الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

ارتفاع النفط مجددا.. هل تحوّل الجزائر اضطرابات سوق الطاقة إلى فرصة اقتصادية؟

Author
سارة حمدون 01 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعود أسواق الطاقة العالمية إلى واجهة المشهد الاقتصادي مع تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط. فقد ارتفع خام برنت إلى أكثر من 92 دولارا للبرميل خلال تعاملات الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 88 دولارا، مدفوعا بمخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع واضح في حركة السفن عبر المضيق، حيث أظهرت بيانات شركة كبلر أن خمس سفن تجارية فقط عبرت هرمز يوم الاثنين، مقابل متوسط يقارب 14 سفينة خلال عشرة أيام، ولم تكن أي منها ناقلة للسوائل. كما أفادت تقارير بتعرض ناقلتين سعوديتين لهجوم بمقذوفات أثناء خروجهما من المنطقة.

وبينما يرفع اضطراب الملاحة علاوة المخاطر في الأسواق، تبرز الجزائر باعتبارها منتجا ومصدرا رئيسيا للنفط والغاز، أمام فرصة للاستفادة من ارتفاع الأسعار، لكن أيضا أمام تحد يتعلق بكيفية تحويل هذه المكاسب الظرفية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، فهل يمثل ارتفاع أسعار الطاقة فرصة حقيقية لتعزيز مداخيل الجزائر ودعم اقتصادها؟ أم أن المكاسب قد تبقى مؤقتة إذا طال أمد الأزمة وأثرت في النمو والطلب العالميين؟

مضيق هرمز.. شريان الطاقة تحت الضغط

تكمن أهمية التطورات الحالية في الدور المحوري الذي يؤديه مضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية، ووفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 20 بالمئة من استهلاك السوائل النفطية العالمي ونحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، كما يعد المضيق ممرا رئيسيا لشحنات الغاز الطبيعي المسال.

ولا تعني أهمية هرمز كمية النفط التي تمر عبره فقط، وإنما محدودية البدائل القادرة على تعويض هذه التدفقات في حال تعطل الملاحة. وتملك بعض دول المنطقة خطوط أنابيب يمكنها تجاوز المضيق جزئيا، لكن قدراتها لا تكفي لتعويض كامل الكميات التي تمر عبره عادة، ولهذا فإن أي تراجع حاد في حركة السفن لا ينعكس فقط على الكميات المتاحة في السوق، بل يرفع أيضا تكلفة النقل والتأمين ويزيد المخاطر التي يسعرها المتعاملون في أسواق النفط.

النفط فوق 90 دولارا.. أين تقف الجزائر؟

بالنسبة للجزائر، تأتي هذه التطورات في ظرف مالي يجعل أسعار المحروقات عاملا مهما في الإيرادات العمومية. فقد بنيت تقديرات قانون المالية لسنة 2026 على سعر مرجعي جبائي للبرميل قدره 60 دولارا، وسعر سوق تقديري قدره 70 دولارا، بينما قدرت الإيرادات الجبائية البترولية بنحو 2697.9 مليار دينار، وبالتالي، فإن استمرار الأسعار عند مستويات تتجاوز هذه الافتراضات يمكن، من حيث المبدأ، أن يمنح الجزائر هامشا إضافيا من الإيرادات.

لكن ذلك لا يعني أن كل دولار إضافي في سعر النفط يتحول تلقائيا إلى أموال صافية في الخزينة. فحجم الاستفادة يرتبط أيضا بمستويات الإنتاج والتصدير، والاستهلاك المحلي، وشروط العقود، والجباية، إضافة إلى تطورات السوق العالمية، ومن هنا، فإن أهمية ارتفاع السعر لا تقاس فقط بالوصول إلى 90 أو 100 دولار، وإنما بمدة بقائه عند هذه المستويات.

تيغرسي: الجزائر مطالبة باستغلال ارتفاع الأسعار

ويرى الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يشكل فرصة أمام الجزائر خصوصا إذا استمرت الأسعار المرتفعة وارتفعت المداخيل الناتجة عن صادرات المحروقات.

ويؤكد تيغرسي أن بعض الدول قد تستغل الأزمة لزيادة إنتاجها، لأن ارتفاع الأسعار يسمح بتحقيق مداخيل أكبر، مضيفا أن الجزائر، بمنطق براغماتي، عليها أن تستغل ارتفاع أسعار هذه المادة الحيوية بزيادة الإنتاج وتحقيق مداخيل أكبر للخزينة العامة، لكن الاستفادة من ارتفاع الأسعار لا تتوقف عند زيادة الإنتاج، إذ إن السوق العالمية تواجه مشكلة أخرى تتمثل في قدرة الدول على نقل الإمدادات من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.

ويشير تيغرسي إلى أن منظمة أوبك قادرة على زيادة الإنتاج، لكن المشكلة تبقى في البحار والمحيطات والمضائق، لأن استمرار التوترات قد يجعل عمليات النقل أكثر صعوبة وأعلى تكلفة، ويوضح في هذا السياق أن الإشكال هو ثنائي: قدرة الإنتاج وقدرة على توفير هذه المادة، لكن نقلها بسلامة وبأمن نوعا ما صعب جدا في ظل زيادة بؤر التوتر في هذه المناطق الاستراتيجية.

الإنتاج وحده لا يحل أزمة الإمدادات

تسلط تصريحات تيغرسي الضوء على مفارقة أساسية في سوق الطاقة الحالية، يمكن للمنتجين زيادة الكميات، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة وصولها إلى المستهلكين إذا بقيت طرق التجارة البحرية معرضة للخطر، فالممرات البحرية الكبرى، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، تمثل جزءا أساسيا من شبكة نقل الطاقة العالمية. وكلما ارتفعت المخاطر الأمنية، ارتفعت معها تكاليف التأمين والنقل، وازداد هامش المخاطر الذي ينعكس على الأسعار، ولهذا يؤكد تيغرسي أن أمن الملاحة وأمن الطاقة مرتبطان بشكل مباشر، مشيرا إلى أن زيادة الإنتاج لن تكون كافية إذا لم تتوفر بيئة آمنة لنقل النفط والغاز.

المخزونات والشتاء.. عاملان يضغطان على السوق

تأتي المخاوف بشأن الإمدادات في وقت تراقب فيه الأسواق مستويات المخزونات العالمية وقدرتها على امتصاص أي صدمة جديدة.

في هذا الإطار، صرح الخبير الدولي، عز الدين نميري، لـ”الأيام نيوز”، بأن تعدد بؤر التوتر، خاصة في الشرق الأوسط، يمكن أن يواصل الضغط على أسواق الطاقة، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء وما يرافقه عادة من ارتفاع في الطلب على الطاقة في عدد من الأسواق.

فاستمرار النزاعات وعدم تسوية الأزمات في مناطق مختلفة من العالم، حسبه، قد يؤدي إلى ارتفاع قياسي للنفط والغاز خصوصا خلال الفترة المقبلة.

كما يربط الخبير بين مستقبل الأسعار ووضع مضيق هرمز، معتبرا أن المضيق يمثل ورقة ضغط بالنسبة لإيران في تعاملاتها مع الولايات المتحدة والقوى المناوئة لها.

ويرى أن استمرار اضطراب الملاحة عبر المضيق من شأنه تقليص الإمدادات وخلق حالة من الندرة في السوق، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع.

هرمز ورقة ضغط.. لكن المخاطر تتجاوز النفط

لا يقتصر تأثير اضطراب هرمز على أسواق النفط، بل يمتد إلى التجارة العالمية وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد.

وقد أكدت التطورات الأخيرة حساسية الوضع، إذ أفادت بيانات كبلر بأن حركة السفن عبر المضيق ظلت في نطاق أحادي الرقم، بينما أشارت تقارير إلى تعرض ناقلات نفط لهجمات أثناء مغادرتها المنطقة.

ويرى نميري أن دول الخليج تستطيع زيادة إنتاجها، لكن المشكلة الأساسية تبقى في النقل، قائلا إن المشكل في النقل، لأن النفط والغاز ينقلان عبر السفن، وأي اضطراب في البحار والمضائق والممرات المائية ينعكس على الإمدادات.

ويضيف أن المخاطر لا تتوقف عند هرمز، بل تشمل أيضا مناطق أخرى مثل خليج عدن وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، حيث يمكن للتوترات الأمنية أن تؤثر في حركة التجارة والطاقة.

أوروبا تبحث عن مصادر أكثر أمانا

في المقابل، قد تحمل الأزمة الحالية فرصة استراتيجية للجزائر، ليس فقط عبر ارتفاع سعر النفط، وإنما من خلال زيادة أهمية الغاز الجزائري بالنسبة إلى السوق الأوروبية، فالجزائر تتمتع بقرب جغرافي من أوروبا وتمتلك بنية تحتية لنقل الغاز عبر الأنابيب، إضافة إلى قدرات في مجال الغاز الطبيعي المسال.

وفي يوليو 2026، أعلنت سوناطراك تنفيذ أول عملية تصدير للغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى ألمانيا، حيث وصلت الشحنة إلى محطة ويلهلمسهافن في 2 يوليو، بعد تحميلها من مركب التمييع GL2Z في بطيوة، وقالت الشركة إن الخطوة تأتي في إطار تنويع أسواق صادرات الغاز وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.

كما أعلنت شركة VNG الألمانية في يوليو توقيع اتفاق جديد مع سوناطراك لتوريد الغاز، على أن تبدأ الإمدادات الجديدة من الجزائر في عام 2027، في إطار تعزيز تنويع مصادر الغاز الألمانية والأوروبية.

وهذه التطورات تعطي بعدا إضافيا للفرصة الجزائرية، إذ إن أهمية الجزائر بالنسبة إلى أوروبا لا ترتبط فقط بسعر الغاز، وإنما أيضا بعامل القرب والاستقرار وتنويع مصادر الإمدادات.

نميري: الجزائر قد تصبح أكثر أهمية لأوروبا

في هذا السياق، يرى الخبير الدولي، عزالدين نميري، أن التحولات الحالية يمكن أن تدفع أوروبا إلى إعادة النظر في وجهة وارداتها من الطاقة، معتبرا أن تحوّل الأنظار من منطقة الشرق الأوسط خاصة إلى شمال إفريقيا، وخاصة إلى الجزائر كبديل، إمكانية مطروحة، مشيرا إلى أن قرب المسافة وقدرة الجزائر على توفير حاجيات الدول الأوروبية يمكن أن يعززا موقعها في السوق، ويعتقد نميري أن المقاربة البراغماتية قد تدفع أوروبا إلى تغيير جزء من وجهتها وطلباتها من الشرق الأوسط نحو شمال إفريقيا، وخاصة الجزائر، وبشكل أوسع نحو إفريقيا.

لكن هذه الفرصة لا تعني أن الجزائر ستصبح تلقائيا بديلا كاملا عن إمدادات الشرق الأوسط، فأسواق الطاقة تقوم على عقود طويلة الأجل، وبنى تحتية محددة، وقدرات إنتاج وتصدير، كما أن أوروبا نفسها تعمل على تنويع مصادرها وعدم الاعتماد على مورد واحد.

هل يقترب النفط من 100 دولار؟

يبقى وصول النفط إلى 100 دولار للبرميل سيناريو ممكنا، إذا استمرت اضطرابات الملاحة واتسعت المخاطر على الإمدادات، لكنه ليس نتيجة حتمية، فارتفاع الأسعار قد يحفز منتجين آخرين على زيادة الإنتاج، كما يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة الطاقة إلى تراجع الطلب العالمي، وفي المقابل، فإن استمرار اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يمكن أن يبقي علاوة المخاطر مرتفعة.

وتشير تحليلات السوق الحالية إلى أن النفط قد يبقى فوق 80 دولارا خلال 2026 إذا استمرت اضطرابات الشحن، بينما تظهر المؤشرات الفنية مستويات أعلى يمكن أن تعود إليها الأسعار في حال تصاعد المخاطر.

ثلاثة سيناريوهات أمام سوق الطاقة

في السيناريو الأول، إذا استمرت التوترات وبقيت حركة الملاحة عبر هرمز منخفضة، فإن أسعار النفط قد تحافظ على مستوياتها المرتفعة أو تتجه نحو 100 دولار مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح المساعي الدبلوماسية وعودة الملاحة تدريجيا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر وانخفاض أسعار النفط.

بينما يتمثل السيناريو الثالث في توسع الصراع وتعطل أكبر للإمدادات والمنشآت النفطية، وهو السيناريو الأكثر خطورة على الاقتصاد العالمي، لأنه قد يجمع بين ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم وتراجع النمو. وبالنسبة للجزائر، فإن السيناريو الأول قد يكون مفيدا ماليا على المدى القصير، بينما قد يصبح السيناريو الثالث أكثر تعقيدا إذا أدى إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض الطلب على المحروقات لاحقا.

المكسب الحقيقي يبدأ بعد ارتفاع النفط

لا يعني ارتفاع أسعار النفط تلقائيا أن الجزائر ستتخلص من عجز الميزانية، أو أن اقتصادها أصبح أقل اعتمادا على المحروقات، المكسب الحقيقي يتوقف على كيفية إدارة الإيرادات الإضافية. فإذا تحولت إلى زيادة غير مستدامة في الإنفاق الجاري، فإن أثرها قد ينتهي بمجرد تراجع الأسعار.

أما إذا وجهت إلى الاستثمار المنتج، وتعزيز الاحتياطيات، ودعم القطاعات الصناعية والزراعية والتعدينية، وتطوير البنية التحتية والطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي، فإن ارتفاع الأسعار يمكن أن يتحوّل إلى فرصة لإعادة تمويل مسار تنويع الاقتصاد، وهنا تكتسب تصريحات تيغرسي أهمية خاصة، إذ يشدد على ضرورة استغلال ارتفاع الأسعار بطريقة براغماتية، بينما يركز نميري على الفرصة التي يمكن أن تتيحها التحولات في أسواق الطاقة لإعادة توجيه جزء من الطلب الأوروبي نحو الجزائر.

بين مكسب ظرفي وفرصة استراتيجية

في النهاية، تمنح اضطرابات سوق الطاقة الجزائر فرصة مالية واستراتيجية في الوقت نفسه، لكنها تضعها أيضا أمام اختبار حقيقي في إدارة هذه الفرصة.

فارتفاع النفط إلى أكثر من 90 دولارا يمكن أن يعزز الإيرادات، لكن استمرار هذه المكاسب يبقى رهينا بمدة ارتفاع الأسعار وحجم الإنتاج والتصدير وتطور الطلب العالمي، أما على المدى الأبعد فقد يكون الغاز هو الورقة الأكثر استراتيجية، خاصة مع بحث أوروبا عن مصادر متنوعة وقريبة وآمنة، وهو ما تؤكده الخطوات التي اتخذتها سوناطراك مؤخرا في السوق الألمانية.

وبالتالي، فإن السؤال بالنسبة للجزائر لا ينبغي أن يكون فقط: كم ستربح من برميل النفط إذا تجاوز 90 أو 100 دولار؟ بل السؤال الأهم هو ماذا ستفعل بهذه الإيرادات؟

فبرميل النفط المرتفع يمكن أن يمنح الجزائر مداخيل إضافية، لكن تحويل هذه المداخيل إلى استثمارات منتجة وتنويع حقيقي للصادرات هو ما يمكن أن يحوّل أزمة الطاقة العالمية من مكسب ظرفي إلى فرصة اقتصادية طويلة الأمد.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي