الاحتلال الصهيوني يدفع المنطقة نحو توسيع نطاق التدخل الغربي، موضحا عبر حسابه على منصة «إكس»: “فتح الباب لتدخل غربي أوسع، يفضي إلى إعطاء شرعية دولية للحرب، والأخطر أنه يضيف وقودا جديدا للتحريض المذهبي في الإقليم”.

واتسع الجدل أكثر بعد تصريحات الشريان بشأن «الذباب الإلكتروني»، حيث ربط شبكات التأثير الرقمي بجهات رسمية داخل بعض دول الخليج، قائلا في مقطع فيديو متداول: “ما فيه ذباب إلكتروني إلا طالع من نخاشيش دول الخليج”. وقد أعادت هذه التصريحات فتح النقاش حول طبيعة الاشتغال الإعلامي والرقمي في المنطقة، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وما يرافقها من حملات تعبئة سياسية وإعلامية متصاعدة، تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ سرديات بعينها حول طهران ودورها الإقليمي.

جمال واكيم، أستاذ العلاقات الدولية في لبنان

في مقاربة يقدمها أستاذ العلاقات الدولية في لبنان جمال واكيم لـ”الأيام نيوز”، يظهر تصاعد الجدل حول مفهومي «الكذب الإعلامي» و«الذباب الإلكتروني» بوصفهما انعكاسا لمسار تاريخي طويل أعاد تشكيل وظيفة الإعلام العربي، بحيث لم يعد هذا الإعلام، وفق قراءته، كيانا مستقلا ينقل الوقائع أو يفككها بقدر ما بات جزءا من منظومة مركبة تتداخل فيها اعتبارات السلطة والمال والسياسة. ويؤكد في هذا السياق أن “ما يطرح اليوم في الإعلام العربي من حديث عن الكذب الإعلامي أو الذباب الإلكتروني ليس أمرا جديدا، بل هو نتيجة مسار طويل تحول فيه الإعلام في المنطقة إلى جزء من منظومات السلطة والمال والسياسة بدل أن يكون سلطة مستقلة أو مساحة لنقل الحقيقة”.

ومن هذا المنطلق، يضع واكيم التحولات الراهنة داخل سياق أوسع يرتبط بطبيعة التغطيات الإعلامية خلال الحروب الكبرى التي عرفتها المنطقة، حيث لا تتحرك الوسائل الإعلامية، في تقديره، وفق منطق مهني محايد بقدر ما تنخرط في إعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم توازنات القوى الإقليمية والدولية.

ويشير إلى أن “خطورة هذه التصريحات، سواء صدرت عن إعلاميين أو جاءت في سياقات جدلية، أنها تكشف بشكل غير مباشر أن جزءا من التغطيات خلال الحروب الكبرى في المنطقة لم يكن بريئا، بل كان موجها لإعادة تشكيل وعي الجمهور بما يخدم مصالح القوى المهيمنة إقليميا ودوليا، خصوصا في لحظات مثل حرب الخليج أو التوترات المرتبطة بإيران”.

وفي امتداد هذا التحليل، يربط واكيم بين السياق الحالي المتصل بالحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وبين آليات سابقة في إدارة الخطاب الإعلامي، معتبرا أن الاختلاف لا يكمن في البنية بقدر ما يتمثل في الأدوات المستخدمة. فبدلا من الاقتصار على القنوات التقليدية، باتت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من صناعة التأثير وتوجيه الرأي العام. ويشير إلى أن “ربط الإعلام العربي بالحروب الحالية، خاصة الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، يعيد إظهار نفس الآلية القديمة الجديدة، وهي صناعة رواية مسبقة ثم ضخها عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بهدف تهيئة الرأي العام لقبول سياسات التدخل أو الضغط أو العزل حتى لو كان ذلك على حساب الدقة أو التوازن”.

وفي هذا الإطار، تتخذ ظاهرة «الذباب الإلكتروني» موقعا محوريا داخل بنية التأثير الجديدة، إذ لا تيمكن النظر إليها كحالة عفوية أو معزولة، بل كأداة منظمة لإدارة النقاش العام وإعادة توجيهه. ويوضح في هذا السياق أن “ما يقدم على أنه حملات عفوية في مواقع التواصل هو في كثير من الأحيان جزء من إدارة منظمة للرأي العام، حيث يتم توظيف الحسابات والمنصات لتوجيه النقاش نحو اتجاهات محددة وتحويل القضايا السياسية المعقدة إلى حملات تخوين وتشويه متبادل، ما يقتل أي إمكانية لنقاش عقلاني”. هذا النمط من التفاعل الرقمي يعكس انتقال الصراع الإعلامي من الفضاء التقليدي إلى فضاء أكثر تشابكا وسرعة، تتداخل فيه الرسائل وتتشظى فيه المعاني.

الإعلام العربي في دائرة التوتر والتأويل

وتنعكس هذه التحولات، وفق القراءة نفسها، على طبيعة النقاش العام، حيث تتراجع مساحات التحليل الهادئ لصالح أنماط من الاستقطاب الحاد، ما يجعل القضايا السياسية المعقدة عرضة للاختزال والانقسام. وتؤدي هذه البيئة إلى إضعاف إمكانات إنتاج خطاب عقلاني قادر على تفكيك الصراعات بدل إعادة إنتاجها في شكل مواجهات رمزية متكررة.

ويلفت واكيم إلى أن أخطر ما يواجهه الإعلام العربي اليوم لا يكمن فقط في حضور التضليل، بل في اعتياد الجمهور عليه والتعامل معه بوصفه جزءا طبيعيا من المشهد الإعلامي. ويشير إلى أن “أخطر ما في المشهد الإعلامي العربي اليوم ليس فقط وجود التضليل، بل تحوله إلى أمر طبيعي ومقبول لدى الجمهور رغم أنه يعكس أزمة عميقة في بنية الإعلام نفسه”. ويرى أن هذا التطبيع مع التضليل يكرّس تآكل الحس النقدي لدى المتلقي، ويزيد من صعوبة التمييز بين المعلومة الموضوعية والخطاب الموجّه.

ويرتبط ذلك، في العمق، بتراجع استقلالية الإعلام وتحوله في العديد من الحالات إلى امتداد مباشر للصراعات السياسية الإقليمية والدولية، وهو ما يعيد تعريف وظيفة الإعلام من كونه أداة لنقل الوقائع إلى كونه ساحة لتنازع السرديات.

ويختصر واكيم هذا التحول بقوله: “إن الإعلام العربي في شكله الحالي لم يعد في كثير من الحالات لاعبا مستقلا، بل أصبح امتدادا للصراع السياسي الإقليمي والدولي، وهو ما جعل الوقائع نفسها ضحية دائمة بين روايات متنافسة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التأثير والسيطرة على الوعي العام لفائدة القوى المعادية”.

وفي سياق مواز، تعزز قراءة يقدمها أستاذ العلاقات الدولية في لبنان رضا حسن هذا التصور البنيوي للمشهد الإعلامي العربي، حيث يرى أنه يتجاوز مجرد نقل الخبر إلى عملية مستمرة لإنتاج وتثبيت السرديات السياسية داخل الوعي العام. ويؤكد أن “ما يسمى بالإعلام المهني في المنطقة كثيرا ما يتصرف كذراع دعائي ناعم لقوى سياسية وإقليمية، حيث يتم اختيار ما يقال وما يخفى وفق ميزان المصالح لا وفق معيار الحقيقة، ما جعل الجمهور أمام خطاب مزدوج لا يمكن الوثوق به بشكل كامل”.

ويضع حسن هذا الانزياح ضمن أزمة أوسع تتعلق بانهيار الحدود الفاصلة بين الخبر والدعاية، إذ يرد في تحليله أن “أخطر ما في المشهد الإعلامي العربي اليوم هو انهيار الحد الفاصل بين الخبر والدعاية، بحيث باتت بعض المنصات تعمل بمنطق التعبئة السياسية أكثر من عملها بمنطق الصحافة، بالأخص في القضايا الكبرى مثل الحروب والصراعات الإقليمية”. ويجري هذا التبدل بالتوازي مع توسع توظيف الإعلام كأداة ضمن تنازع النفوذ الإقليمي، ما يعمّق منطق الاصطفاف داخل الخطاب الإعلامي.

أما على المستوى الرقمي، فتبرز ظاهرة «الذباب الإلكتروني» كامتداد مباشر لهذه التحولات، حيث تتحول المنصات الافتراضية إلى ساحات لإعادة إنتاج الروايات وتوجيه النقاش العام. ويوضح أن “ظاهرة الذباب الإلكتروني ليست سوى الوجه الرقمي لهذه الأزمة، حيث تُدار معارك الرأي العام عبر جيوش افتراضية تعيد إنتاج نفس الروايات وتهاجم أي صوت مخالف، ما يحول الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع موجهة لا علاقة لها بالنقاش الحر”.

↑