الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

اختبار «هرمز».. الصين بين نفط إيران وضغوط الغرب

Author
ربيعة خطاب 20 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خضم الاضطرابات التي شهدها سوق الطاقة العالمية، وتزايد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، وجدت الصين نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين ضمان أمنها الطاقوي من جهة، والحفاظ على توازناتها الدبلوماسية والاقتصادية مع القوى الكبرى من جهة أخرى. فالمضيق، الذي يُعد أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق النفط في العالم، يتحول في فترات التوتّر إلى نقطة اختناق استراتيجية تؤثر مباشرة على استقرار الأسواق وعلى حسابات القوى المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الصين.

ويرى الخبير في الشأن الصيني تامر عامر – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن اعتماد بكين الكبير على نفط الشرق الأوسط، ولا سيما القادم من منطقة الخليج وإيران، يجعل أي اضطراب في مضيق هرمز عامل تهديد مباشر لاستقرار الاقتصاد الصيني. فالصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، تعتمد بشكل كبير على هذا الممر البحري الذي تمر عبره نسبة معتبرة من إمداداتها الطاقوية، ما يضع أمنها الاقتصادي في حالة ارتباط وثيق باستقرار المنطقة.

وتعكس البيانات الرسمية الصادرة عن الصين صورة مركبة لهذا المشهد. فقد سجلت معدلات معالجة النفط الخام في المصافي الصينية تراجعا بنسبة 2.2% خلال شهر مارس على أساس سنوي، وهو انخفاض يرتبط بتراجع وتيرة التشغيل في بعض المصافي، رغم أن الإنتاج المحلي من النفط ظل عند مستويات مرتفعة نسبيا. هذا التناقض يعكس طبيعة التوازن الدقيق الذي تحاول بكين الحفاظ عليه بين الإنتاج المحلي والاعتماد على الواردات.

ووفقا لأرقام المكتب الوطني للإحصاء الصيني، بلغت كميات النفط المعالج خلال شهر مارس نحو 61.67 مليون طن، أي ما يعادل 14.52 مليون برميل يوميا. أما على مستوى الربع الأول من العام، فقد ارتفع إجمالي المعالجة بنسبة 1.1% ليصل إلى 184.31 مليون طن، بما يعادل نحو 14.95 مليون برميل يوميا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. هذه الأرقام تشير إلى استمرار الطلب الداخلي القوي على الطاقة، رغم التقلبات في السوق العالمية.

في هذا السياق، يؤكد تامر عامر، أن استمرار عبور السفن الصينية عبر مضيق هرمز يمثل قضية شديدة الحساسية بالنسبة لبكين، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات النفط القادمة من الخليج وإيران، والتي تمر في معظمها عبر هذا الممر الحيوي، حيث تصل نسبة هذه الإمدادات إلى نحو 60% من إجمالي واردات الصين النفطية المرتبطة بالمنطقة.

الخبير في الشأن الصيني تامر عامر

ويضيف الخبير أن الصين، حتى في فترات التوترات الجيوسياسية، لم تتوقف عن استخدام المضيق، لكنها غالبا ما تلجأ إلى تقليص المخاطر عبر تخفيف الاعتماد اللحظي على الإمدادات الفورية، مستفيدة من احتياطاتها الاستراتيجية النفطية، إضافة إلى تنويع مصادر الاستيراد بشكل تدريجي. غير أن استمرار أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة أو فرض حصار على الموانئ الإيرانية من شأنه أن يضع الاقتصاد الصيني تحت ضغط مباشر، ما يدفع بكين إلى التحرك بسرعة لضمان استقرار إمداداتها الطاقوية.

3 مسارات رئيسية أمام الصين

ويحدد عامر ثلاثة مسارات رئيسية أمام صانع القرار الصيني في حال استمر التوتر في المضيق. يتمثل المسار الأول في الدفع نحو تفاهمات دبلوماسية بين الصين من جهة، والولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى، بهدف تأمين مرور آمن لناقلات النفط. ويقوم هذا الخيار على منطق التهدئة وتجنب التصعيد العسكري، وهو الخيار المفضل تقليديا في السياسة الخارجية الصينية.

أما المسار الثاني، فيقوم على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي غير المباشر، سواء عبر علاقات بكين التجارية مع طهران أو من خلال شبكات سلاسل التوريد العالمية التي تملك الصين نفوذا واسعا فيها. ويهدف هذا الخيار إلى دفع الأطراف المعنية نحو تسهيل مرور النفط دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.

في حين يتمثل الخيار الثالث، والأكثر حساسية، في احتمال مرافقة بحرية صينية للناقلات عبر مضيق هرمز، بالاعتماد على القدرات البحرية المتنامية لبكين وقاعدتها العسكرية في جيبوتي. إلا أن هذا السيناريو يبقى محدود الاحتمال، نظرا لما قد يحمله من مخاطر تصعيد مباشر مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ويؤكد عامر أن أي انخراط عسكري مباشر في المنطقة لا يدخل ضمن أولويات السياسة الصينية، التي تميل إلى تجنب المواجهات المفتوحة، خصوصا في مناطق حساسة مثل الخليج. كما أن واشنطن بدورها لا تبدو راغبة في الانزلاق إلى صدام مباشر مع الصين في هذا السياق، ما يجعل المسار الدبلوماسي الخيار الأكثر ترجيحا لدى الطرفين.

في المقابل، يبدو أن إيران، حتى وإن أرخت يدها، فستظل تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره ورقة استراتيجية في صراعها المستمر مع الولايات المتحدة وحلفائها. فالمضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، تحول تدريجيا من مجرد ممر ملاحي إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية. وتشير التقديرات إلى أن طهران انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مجرد التلويح بإغلاق المضيق إلى استخدامه كوسيلة تأثير فعلية في التوازنات الإقليمية والدولية.

هرمز.. نقطة اختبار دائمة

على مستوى التحليل الإعلامي، تناولت الصحافة الصينية هذه التطورات من زاوية أوسع ترتبط بأمن الطاقة العالمي وليس فقط بالمصالح الصينية المباشرة. فقد طرحت وسائل إعلام مثل صحيفة “الشعب” و”ساوث تشاينا مورنينغ بوست” تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام التوتر في مضيق هرمز كأداة ضغط غير مباشرة على الصين، أم أن الهدف الأساسي يظل مرتبطا بإعادة تشكيل التوازنات في الخليج وإضعاف إيران.

وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة “الشعب”، تم التأكيد على أن أزمة الملاحة في مضيق هرمز لم تعد مجرد قضية إقليمية، بل أصبحت اضطرابا عالميا في سلاسل إمداد الطاقة. فارتفاع أسعار النفط، وفق المقال، لا ينعكس فقط على قطاع الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى الصناعات الكيميائية والنقل والأسمدة والإلكترونيات، وصولا إلى الأسواق المالية العالمية.

ويشير التحليل إلى أن الطاقة تمثل “شريان الحياة للصناعة الحديثة”، وأن أي اضطراب في تدفقها يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات الاقتصادية المتداخلة، تشمل التضخم، وتقلبات العملات، وضغوط الديون، خصوصا في الدول النامية المستوردة للطاقة.

من جهتها، طرحت “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” زاوية أكثر مباشرة، تمحورت حول فرضية استخدام واشنطن لحصار الموانئ الإيرانية كوسيلة ضغط على الصين. إلا أن معظم الخبراء الذين استندت إليهم الصحيفة استبعدوا أن تكون بكين الهدف الأساسي من هذه التحركات، مؤكدين أن الأولوية الأمريكية تبقى مرتبطة بإيران نفسها، وبمحاولة السيطرة على أهم ممرات الطاقة العالمية.

وفي هذا الإطار، يشير محللون إلى أن النفوذ الصيني على إيران، رغم أهميته الاقتصادية، يظل محدودا من الناحية السياسية، ولا يرقى إلى مستوى القدرة على توجيه القرار الإيراني في الملفات الاستراتيجية الحساسة. كما أن اعتماد طهران على بكين لا يعني تبعية كاملة، بل علاقة براغماتية تقوم على تبادل المصالح أكثر من التحالف السياسي الصارم.

وتخلص القراءات الصينية إلى أن فكرة استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط مباشر على بكين تبقى محدودة الفاعلية. فتنوع مصادر الطاقة الصينية، وتوسع احتياطاتها الاستراتيجية، وتوجهها نحو تنويع الشركاء، كلها عوامل تقلل من قدرة أي حصار محتمل على إحداث تأثير حاسم في الاقتصاد الصيني.

ومع ذلك، يبقى مضيق هرمز نقطة اختبار دائمة في توازنات الطاقة العالمية، ومؤشرا حساسا على اتجاهات الصراع والتعاون بين القوى الكبرى. فبينما تسعى الصين إلى تأمين مصالحها عبر الدبلوماسية والمرونة الاقتصادية، تظل المنطقة عرضة لتقلبات جيوسياسية قد تعيد رسم خرائط الطاقة العالمية في أي لحظة.