الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

استئناف العلاقات الجزائرية – المالية.. تقارب استراتيجي يرسم ملامح مرحلة جديدة


بعد أكثر من عام من القطيعة، تدخل العلاقات الجزائرية-المالية إلى مسارها الطبيعي، في خطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون تفرضها التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل.

ويأتي هذا التقارب في وقت تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، بما يجعل استئناف العلاقات رهانا استراتيجيا لتعزيز الاستقرار الإقليمي ودفع التعاون الثنائي نحو آفاق أوسع.

ويتفق خبيران تحدثا إلى “الأيام نيوز”، أن إعادة العلاقات بين البلدين تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة وتفعيل المصالح المشتركة، مؤكدين أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بترجمة التقارب السياسي إلى تعاون أمني واقتصادي فعال يخدم استقرار المنطقة وتنميتها.

في هذا السياق، أمر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بعودة كمال رتيب إلى باماكو، سفيرا مفوضا فوق العادة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى جمهورية مالي، اعتبارا من يوم الجمعة الماضي، وفق ما أورده بيان لوزارة الشؤون الخارجية، الذي أشار إلى أنه تم استدعاء السفير رتيب للتشاور يوم 07 أفريل 2025.

من جهتها، كانت قد قررت حكومة جمهورية مالي، عودة السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية مالي لدى الجزائر إلى الجزائر العاصمة، وإعادة فتح المجال الجوي المالي أمام كافة الطائرات المدنية والعسكرية التي تؤمّن الرحلات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، حسب ما ورد الجمعة الماضي، في بيان للحكومة الانتقالية المالية.

في هذا الصدد، أفاد مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، بأن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي بعد أكثر من عام من القطيعة يندرج ضمن رهانات سياسية وأمنية واستراتيجية تفرضها التطورات المتسارعة في منطقة الساحل، لافتا إلى أن التحديات الأمنية الراهنة تتصدر أولويات البلدين، خاصة في ظل ما شهدته مالي خلال الفترة الأخيرة من تطورات تمثل تهديدا مباشرا للمجال الحيوي المشترك.

التنسيق الأمني مع مالي أولوية لمواجهة تحديات الساحل

وأوضح دماني أن المرحلة المقبلة تقتضي استعادة التنسيق الأمني الكامل بين الجزائر ومالي، إلى جانب إعادة إحياء مسار المصالحة الوطنية مع الحركات الأزوادية، باعتبارها أولوية لاحتواء الأوضاع الداخلية ومنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك، على غرار ما تشهده بعض الدول الإفريقية، مشيرا إلى أن التحركات الإقليمية الأخيرة، ومنها اعتماد بوركينافاسو لسفير الاحتلال الصهيوني، تعكس تنامي أدوار أطراف خارجية تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة.

وأضاف أن المبادرة الجزائرية تمثل أيضا تحركا وقائيا يهدف إلى منع توظيف مالي أو محيطها الإقليمي ضد المصالح الوطنية الجزائرية، في ظل محاولات بعض الأطراف المعادية للجزائر استغلال الأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الساحل لإعادة تشكيل موازين النفوذ.

وأشار المتحدث إلى أن البعد الإنساني يشكل بدوره أحد دوافع التقارب بين البلدين، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية في شمال مالي ومناطق أخرى نتيجة العزلة التي تعيشها السلطات المالية، مؤكدا أن الجزائر تواصل الدفاع عن مقاربة تنموية لمعالجة أزمات الساحل، تقوم على دعم التنمية والاستقرار، بخلاف المقاربات التي ترتكز على الحلول العسكرية، والتي أسهمت في زيادة تعقيد الأوضاع بالمنطقة.

وأكد الباحث في الدراسات الأمنية أن الهدف النهائي لهذا المسار يتمثل في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وإبعاد منطقة الجوار الجزائري عن التدخلات الأجنبية، بما ينسجم مع الموقف الجزائري الرافض لأي تدخل خارجي في شؤون دول المنطقة، فضلا عن توفير بيئة آمنة للمشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها المشاريع الطاقوية التي تمر عبر دول الساحل، ولا سيما النيجر المتاخمة لمالي، مبرزا أن استقرار هذه المنطقة يعد شرطا أساسيا لإنجاح تلك المشاريع.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز مصطفى كمال دماني أن تعزيز التشابك الإقليمي وتوسيع التعاون بين دول الجوار يمثلان السبيل الأمثل لتحصين المنطقة من التدخلات الأجنبية، عبر بناء مصالح مشتركة وشبكات تعاون قادرة على تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة الساحل.

مالي بوابة استراتيجية لتعزيز الصادرات الجزائرية نحو غرب إفريقيا

أما في الشق الاقتصادي، فيرى الخبير في الاقتصاد الدولي، فارس هباش، أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي بعد أكثر من عام من القطيعة يعكس عودة البراغماتية إلى إدارة المصالح المشتركة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تشهدها منطقة الساحل.

وأوضح البروفيسور هباش، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تكن في أي وقت مجرد تبادل تجاري محدود، وإنما تستند إلى اعتبارات جغرافية واستراتيجية تجعل من استقرار التعاون الثنائي عاملا أساسيا لتنشيط المبادلات الإقليمية وتعزيز التكامل الاقتصادي في المنطقة.

وأضاف أن إعادة السفراء وفتح المجال الجوي من جديد يؤكدان وجود إرادة مشتركة لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي بعد فترة أثرت في حركة الأشخاص والسلع والتعاون الاقتصادي.

وأشار المتحدث إلى أن مالي تمثل سوقا واعدة للمنتجات الجزائرية، فضلا عن كونها بوابة مهمة نحو أسواق غرب إفريقيا، وهو ما ينسجم مع التوجه الجزائري الرامي إلى تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات.

ولفت إلى أن استئناف العلاقات من شأنه إعادة تنشيط المبادلات التجارية، وتشجيع المؤسسات الاقتصادية على استعادة نشاطها، إلى جانب بعث حركة النقل والخدمات اللوجستية التي تأثرت خلال فترة القطيعة.

وأبرز الخبير في الاقتصاد الدولي أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام إطلاق مشاريع استثمارية مشتركة في قطاعات متعددة، من بينها الطاقة، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، والخدمات، فضلا عن تعزيز التعاون في مجالات البنية التحتية والنقل العابر للحدود.

وأكد أن الموقع الجغرافي للجزائر ومالي يمنحهما فرصة لتطوير ممرات تجارية تربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، بما ينسجم مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في تعزيز التجارة البينية.

وفي السياق ذاته، اعتبر هباش أن الرهانات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن البعد الأمني، موضحا أن تحسين الاستقرار على الحدود المشتركة ينعكس إيجابا على حركة التجارة والاستثمار، من خلال تقليص المخاطر وخفض تكاليف النقل والتأمين، بما يعزز ثقة المتعاملين الاقتصاديين في تنفيذ مشاريعهم.

وأضاف أن استقرار العلاقات الثنائية يسهم كذلك في تحسين مناخ الأعمال وتشجيع المبادرات الاقتصادية، خاصة في المناطق الحدودية.

كما أشار محدثنا إلى أن من أبرز المكاسب المنتظرة إعادة تنشيط المبادلات الحدودية المنظمة، بما يدعم التنمية المحلية في الولايات الجنوبية الجزائرية والمناطق الشمالية من مالي، ويسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الأسواق المحلية، وتعزيز التجارة المشروعة والخدمات لفائدة سكان المناطق الحدودية.

وأكد الخبير أن هذه العودة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي تعرفها القارة الإفريقية، حيث تبرز الحاجة إلى بناء شراكات إقليمية أكثر فاعلية، وتطوير شبكات النقل والربط التجاري، واستغلال الإمكانات المتاحة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

وأبرز المتحدث أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي يمثل فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي تقوم على المصالح المشتركة، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين لتعزيز حركة التجارة والاستثمار داخل الفضاء الإفريقي.

كما شدد على أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على استئناف العلاقات الدبلوماسية، وإنما يكمن في تحويل هذا التقارب إلى مشاريع اقتصادية ملموسة تعزز المبادلات التجارية، وتدعم الاستثمار، وتطور البنية التحتية، وتوسع مجالات التعاون بين القطاعين العام والخاص.

خِتاماً، أبرز فارس هباش أن استمرار هذا المسار الإيجابي سيؤهل العلاقات الجزائرية-المالية لاستعادة مكانتها كإحدى ركائز التعاون الاقتصادي في منطقة الساحل، بما يحقق منافع متبادلة للبلدين ويدعم التنمية الإقليمية.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.