الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

اتفاق الجزائر وأذربيجان.. هل تتحول “أوغوستا” إلى قاعدة نفوذ طاقوي جزائري في أوروبا؟

Author
صبرينة عيلان 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تواصل الجزائر تعزيز حضورها الطاقوي على المستويين الإقليمي والدولي عبر توسيع مجالات التعاون مع الدول الفاعلة في قطاع المحروقات، وجاءت المصادقة الرسمية على مذكرة التفاهم بين الجزائر وأذربيجان في مجال النفط والغاز لتؤكد توجها جديدا نحو بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والتنسيق طويل المدى في قطاع يعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا في الاقتصاد العالمي.

ويكتسي هذا الاتفاق أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بمصفاة “أوغوستا” الإيطالية التابعة لمجمع سوناطراك، والتي تحولت منذ استحواذ الجزائر عليها سنة 2018 إلى أحد أبرز الأصول الطاقوية الجزائرية في أوروبا.

فالاتفاق الجديد لا يقتصر على الجوانب التقليدية للتعاون في الاستكشاف والإنتاج، بل يمتد ليشمل تأمين إمدادات طويلة الأجل من النفط الخام الأذربيجاني الخفيف، بما يعزز قدرة المصفاة على تنويع مصادر التموين ويدعم استراتيجية الجزائر الرامية إلى تقليص فاتورة استيراد الوقود وتعزيز قدراتها التكريرية.

كما يعكس هذا التقارب الطاقوي بين الجزائر وباكو رغبة مشتركة في توسيع آفاق التعاون نحو مجالات أكثر تطورا، تشمل الصناعات البتروكيماوية، الغاز الطبيعي المسال، الهيدروجين، والبنى التحتية الطاقوية، فضلا عن التنسيق داخل المحافل الدولية وتحالف “أوبك+”.

الجزائر دخلت مرحلة جديدة من الدبلوماسية الطاقوية الذكية

وفي هذا الخصوص، أكد الخبير الطاقوي أحمد طرطار، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المصادقة الرسمية على مذكرة التفاهم بين الجزائر وأذربيجان في مجال المحروقات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد اتفاق تقني يتعلق بإمدادات النفط الخام، بل تمثل تحولا في طريقة تموقع الجزائر داخل الخريطة الطاقوية الإقليمية والأوروبية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية وتزايد التنافس الدولي على مصادر الطاقة الآمنة والمستقرة.

وأوضح طرطار أن الاتفاق يعكس بوضوح دخول الجزائر مرحلة جديدة تقوم على الدبلوماسية الطاقوية الذكية، والتي تعتمد على تنويع الشراكات، وتوسيع النفوذ الاقتصادي خارج الحدود، وربط الأمن الطاقوي الوطني بالتحكم في سلاسل التكرير والتسويق داخل أوروبا نفسها، وليس فقط عبر تصدير النفط والغاز الخام.

وأشار المتحدث إلى أن النقطة الجوهرية في الاتفاق تتمثل في ضمان إمدادات طويلة الأجل من النفط الأذربيجاني الخفيف لفائدة مصفاة “أوغوستا” الإيطالية التابعة لسوناطراك، معتبرا أن هذه الخطوة تكشف عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تحويل المصفاة من مجرد أصل صناعي مثير للجدل إلى منصة نفوذ طاقوي جزائري داخل السوق الأوروبية المتوسطية.

وأضاف أن الجزائر، من خلال هذا الاتفاق، لا تبحث فقط عن شراء خام إضافي، بل تسعى إلى بناء منظومة مرنة للإمداد والتكرير تسمح لها بمواجهة التقلبات الدولية وضمان استمرارية الإنتاج وتلبية الطلب المتزايد على الوقود داخل السوق الوطنية والأسواق الأوروبية معاً.

“أوغوستا” من صفقة مثيرة للجدل إلى ورقة نفوذ

وبخصوص ملف مصفاة “أوغوستا”، أكد طرطار أن الجدل الذي رافق الصفقة منذ استحواذ سوناطراك عليها سنة 2018 كان مرتبطا أساسا بالكلفة المالية للمشروع والوضعية التقنية للمنشآت، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن الجزائر كانت تتحرك ضمن رؤية تتجاوز الحسابات التجارية الضيقة.

وأوضح أن امتلاك مصفاة بهذا الحجم في قلب البحر الأبيض المتوسط يمنح الجزائر عدة امتيازات، أبرزها التحكم في جزء من عمليات التكرير داخل أوروبا، وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية في استيراد الوقود المكرر، إضافة إلى تعزيز مرونة سوناطراك في تسويق منتجاتها النفطية والبتروكيماوية.

وأشار إلى أن مصفاة “أوغوستا”، بطاقة تكرير تقارب 10 ملايين طن سنويا، تمثل اليوم أحد أهم الأصول الطاقوية الجزائرية خارج الحدود، خاصة وأنها تقع في موقع جغرافي بالغ الحساسية بالقرب من أهم الممرات البحرية والتجارية في المتوسط.

وأضاف أن الجزائر، التي كانت تستورد كميات معتبرة من البنزين والديزل قبل سنوات، باتت اليوم تراهن على دمج قدراتها التكريرية الداخلية والخارجية لتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز أمنها الطاقوي، مؤكدا أن امتلاك مصفاة أوروبية يفتح أمام سوناطراك هامشا أكبر للتحكم في الأسعار والتموين والتوزيع.

كما شدد طرطار على أن الاتفاق مع أذربيجان يمنح المصفاة استقرارا إضافيا في التموين، خاصة وأن النفط الأذربيجاني الخفيف يتمتع بخصائص تقنية تتلاءم مع احتياجات بعض الوحدات التكريرية داخل “أوغوستا”، ما يسمح برفع المردودية وتحسين كفاءة الإنتاج.

ويرى الخبير الطاقوي أن لجوء سوناطراك إلى خام بحر قزوين رغم امتلاك الجزائر لخام “صحاري بلاند” لا يحمل أي تناقض، بل يعكس منطقا اقتصاديا وصناعيا قائما على تنويع مصادر الإمداد وعدم ربط المصفاة بنوع واحد من الخام.

وأوضح أن كبريات الشركات النفطية العالمية تعتمد اليوم على استراتيجيات “المزيج النفطي” داخل المصافي، بما يسمح بتحقيق أعلى مردودية ممكنة وتخفيض التكاليف التشغيلية والتكيف مع تغيرات السوق الدولية.

وأشار إلى أن “صحاري بلاند” يبقى من أفضل أنواع النفط الخام عالميا من حيث الجودة والخفة، غير أن تنويع الخامات داخل مصفاة أوغوستا يمنح سوناطراك مرونة تجارية أكبر، ويمكنها من الاستجابة السريعة لتحولات الأسعار والطلب الأوروبي.

واعتبر طرطار أن أذربيجان تنظر إلى الاتفاق مع الجزائر باعتباره فرصة للوصول بشكل أكثر استقرارا إلى السوق الأوروبية عبر شريك يمتلك بنية تكريرية قوية داخل المتوسط، مؤكداً أن شركة “سوكار” الأذربيجانية تسعى منذ سنوات إلى توسيع حضورها في أوروبا، خاصة في ظل التراجع التدريجي لإنتاج بعض الحقول التقليدية في بحر قزوين.

وأضاف أن التعاون بين سوناطراك وسوكار لا يقتصر على الجانب التجاري فقط، بل يمكن أن يتطور مستقبلا إلى شراكات أوسع تشمل الاستكشاف، والبتروكيماويات، والهيدروجين، والغاز الطبيعي المسال، وحتى التنسيق داخل منظمة “أوبك+”.

وأوضح طرطار أن الاتفاق قد يشكل نواة لتقارب طاقوي أكبر بين الجزائر وأذربيجان داخل التحالفات النفطية الدولية، خاصة وأن البلدين يملكان مصالح مشتركة تتعلق باستقرار الأسعار والحفاظ على توازنات السوق العالمية.

الاتفاق يمنح الجزائر مرونة أكبر في سوق الطاقة الأوروبية

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الجزائر وأذربيجان في مجال المحروقات تحمل أبعادا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز مجرد تزويد مصفاة “أوغوستا” بالنفط الخام، معتبرا أن الاتفاق يعكس توجها جزائريا جديدا نحو بناء شبكة إمداد أكثر مرونة وتأمين حضور دائم داخل السوق الأوروبية للطاقة.

وأوضح الحيدوسي أن أذربيجان، رغم كونها بلدا أقل حجماً من الجزائر من حيث القدرات الطاقوية، إلا أنها تمتلك نوعية من النفط الخام الخفيف المطلوب بقوة داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل التعاون مع شركة “سوكار” الأذربيجانية خطوة مدروسة من طرف سوناطراك لضمان استقرار التموين لمصفاة “أوغوستا” الإيطالية.
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تنتج ما يقارب مليون برميل يوميا من النفط وأكثر من 100 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، مقابل إنتاج أذربيجان الذي يدور حول 460 ألف برميل يوميا من النفط الخام وحوالي 50 مليار متر مكعب من الغاز، ما يؤكد أن الجزائر تبقى قوة طاقوية أكبر من حيث الإمكانات والإنتاج، غير أن الاتفاق الحالي يقوم على منطق تكامل المصالح وليس على مبدأ المنافسة.

وأضاف الحيدوسي أن أذربيجان تبحث من خلال هذه المذكرة عن منفذ أكثر استقرارا لتسويق نفطها الخام داخل أوروبا، خاصة في ظل التراجع التدريجي لإنتاج بعض حقولها التقليدية، وعلى رأسها حقل “أذري-تشيراغ-غوناشلي”، بينما تسعى الجزائر من جهتها إلى تنويع مصادر تموين مصفاة “أوغوستا” وتفادي الاعتماد الكلي على خام “صحاري بلاند”.

وأكد الخبير الاقتصادي أن تنويع الإمدادات النفطية أصبح اليوم جزءا من استراتيجيات الأمن الطاقوي العالمية، إذ لم تعد المصافي الكبرى تعتمد على مصدر واحد للخام، بل تبحث عن مرونة أكبر في المزج بين أنواع مختلفة من النفط لتحقيق أعلى مردودية ممكنة وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق أو الاضطرابات الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، اعتبر الحيدوسي أن مصفاة “أوغوستا” تمثل بالنسبة لسوناطراك أكثر من مجرد منشأة تكرير، بل تعد موطئ قدم استراتيجي للجزائر داخل أوروبا، خاصة وأن المصفاة تقع في قلب البحر الأبيض المتوسط وتمتلك قدرة تكريرية كبيرة تسمح لسوناطراك بالتحكم في جزء من سلسلة القيمة المرتبطة بالطاقة، من الاستيراد والتكرير إلى التسويق والتوزيع.

وأضاف أن الجدل الذي رافق صفقة شراء المصفاة سنة 2018 بدأ يتراجع تدريجيا مع ظهور مؤشرات تؤكد أهمية هذا الاستثمار بالنسبة للجزائر، سواء من حيث تقليص فاتورة استيراد الوقود أو من حيث تعزيز النفوذ التجاري لسوناطراك داخل الأسواق الأوروبية.

وأشار الحيدوسي إلى أن الجزائر كانت تنفق قبل سنوات مبالغ ضخمة لاستيراد البنزين والديزل، وهو ما دفعها إلى تبني استراتيجية تقوم على تطوير قدراتها التكريرية داخلياً وخارجياً، مؤكداً أن مصفاة “أوغوستا” أصبحت اليوم جزءا محوريا من هذه الرؤية.

كما لفت إلى أن الاتفاق بين الجزائر وأذربيجان لا يقتصر فقط على إمدادات النفط، بل يفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الغاز، والبتروكيماويات، والهيدروجين، وحتى التنسيق داخل تحالف “أوبك+”، حيث يمتلك البلدان مصالح مشتركة مرتبطة باستقرار الأسعار وتوازن السوق العالمية.

مشيرا إلى أن الجزائر تتحرك حاليا وفق رؤية اقتصادية تقوم على تعزيز الأمن الطاقوي الوطني وربط الإنتاج المحلي بشبكات تكرير وتسويق دولية، معتبرا أن نجاح سوناطراك في تثبيت حضورها داخل أوروبا عبر “أوغوستا” يعكس تحوّل المؤسسة من مجرد شركة تصدير تقليدية إلى فاعل طاقوي إقليمي ودولي يمتلك أدوات التأثير داخل السوق المتوسطية والأوروبية.