الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

إمكانات ضخمة وسلوكيات مقلقة.. هل ينجح رهان السياحة الداخلية بالجزائر؟

Author
الطيب سعد الله 19 يوليو 2025
X Facebook TikTok Instagram

بين الطبيعة البكر التي تزخر بها الجزائر، من الشواطئ الذهبية الممتدة على أكثر من 1600 كيلومتر على ساحل البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بسلاسل جبال الأطلس المهيبة التي تحيط بها الغابات الكثيفة والوديان الساحرة، وصولاً إلى الصحراء الكبرى التي تشكل أكبر متحف مفتوح في العالم للمناظر الطبيعية والتاريخية، يجد السائح الجزائري نفسه أمام خيارات سياحية متنوعة وثرية تكاد تلبي مختلف الأذواق والميولات.

غير أن هذه الإمكانات الهائلة تصطدم بواقع مغاير يتسم بضعف البنى التحتية السياحية وضعف الرقمنة، وغياب ثقافة الاستقبال لدى بعض المتعاملين، وارتفاع نسبي في أسعار الخدمات الفندقية مقارنة بمستوى الجودة، إلى جانب ذهنية السائح الجزائري في بعض الحالات، هي عناصر تعرقل تطور السياحة ككل، وتعيق استقطاب المواطن العادي نحو السياحة الداخلية، وتدفع شريحة واسعة من الجزائريين إلى البحث عن وجهات خارجية توفر لهم الراحة والاستجمام وفق معايير عالمية، فهل الخلل في السياحة أم السائح؟

طفرة استثمارية في السياحة الجزائرية.. لكن الطريق ما زال طويلًا

أكدت الخبيرة في السياحة الدكتورة ليندة عمي موسى لـ”الأيام نيوز” أنه رغم الصورة النمطية التي ظلت تلاحق القطاع السياحي لسنوات، تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة ديناميكية جديدة بفضل مشاريع فندقية ومنتجعات سياحية تهدف إلى رفع القدرة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات. فقد كشف تقرير لوزارة السياحة والصناعات التقليدية عن دخول 47 فندقًا جديدًا حيز الخدمة سنة 2024، ما ساهم في رفع عدد الأسرة الفندقية إلى أكثر من 255 ألف سرير، ضمن مخطط وطني يضم أكثر من 2100 مشروع سياحي قيد الإنجاز في أفق 2030.

إلا أن هذه الطفرة -ورغم أهميتها- لا تزال غير كافية لمواكبة الطلب المتزايد، خاصة خلال موسم الصيف، كما أكدت الدكتورة ليندة عمي موسى، الخبيرة في السياحة والأستاذة المحاضرة، في تصريحات خاصة لـ”الأيام نيوز”، أن “هناك حاجة إلى حلول عاجلة لتخفيف الضغط خلال ذروة الموسم، مثل اعتماد رزنامة للعطل الصيفية موزعة على أربعة أشهر مع عروض أسعار تنافسية من جوان إلى سبتمبر، مع الإبقاء على شهر أوت كذروة بأسعار أعلى. كما يجب تشجيع إنشاء هياكل إيواء بديلة وسريعة الإنجاز، كالمخيمات ودور الضيافة والشاليهات مسبقة الصنع، لتوسيع العرض بسرعة”.

أسعار مرتفعة وجودة متذبذبة

من جهة أخرى، تشكل الأسعار أحد أكبر التحديات أمام السياحة الداخلية، حيث تتراوح تكلفة الليلة الواحدة في الفنادق الجزائرية المصنفة بين 11 ألفا و50 ألف دينار حسب التصنيف، مع تفاوت كبير في جودة الخدمات.

وفي هذا الإطار، شددت الدكتورة عمي موسى في حديثها لـ”الأيام نيوز” على أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب “زيادة العرض وتنوعه، ما سيؤدي تلقائيًّا إلى خفض الأسعار”.

وأضافت: “فرض رقابة صارمة من قبل مفتشيات السياحة والتجارة أمر ضروري لتحسين جودة الخدمات. كما ينبغي إلزام المؤسسات الفندقية بتوظيف كفاءات مؤهلة، أو على الأقل، استقبال متدربين من مدارس التكوين السياحي خلال فترات الذروة. ولا بد أيضًا من تحديد سقف لأسعار بعض الخدمات وأخذ شكاوى الزبائن بجدية، سواء عبر الدفاتر المخصصة أو المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي”.

النقل.. الحلقة الأضعف في المنظومة السياحية

وتطرقت الدكتورة عمي موسى إلى النقل السياحي باعتباره أحد العوائق الكبرى أمام انتعاش السياحة الداخلية، حيث يضطر أغلب الجزائريين إلى استخدام سياراتهم الخاصة للوصول إلى المواقع السياحية، ما يقصي فئات واسعة من هذه التجربة.

واقترحت الخبيرة، في تصريحاتها لـ”الأيام نيوز”، استراتيجية متكاملة لتطوير النقل السياحي، موضحة أنه “يجب توفير حافلات نقل دائمة ومنتظمة عبر الخطوط السياحية والمراكز المؤهلة، خاصة بالمواقع السياحية داخل المدن، مع تحسين الترددات وجدولة رحلات ليلية، إضافة إلى تعميم النقل البحري بين المدن الساحلية. أما بالنسبة للرحلات الطويلة، فإن الاستثمار في شبكة السكك الحديدية يمثل خطوة أساسية نحو سياحة مستدامة”.

نحو نموذج سياحي أصيل ومستدام

في ظل هذه التحديات، تعمل الحكومة على تنفيذ برامج لتأهيل المحطات السياحية، وتكوين الموارد البشرية، واستقطاب الاستثمارات الخاصة لتطوير وجهات داخلية، خاصة في الجنوب والصحراء.

لكن الخبيرة السياحية ترى أن “هذا أمر جيد، لكن نجاح هذه الجهود مرهون بإرادة قوية لتحديد نموذج الوجهة السياحية الجزائرية بدقة، والعمل على بناء منتج أصيل يلبي تطلعات السياح المحليين والمغتربين أولًا، وهو ما سيمهد الطريق لاحقًا لانفتاح أكبر على السياحة الدولية”.

سلوكيات تحتاج إلى تصحيح لضمان سياحة داخلية راقية

وأكدت الدكتورة ليندة عمي موسى لـ”الأيام نيوز” على وعي السائح الذي يعدّ عنصرا حاسما والمرافقة الرقمية التي أصبحت ضرورة إلى جانب التحديات المرتبطة بالبنى التحتية وجودة الخدمات السياحية والأسعار، حيث تسجل بعض المواقع السياحية في الجزائر مظاهر سلبية تصدر عن فئة من مرتادي الفضاءات العامة، وهي ممارسات قد تؤثر سلبًا على صورة السياحة الداخلية، وعلى جودة تجربة الزوار أنفسهم.

ففي الكثير من الحالات، تتحول بعض الشواطئ والغابات والمناطق الجبلية إلى فضاءات تعج بالمخلفات بعد انتهاء فترات الذروة، نتيجة ضعف الوعي البيئي لدى البعض، وغياب ثقافة الحفاظ على نظافة المكان المشترك.

كما تعاني بعض المعالم التاريخية والمواقع الأثرية من ممارسات غير مسؤولة، كترك كتابات على الجدران أو محاولة نقل قطع صغيرة كتذكارات شخصية، وهي أفعال قد تبدو بسيطة، لكنها تترك أثرًا دائمًا وتشوه القيمة الجمالية والتاريخية لهذه الأماكن.

وفي تعليقها على هذه الظواهر، أكدت الدكتورة ليندة عمي موسى، خبيرة السياحة والأستاذة المحاضرة، لـ”الأيام نيوز” أن الحل يكمن في الجمع بين التوعية والردع، قائلة:

“الحملات التحسيسية مهمة، لكنها وحدها، لا تكفي لأنها غالبًا ما تصل لشريحة محدودة. السلوكيات السلبية تحتاج إلى مواجهة بإجراءات رقابية صارمة وغرامات مالية، فهي أدوات اقتصادية فعالة لتغيير السلوك وضمان احترام الفضاءات العامة”.

الرقمنة كرافعة أساسية لتجربة سياحية متكاملة

من بين الإشكاليات التي يعاني منها السائح المحلي أيضًا، غياب الخدمات الرقمية الحديثة، مثل الدفع الإلكتروني والحجز عبر الإنترنت، مما يعقد تجربة السياحة الداخلية ويجعلها تبدو بعيدة عن المعايير العالمية.

وترى الدكتورة عمي موسى أن هذا النقص أصبح غير مبرر في ظل توفر الحلول، مشددة على أن: “إدماج الرقمنة في المنظومة السياحية لم يعد خيارًا بل ضرورة. يجب أن يصبح ذلك التزامًا قانونيًّا تحت طائلة الغرامات، مثلما طلبت مديرية التجارة من التجار تجهيز أنفسهم بأجهزة الدفع الإلكتروني. أما في ما يخص الحجوزات، هناك بالفعل منصات جزائرية مثل Nemlatic  وWego، لكن المشكلة تكمن في أن الزبون الجزائري لم يعتد بعد على استخدامها، ما يتطلب حملات توعية لتغيير هذه الذهنية”.

نحو رؤية شاملة لتطوير السياحة

وفي رؤيتها لإعادة إنعاش القطاع بشكل مستدام على المدى القصير، والمتوسط والطويل، أكدت الخبيرة السياحية أن الجزائر بحاجة إلى تحديد نموذج واضح للسياحة، موضحة في حديثها لـ”الأيام نيوز”: أن “هناك حاجة لإرادة قوية من السلطات لتحديد نوع الوجهة السياحية التي نريد بناءها: هل نركز على السياحة الوطنية أم نوجه الجهود نحو جذب السائح الأجنبي؟ حاليًّا نرى أن السياحة الوطنية بالشمال والسياحة الدولية بالجنوب تعيد إنتاج النموذج القديم نفسه للثمانينيات والتسعينيات”.

وتابعت: “النجاح يبدأ بكسب رهان السياحة الداخلية والمغتربين الجزائريين، لأن هذه الفئة متطلبة ومرتبطة بالتقاليد وتحترم القيم المحلية، وهي صفات تجعل من الجزائر وجهة أصيلة وفريدة يمكن تسويقها لاحقًا للسوق الدولية. تحقيق هذا النجاح على المديين القصير والمتوسط سيمهد الطريق لانفتاح مستدام على السياحة الخارجية”.

مسؤولية مشتركة للنهوض بالسياحة الداخلية

إن السياحة الداخلية في الجزائر تقف اليوم على مفترق طرق حاسم. وبينما تبذل الدولة جهودًا كبيرة عبر مشاريع فندقية وتحفيز الاستثمار وتأهيل الموارد البشرية، تبقى هذه المجهودات منقوصة إذا لم يرافقها وعي مجتمعي واسع يقوم على إدراك المواطن لدوره الحيوي في الحفاظ على نظافة الفضاءات العامة واحترام خصوصية المواقع التاريخية.

كما خلصت الدكتورة ليندة عمي موسى إلى أن “بناء قطاع سياحي داخلي قوي لا يتحقق فقط عبر الفنادق الفخمة والمشاريع الكبرى، بل يتطلب شراكة واعية بين الحكومة والقطاع الخاص والسياح، لرسم تجربة سياحية راقية تجعل الجزائري يقتنع بأن بلده يمتلك كل مقومات العطلة المثالية”.