الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

“إيني” تدخل مشروع تيميمون.. عندما تتحول الشراكة الجزائرية-الإيطالية من الطاقة إلى الغذاء

Author
صبرينة عيلان 21 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يبرز المشروع الزراعي الجزائري-الإيطالي بولاية تيميمون كأحد أكبر المشاريع الموجهة لتطوير الزراعة الصحراوية، باستثمار إجمالي يقدر بنحو 420 مليون يورو، وعلى مساحة تقارب36 ألف هكتار، مع استهداف توفير نحو6700 منصب عمل، بينها مناصب دائمة وأخرى مرتبطة بمراحل الإنجاز والإنتاج والخدمات اللوجستية.

ولا تقتصر أهمية المشروع على حجم التمويل والمساحة المستهدفة، بل تتصل بطبيعته كاستثمار متكامل يسعى إلى الجمع بين الإنتاج الزراعي والتخزين والتحويل الصناعي واللوجستيك، مع توجيه جزء أساسي من النشاط نحو إنتاج محاصيل استراتيجية تشمل القمح والبقوليات وفول الصويا، بما يفتح المجال أمام رفع مساهمة الزراعة الصحراوية في تلبية الطلب الوطني وتعزيز قدرات الجزائر على تقليص فاتورة استيراد المواد الغذائية، خاصة الحبوب والبقوليات.

50 مليون يورو.. إيني تدخل رأسمال شريك مشروع تيميمون

ويكتسب هذا الاستثمار بعدا إضافيا مع بروز معطيات مالية تكشف دخول مجموعة الطاقة الإيطالية “إيني”، عبر شركة تابعة لها، إلى رأسمال “BF International”، الشركة التي تمتلك الحصة الإيطالية في المشروع، من خلال عملية بلغت قيمتها نحو 50 مليون يورو. ويعكس هذا التطور تشابكاً متزايداً بين الاستثمارات الزراعية والطاقة والصناعة ضمن الشراكة الاقتصادية الجزائرية-الإيطالية، مع ضرورة التمييز بين قيمة دخول “إيني” إلى رأسمال الشركة الدولية وبين قيمة الاستثمار المخصصة مباشرة لمشروع تيميمون، إذ إن مبلغ 50 مليون يورو يمثل عملية مساهمة رأسمالية في الشركة المالكة للحصة الإيطالية، وليس تمويلاً إضافياً مستقلاً للمشروع الزراعي.

وفي المقابل، تحتفظ الجزائر بدور محوري في هيكلة المشروع، من خلال امتلاك الصندوق الوطني للاستثمار نسبة 49 بالمائة من الشركة الجزائرية المشرفة على الاستثمار، في مقابل 51 بالمائة للطرف الإيطالي، مع امتلاكه صلاحيات مؤثرة في اعتماد الاستراتيجية والميزانية والخطة الصناعية، بما يضمن حضور الطرف الجزائري في القرارات الأساسية المرتبطة بمستقبل المشروع وتوجهاته الاستثمارية.

ويأتي ذلك في وقت يتجه فيه المشروع إلى توسيع رقعته المستغلة تدريجياً، حيث استهدفت الخطة رفع المساحة المزروعة من نحو 7 آلاف هكتار إلى 13 ألف هكتار خلال حملة 2026، أي زيادة تقدر بـ6 آلاف هكتار، في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة التأسيس إلى توسيع النشاط الإنتاجي. ويُنتظر أن يسمح هذا التوسع بتقييم المردودية الفعلية للزراعة الصحراوية، ومدى قدرة التقنيات الحديثة وأنظمة الري والميكنة على تحقيق إنتاج تنافسي ومستدام في الظروف المناخية للجنوب.

ومن هذا المنطلق، لا يمثل مشروع تيميمون مجرد عملية استصلاح لمساحات شاسعة من الأراضي، وإنما يطرح رهانا اقتصاديا أوسع يتعلق بقدرة الجزائر على بناء نموذج جديد للزراعة الصحراوية، يقوم على الاستثمار طويل الأمد، وترشيد استهلاك المياه، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتكوين الكفاءات الوطنية، وربط الإنتاج الفلاحي بالصناعة التحويلية، بما يسمح بإبقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

كما يطرح المشروع أسئلة جوهرية حول مدى مساهمته الفعلية في تعزيز الأمن الغذائي وتقليص فاتورة استيراد الحبوب والبقوليات، وقدرته على تحقيق إنتاجية مرتفعة ومستدامة، فضلاً عن طبيعة الإضافة التي يمكن أن تقدمها الخبرة الإيطالية في مجالات البذور والري والميكنة والرقمنة الزراعية، وكيفية ضمان انتقال هذه المعرفة إلى المهندسين والتقنيين والفلاحين الجزائريين.

تيميمون.. الاستثمار الإيطالي يعزز الأمن الغذائي

وفي قراءة اقتصادية لهذا المشروع، أكد الخبير الاقتصادي حاكم بوحفص، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن أهمية الشراكة الجزائرية-الإيطالية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الإنتاج المنتظر، وإنما بقدرتها على خلق نموذج اقتصادي وفلاحي متكامل يجمع بين الأرض والاستثمار والتكنولوجيا والتكوين والصناعات التحويلية والتسويق، بما يسمح بتحويل الإمكانات التي يزخر بها الجنوب إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

وأوضح بوحفص أن تيميمون تمتلك مؤهلات مهمة لتطوير الزراعة الصحراوية، غير أن نجاح المشاريع الكبرى في هذه المناطق يتطلب الانتقال إلى مقاربة أكثر شمولاً، لا تركز على الإنتاج وحده، وإنما تشمل التحكم في المياه، وترشيد استعمالها، والميكنة، والرقمنة، وتحسين نوعية البذور، ورفع مردودية الهكتار، فضلاً عن تطوير سلاسل التخزين والتحويل والنقل.
ويرى الخبير الاقتصادي أن الرهان الأساسي لأي استثمار فلاحي استراتيجي في الجنوب يجب أن يكون تعزيز الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، لاسيما في المنتجات التي تمثل فاتورة استيرادها عبئاً على الميزان التجاري.

وفي هذا السياق، قال بوحفص إن المشروع الجزائري-الإيطالي في تيميمون يمكن أن يساهم، على المدى المتوسط، في زيادة الإنتاج المحلي من الحبوب والبقوليات وغيرها من المنتجات الزراعية، شريطة بلوغ مستويات إنتاجية مرتفعة ومستدامة.

وأضاف أن تقليص فاتورة الاستيراد لا يتحقق بمجرد زيادة المساحات المزروعة، وإنما من خلال رفع الإنتاجية وتحسين نوعية المحاصيل وتقليص ضياع الإنتاج وتطوير التخزين والتحويل، مشيراً إلى أن كل هكتار إضافي يتم استغلاله بكفاءة يجب أن يتحول إلى جزء من منظومة وطنية متكاملة للأمن الغذائي.
وأشار إلى أن الجزائر تمتلك، خصوصاً في الجنوب، إمكانات تسمح بتوسيع المساحات الزراعية، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق زراعة ذات مردودية اقتصادية مرتفعة، وليس فقط زراعة واسعة المساحة.

الزراعة الصحراوية من تجربة محلية إلى نموذج وطني

وبحسب بوحفص، فإن أهمية مشروع تيميمون تتجاوز حدوده الجغرافية، إذ يمكن أن يتحول إلى نموذج قابل للتعميم على ولايات الجنوب والهضاب والمناطق ذات الإمكانات الزراعية غير المستغلة بالشكل الكافي.

وقال إن نجاح التجربة سيعطي دفعة قوية للاستثمار الفلاحي في الجنوب، خاصة إذا تم توثيق التقنيات المستخدمة وقياس نتائجها من حيث الإنتاجية واستهلاك المياه وتكاليف الإنتاج والربحية، ثم نقلها إلى مناطق أخرى وفق خصوصية كل منطقة.

وأضاف أن الجزائر مطالبة اليوم ببناء نموذج خاص للزراعة الصحراوية يقوم على التكنولوجيا والاقتصاد في المياه والميكنة والطاقات المتجددة، بدلاً من نقل نماذج زراعية تقليدية من الشمال إلى الجنوب دون مراعاة للظروف المناخية والبيئية.

وأوضح أن الزراعة الصحراوية يمكن أن تصبح، في حال توفر الشروط التقنية والاقتصادية، أحد محركات التنمية في الجنوب، ليس فقط من خلال توفير المنتجات الغذائية، بل كذلك عبر خلق مناصب الشغل، وتنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الخدمات اللوجستية، وفتح المجال أمام الصناعات التحويلية.

وفي حديثه عن الدور الإيطالي، أكد الخبير الاقتصادي أن القيمة المضافة الحقيقية للشراكة يجب ألا تختزل في التمويل أو في جلب التجهيزات، وإنما في نقل التكنولوجيا والخبرة والمعرفة الفنية إلى الجزائر.

وقال بوحفص إن إيطاليا تمتلك خبرة معتبرة في المجال الزراعي، خصوصاً في المكننة، وأنظمة الري، والرقمنة، والتحكم في الإنتاج، والصناعات الغذائية، وبالتالي فإن الشراكة يمكن أن تكون فرصة أمام الجزائر للاستفادة من هذه الخبرات وتكييفها مع خصوصيات الزراعة الصحراوية.

وأضاف أن استخدام تقنيات الري الحديثة يمكن أن يلعب دوراً محورياً في استدامة المشاريع الزراعية في الجنوب، لأن المياه تمثل أحد أهم عناصر التكلفة والاستدامة في هذا النوع من الاستثمارات.

وأكد أن الهدف ينبغي أن يكون إنتاج أكبر كمية ممكنة بأقل استهلاك مائي ممكن، وهو ما يتطلب الاستثمار في أنظمة الري الذكية، ومراقبة الرطوبة، وتحليل التربة، والرقمنة، وتوظيف البيانات في اتخاذ القرار الزراعي.

كما شدد على أهمية استخدام الميكنة الحديثة في مختلف مراحل العملية الزراعية، من الحرث والبذر إلى الحصاد والتخزين، لأن رفع الإنتاجية لا يرتبط فقط بمساحة الأراضي، بل كذلك بسرعة ودقة تنفيذ العمليات الزراعية.

ويرى بوحفص أن نقل التكنولوجيا يجب أن يكون التزاماً واضحاً داخل عقود الشراكة والاستثمار، وليس مجرد نتيجة جانبية للمشروع، وقال إن الجزائر بحاجة إلى الانتقال من نموذج يقوم على استيراد المعدات والخدمات إلى نموذج يسمح بتكوين مهندسين وتقنيين وفلاحين جزائريين قادرين على تشغيل هذه المنظومات وصيانتها وتطويرها مستقبلاً.
واقترح أن تتضمن الشراكة برامج تكوين ميداني مستمرة، وتبادل الخبرات بين الخبراء الجزائريين والإيطاليين، وإنشاء فرق تقنية مشتركة، إلى جانب إشراك الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا الزراعية.

وأكد أن نجاح نقل التكنولوجيا يقاس بقدرة الكفاءات الجزائرية على التحكم فيها بعد سنوات من دخول المشروع حيز الإنتاج، وليس بعدد المعدات أو التقنيات التي تم إدخالها في المرحلة الأولى.

وبخصوص البعد المالي، شدد الخبير الاقتصادي على ضرورة الحفاظ على الدور الاستراتيجي للتمويل والاستثمار الجزائري داخل هذه المشاريع، حتى لا تتحول الشراكة الأجنبية إلى مجرد تمويل خارجي أو استيراد للتكنولوجيا.

وأوضح أن مشاركة المؤسسات والهيئات الاستثمارية والمالية الجزائرية تضمن بقاء جزء مهم من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، كما تساهم في تطوير منظومة تمويل محلية متخصصة في المشاريع الزراعية الكبرى.

وأضاف أن التمويل ينبغي أن يترافق مع مؤشرات واضحة لقياس الأداء، تشمل الإنتاجية، وتكاليف الإنتاج، واستهلاك المياه، ونسبة الإدماج المحلي، وحجم المنتجات الموجهة للتحويل، فضلاً عن فرص العمل التي يوفرها المشروع.

ويرى بوحفص أن الاستثمار الأجنبي الناجح هو الذي يخلق قيمة مضافة محلية، وليس الذي يكتفي بتمويل مشروع أو استيراد التجهيزات، ولذلك فإن الجانب الجزائري يجب أن يكون حاضراً بقوة في مختلف مراحل سلسلة القيمة.

من الزراعة إلى الصناعة التحويلية

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن الرهان الأكبر يكمن في ربط الإنتاج الزراعي بالصناعات التحويلية، لأن بيع المنتجات في شكلها الأولي لا يسمح بتحقيق كامل القيمة الاقتصادية الممكنة.

وقال إن إنتاج الحبوب والبقوليات، على سبيل المثال، يجب أن يرافقه تطوير قدرات التخزين والفرز والتوضيب والتحويل، بما يسمح بخلق منتجات ذات قيمة مضافة أعلى وتقليص الخسائر وتحسين القدرة على التسويق.

وأضاف أن إنشاء منظومة متكاملة حول المشاريع الزراعية الكبرى من شأنه أن يجذب استثمارات إضافية في النقل والتخزين والخدمات اللوجستية والصيانة والصناعات الغذائية، وهو ما يجعل المشروع الزراعي نواة لمنظومة اقتصادية أوسع.

ويخلص بوحفص إلى أن مشروع تيميمون يمكن أن يشكل نموذجاً جديداً للتنمية الاقتصادية في الجنوب، إذا تم التعامل معه باعتباره مشروعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد وليس مجرد استثمار فلاحي.

وأوضح أن نجاح المشروع سيقاس بقدرته على تحقيق أربعة أهداف متزامنة: رفع الإنتاج الزراعي، وترشيد استخدام الموارد المائية، ونقل التكنولوجيا والخبرة، وخلق قيمة مضافة محلية قابلة للاستدامة.

وأكد أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة لتطوير نموذج فلاحي جديد في الجنوب يجمع بين الإمكانات الطبيعية والاستثمار والتكنولوجيا والتمويل، مشيراً إلى أن نجاح هذا النموذج من شأنه أن يدعم الأمن الغذائي، ويقلص فاتورة الاستيراد، ويخلق فرصاً جديدة للاستثمار والتشغيل، ويفتح المجال أمام تطوير صادرات فلاحية وصناعات غذائية تنافسية مستقبلا.

وأضاف الخبير الاقتصادي حاكم بوحفص أن المعيار الحقيقي لنجاح الشراكة الجزائرية-الإيطالية في تيميمون لن يكون فقط حجم الإنتاج، وإنما مدى قدرتها على بناء منظومة جزائرية قادرة على الاستمرار والتوسع بعد انتهاء مراحل الاستثمار الأولى، مع امتلاك الكفاءات الوطنية للتكنولوجيا والخبرة، وبقاء الجزء الأكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑