«إكسبو 2020 دبي».. الجناح الجزائري يطير بزائريه إلى عوالم التاريخ الإنساني

استقبل الجناح الجزائري في معرض إكسبو 2020 دبي ـ منذ بداية هذه التظاهرة العالمية في 1 أكتوبر/ تشرين الاول الماضي ـ أكثر من 150 ألف زائر انتقلوا من خلاله في رحلة افتراضية عبر الإرث الحضاري الجزائري المفتوح على آفاق تنموية واعدة.

ويعتبر هذا العدد من الزائرين “مقبولا جدا” بالنظر للظرف الصحي الذي تمر به مختلف دول العالم جراء جائحة كورونا وما نجم عنه من قيود على حركة التنقل الدولي، حسبما صرح به مدير الجناح، مقران أورحمون.

ويرتفع مستوى الإقبال عموما نهاية الأسبوع، كما يتأثر إيجابا خلال التظاهرات والعروض على غرار الأسبوع السياحي والثقافي من 9 إلى 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، يؤكد المتحدث.

وجذب الجناح الجزائري اهتمامات الزوار ـ من مختلف الجنسيات الأجنبية الزائرة للمعرض ـ الراغبين في الاطلاع والتعرف عن قرب على المقدرات السياحية للجزائر، وما يعرضه الجناح من موضوعات مختلفة تتناول الطاقات المتجددة ومشاريع النقل وتحلية المياه.

وزينت منتوجات الصناعة التقليدية الجناح لإعطاء لمسة خاصة مع تخصيص فضاء للمنتوجات المصنفة من قبل اليونيسكو على غرار الشدة التلمسانية والإمزاد.

وقالت المدير العام للديوان الوطني للسياحة «صليحة ناصر باي» في تصريح صحافي لوسائل الإعلام المحلية والدولية، إن مشاركة الديوان الوطني للسياحة في إكسبو 2020 دبي، فرصة لعرض المقدرات السياحية الجزائرية أمام العالم القادم إلى دبي، فالجزائر بلد سياحي بامتياز نظير ما يتمتع به من قدرات سياحية كبيرة وأماكن تراثية عريقة تعود الآلاف السنين.

وأضافت صليحة: “إكسبو 2020 دبي حدث عالمي يجب ألا نفوّته للتأكيد على دور السياحة في التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل تماشياً مع خطة الحكومة في البلاد”، مضيفةً: إن “الديوان الوطني ومن خلال الجناح الجزائري يقدم صورة عن أصالة وعراقة الأمة الجزائرية وتاريخها الممتد عبر الجهات الأربع للوطن تعبر عنه المشاركة المميزة في إكسبو بحضور العديد من اللاعبين في المهمين في القطاع السياحي».

واقع افتراضي

وعّزز الجناح الجزائري تجربة الزوار بالواقع الافتراضي التي مكنت زوار الجناح من القيام بجولة افتراضية حول المعالم السياحية الشهيرة في مختلف المدن الجزائرية الساحلية والصحراوية تقول صليحة.

وتملك الجزائر 282 منبعاً للمياه المعدنية على مستوى البلاد، موزعة على 182 منبعاً تابعة للقطاع الخاص ونحو 10 منابع عمومية تستقبل ما لا يقل سنوياً عن 6 ملايين سائح أجنبي ومحلي.

واستقبلت الجزائر في 2019 نحو ثلاثة ملايين سائح أجنبي خاصةً القادمين من أوروبا الغربية مثل ألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج، وبدأت الجزائر أخيراً في استقبال الوفود السياحية الروسية مع الفتح التدريجي للحدود وعودة الرحلات الجوية.

وقالت صليحة إن الجزائر تعمل على التحضير لما بعد كورونا من خلال التركيز على الترويج السياحي الخارجي مع الاهتمام بتعزيز السياحة المحلية التي كانت الداعم الرئيسي للقطاع خلال العامين الماضيين.

من جهتها قالت برشيش فازية المديرة العامة للوكالة الوطنية للصناعات التقليدية، إن الصناعة التقليدية تلعب دوراً كبيراً في الترويج السياحي وخلق فرص العمل للعائلات والشباب.

وأضافت فازية: “مشاركتنا في إكسبو 2020 دبي، فرصة لنا للتواصل مع العالم في هذا الحدث العالمي وهي نافذة لنا للوصول إلى جنسيات لم نكن لنصل إليها”، مؤكدةً: “الكثير من زوار الجناح اهتموا وأعجبوا بمنتجاتنا التقليدية وهي جزء من الترويج السياحي”.

برنامج ثري

من جهتها قالت فيروز شريفي المكلفة بالإعلام في الجناح الجزائري، إن الأسبوع السياحي والثقافي هو الحدث الأول للجناح ضمن برنامج ثري سيقدمه الجناح في إكسبو 2020 دبي.

وأضافت شريفي: “الفعاليات المقبلة داخل الجناح ستكون سياحية اقتصادية علمية ثقافية تتناسب وطبيعة الحدث العالمي لأجل إبراز قدرات الجزائر الاقتصادية والسياحية والثقافية والاستثمارية، الحدث فرصة هامة للتواصل مع الغير”.

وعبّر الكثير من الزوار عن إعجابهم بالجناح الجزائري وبالمحتوى الذي يقدمه، حسب تقرير نشرته وكالة الأنباء الجزائرية، ويقول، في هذا الصدد، مصطفى من العراق إنه استطاع التعرف أكثر بفضل الجناح على ثقافة الجزائر في شمولها وفي مختلف جوانبها من لباس وطبخ وموسيقى وحرف تقليدية ومنتجات.

وأضاف بأن الخلفية التي يحملها ككل عربي عن الجزائر، باعتباره بلدا للتضحيات، كانت بمثابة حافز له للمجيء إلى الجناح الجزائري ليجد فيه “بلدا بحجم قارة بكل ما فيه من موارد ضخمة وجمال للطبيعة وحسن معاملة”.

وأكد، بدوره، منصور من الإمارات أن زيارة الجناح مكنته من الانتقال بين ماضي ومستقبل الجزائر ولمس مؤشرات تطور واعدة.

أما فيرونيكا من بنما فأكدت أن البعد الجغرافي للجزائر عن بلدها جعلها تتوق للتعرف على ثقافتها، قائلة: “ما رأيناه أنا وزوجي يعد مدهشا.. شاهدنا مثلا كيف تحتفي الثقافة الجزائرية بجمال المرأة من خلال ملابس رائعة وكيف أن الاقتصاد الجزائري يستعد لتحقيق قفزة من خلال موارده الهائلة..”.

وعبرت فيرونيكا عن أملها في أن تحتك الدول البعيدة كـ«بنما» بهذا البلد (الجزائر)”.

من جهته، صرح أمجد من سوريا بعد نهاية زيارته للجناح أنه “عاش تجربة فريدة اطلع فيها عن جزء من تاريخ الجزائر قبل أن ينتقل تدريجيا عبر مختلف محطات تطورها وآفاقها المستقبلية”، داعيا إلى الاستمتاع بهذه الزيارة التي تترك “انطباعا خاصا”.

من عمق التاريخ الإنساني إلى تطلعات مستقبلية واعدة

يقدم الجناح الجزائري في معرض إكسبو 2020 دبي لزائريه رحلة ينقلهم فيها من الإرث الحضاري للجزائر إلى الآفاق التنموية الواعدة التي تصبو إلى تحقيقها.

وتنطلق هذه الرحلة من التصميم الخارجي اللافت للجناح والمستلهم من القصبة العتيقة بالعاصمة، المصنفة من طرف منظمة “يونسكو” كتراث عالمي، دلالة على التجذر التاريخي للجزائر وزخمها الثقافي.

وبعد ولوج المدخل الخارجي، يمر الزائر أولا عبر فناء واسع “وسط الدار” محاط بأبواب منقوشة تعلوها شرفات مميزة بدعائمها الخشبية، وعلى يسار الفناء يجد الزائر رواقا تبرز فيه عناصر فنية أخرى للهندسة المعمارية القديمة بالعاصمة كالأقواس والأعمدة الموريسكية.

وتم اختيار هذا الفضاء المفتوح ليكون أول مكان يلتقيه الزائر في جناح الجزائر للتعبير عن انفتاح الإنسان الجزائري نحو الأخر، لاسيما وأن إكسبو 2020 دبي اتخذ من العيش معا شعارا رئيسيا له.

وفي هذا الصدد، قال محافظ الجناح الجزائري في معرض إكسبو، مختار عطار لوكالة الأنباء الجزائرية: “إن الإنسان الجزائري لديه استعداد فطري لربط علاقات مع الآخر. أكثر من ذلك، إنه يتميز بشاعرية في العلاقة، تتجلى بالأخص من خلال مظاهر سخائه الفريدة”.

وفور دخول الجناح، يشرع الزائر في تجربة سفرية مميزة ينتقل فيها وفق مسار تصاعدي عبر عدة محطات تظهر العمق الحضاري للجزائر وطموحاتها المستقبلية.

أولى هذه المحطات، الموقع الأثري لعين بوشريط (سطيف) حيث اكتشف فريق عملي جزائري أدوات حجرية مرتبطة بعظام حيوانات قديمة.

ويقوم الجناح بعرض هذه الأدوات الحجرية مع فيديوهات لمجريات أعمال التنقيب الأثري التي أكدت التواجد الإنساني على أرض الجزائر منذ 2,4 مليون سنة على الأقل، ويأتي هذا تأكيدا على قدم الحضارة في الجزائر ليكون “أبلغ رد على المشككين في تاريخ البلاد وشعبها”، حسبما صرح به محافظ الجناح الجزائري.

طريق الرحلة

وبالنظر لتواجده بمنطقة العرض “التنقل” وهي أحد المواضيع الثلاث الرئيسية لإكسبو 2020 دبي (إلى جانب الفرص والاستدامة)، اختار الجناح الجزائري الارتكاز على مفهوم “الرحلة” من خلال الانتقال من تنمراست إلى الشمال الجزائري عبر الطريق العابر للصحراء الذي يُعدّ أحد أهم المشاريع التنموية الكبرى في المنطقة إذ يمر عبر خمس دول أخرى وهي تونس ومالي ونيجر وتشاد ونيجيريا على مسافة 4500 كم.

وتتواصل الزيارة بعدها لتحط بعين صالح التي تمثل رحلة الطاقة المتجددة ثم مدينة غرداية التي تمثل رحلة الماء، ومنطقة بوغزول أين ستقام مدينة ذكية بغضون عام 2030 وصولا بالجزائر العاصمة.

وتبرز مختلف هذه المحطات تطلعات الجزائر ومشاريعها الكبرى المهيكلة وموقعها على الساحة الدولية ودورها الرائد في إفريقيا، كما تتجلى من خلالها رؤية الجزائر الاستشرافية التي تعتمد على الانتقال الطاقوي وتطوير التكنولوجيات الحديثة والاندماج الإقليمي.

وتنتهي الرحلة في قاعة العروض بتقديم فيلم يوضح الإمكانات السياحية، الثقافية والتنموية للجزائر واعتقاد مواطنيها الراسخ بمستقبل أفضل، وفي قدرة بلادهم على المساهمة في التنمية حول العالم.

وصرح «عطار» في هذا السياق: “إن هذه الرحلة تمثل تعبيرا واضحا عن ثقة الجزائري بنفسه واعتزازه بتاريخه، فهو في الوقت الذي يسعى للحفاظ على إرثه الحضاري، تجده منفتحا على العصرنة”.

وقبل خروجه من الجناح الجزائري، يمكن للزائر أن يعلق ورقة في “جدارية التواصل” يتقاسم فيها مشاعره وانطباعاته وآرائه مع الآخرين حول هذه “الرحلة”.

ولاقت الفكرة استحسان الزوار بدليل أن عدد الزوار الذين تفاعلوا معها من خلال التعبير عن آرائهم على الجدارية بلغ إلى حد الآن حوالي 20 ألف زائر، حسب «عطار» الذي أكد بأن الجناح الجزائري من الأجنحة القليلة إن لم يكن الوحيد الذي جسد فكرة الجدارية.

جدارية التواصل

وفي الوقت الذي كانت فيه زيارة الجناح الجزائري فرصة لـ«فرح» سمحت لها بالتقرب من بلدها الأصلي الذي لم تزره منذ سنوات، فإن هذه المقاولة المقيمة بفرنسا ودبي استطاعت التقرب أكثر بفضل هذه التظاهرة من مهنيين في مجال تخصصها لبحث فرص أعمال مستقبلية.

ويعتبر الزائر عبد الحق من ولاية سطيف أن الجناح الجزائري في إكسبو 2020 دبي يشكل مصدر “فخر واعتزاز” بالنظر للصورة الإيجابية التي يقدمها للأجانب.

ويقول بهذا الخصوص: “رأيت كيف أن الأجانب الذين يحملون جنسيات مختلفة يخرجون بانطباع جيد عن بلدنا بفضل حفاوة الاستقبال وبفضل ما يكتشفونه من إمكانيات في مختلف المجالات”.

يذكر أن منظمي الجناح الجزائري وضعوا في متناول الزوار “جدارية التواصل”، تسمح بتقاسم مشاعرهم والتعبير عن انطباعاتهم وآرائهم، وحظيت هذه الفكرة بإعجاب الكثير من خبراء الاتصال الذين زاروا الجناح الجزائري، حسب أورحمون.

ويتكفل أحد الإطارات المنظمين بقراءة كل ما يكتبه الزوار وبتحليل مضمونه، يضيف مدير الجناح مؤكدا أنه بالرغم من أن “ديمقراطية الحائط تسمح بالانتقاد دون قيود إلا أن آراء الزوار كانت جد إيجابية في معظمها”.