استفاق اليمنيون على سلسلة من التطورات السياسية والعسكرية المفاجئة، تمثلت أولا في إعلان التحالف السعودي عن 'هروب' رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، إلى مكان غير معلوم، بعد عدم صعوده على متن الطائرة المتجهة إلى الرياض، مع وفد المجلس الانتقالي المشارك في مؤتمر الحوار الجنوبي. وجاء هذا الإعلان في وقت شهدت فيه الساحة الجنوبية حالة من التوتر غير المسبوق، بعد السيطرة السابقة للمجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، والتي سرعان ما استعادت فيها قوات 'درع الوطن' الموالية للسعودية زمام المبادرة بدعم من طيران الرياض والتحالف، ما شكّل ضربة قوية للنفوذ العسكري للمجلس في المناطق الشرقية، ومن خلفه الإمارات.
وفي أعقاب هذه الأحداث، عقد ما يسمى "مجلس القيادة الرئاسي" اجتماعا طارئا برئاسة رشاد العليمي، أسفر عن إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس وإحالته إلى النائب العام بتهمة "الخيانة العظمى"، في خطوة اعتبرها الكثيرون انعكاسا لتصاعد الضغوط السياسية والإقليمية على المجلس الانتقالي وقياداته، وكذلك لضبط التوازنات الداخلية بين مختلف القوى الجنوبية بما يضمن استمرار استقرار الجنوب ضمن أجندة "التحالف" مع ما يُسمى "الشرعية" اليمنية المدعومة خليجيا ومن أطراف دولية.
في المقابل، أصدر المجلس الانتقالي بيانا نفى فيه هروب الزبيدي، مؤكدا أنه يواصل مهامه من العاصمة عدن، وأن وفدا رسميا برئاسة الأمين العام للمجلس وصل إلى الرياض للمشاركة في المؤتمر، مع إدانة الغارات السعودية على محافظة الضالع. هذا التباين في التصريحات أثار تساؤلات واسعة حول مدى مصداقية المواقف السابقة للمجلس الانتقالي، خاصة تلك التي كانت تشير إلى المشاركة الإيجابية في مؤتمر الرياض المرتقب، ومدى ما إذا كانت هذه التصريحات جزءا من سياسة تمويه تهدف إلى حماية مصالحه على الأرض وسط ضغوط متصاعدة.
ويعتقد العديد من المراقبين أن مؤتمر الرياض ليس منصة للحوار السياسي الحقيقي، بل يشكل آلية سعودية لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في الجنوب وفق توجهات الرياض، وتقويض أي محاولة من المجلس الانتقالي لاحتكار تمثيل الجنوب أمام أطراف إقليمية ودولية محددة. غير أن هذا التحرك، بحسب القراءات المختلفة، يرافقه تحديات أمنية كبيرة نتيجة الفراغ الذي قد يتركه تراجع نفوذ المجلس وانتشار السلاح في الجنوب، وهو ما يفتح المجال أمام تأثير أجندات خارجية، من بينها مصالح إسرائيلية، في توجيه مستقبل المعركة السياسية على الأرض.
مدير مركز الدراسات لشرق السلام في لبنان، حسين قنبر، أكد لـ"الأيام نيوز" أن اختفاء عيدروس الزبيدي يمكن النظر إليه من زاويتين مختلفتين، الأولى أنه قد يكون انعكاسا لضغوط سياسية وإقليمية على قيادة المجلس الانتقالي، وهو ما يمكن أن يؤثر مؤقتا على ديناميكياته الداخلية. أما الثانية، فتشير إلى إمكانية أن يكون جزءا من مناورة تكتيكية لإعادة ترتيب أوراق المجلس وتوجيه رسائل لمكونات الجنوب الأخرى.
وأوضح قنبر أن الحكم على ما إذا كان هذا التحول يمثل نقطة فاصلة حاسمة في مستقبل المجلس الانتقالي أم مجرد خطوة مؤقتة، لا يمكن استخلاصه إلا من خلال متابعة كيفية إدارة المجلس للأزمة واستجابات الأطراف الإقليمية والدولية لهذه التطورات.
وأضاف قنبر أن قرار إسقاط عضوية الزبيدي وإحالته للاتهامات يظهر حدود الدعم السياسي الذي كان يتمتع به داخل بنية ما يسمى (الشرعية) والتحالفات الإقليمية، مشيرا إلى أن هذا القرار لا يعني نهاية المجلس الانتقالي بحد ذاته، بل يعكس إعادة ترتيب للغطاء السياسي والآليات التي يعتمدها اللاعبون الإقليميون لضمان استمرار استقرار الجنوب ضمن سياق التحالف السعودي. وأكد أن الرسالة الأساسية التي يحملها هذا القرار تكمن في ضبط التوازنات الداخلية أكثر من كونها عقوبة سعودية نهائية للمجلس ومن ورائه عقوبة للإمارات.
المجلس الانتقالي بين التفاوض والضغط الإقليمي
وحول الخطاب الإيجابي للمجلس الانتقالي تجاه مؤتمر الرياض، رأى قنبر أنه يعكس سعي المجلس لتثبيت موقفه التفاوضي أمام ما يسمى (الأطراف الإقليمية والدولية)، وفي الوقت نفسه محاولة لاحتواء الضغوط الداخلية وحماية مصالحه على الأرض. وأوضح أن الخطاب لا يُفسر بالضرورة على أنه فشل لخطة ميدانية، بل قد يكون خطوة تكتيكية في سياق تفاوضي أكبر، والنتيجة النهائية ستعتمد على مدى نجاح الأطراف في التوصل إلى تفاهمات عملية على الأرض.
وأكد قنبر أيضا أن مؤتمر الرياض يهدف إلى إعادة النظر في آليات التمثيل السياسي للجنوب من وجهة نظر سعودية، بما في ذلك تعزيز مشاركة مختلف القوى والمكونات الجنوبية، وليس بالضرورة استهداف المجلس الانتقالي شخصيا، بل السعي لتوسيع قاعدة التمثيل وتقليل أي احتكار للمشهد السياسي، بما يضمن إدارة أفضل للأزمات المستقبلية وتحقيق توافق أوسع بين المكونات المحلية والإقليمية.
من جهته، المحلل السياسي اليمني أحمد البحري أوضح لـ"الأيام نيوز" أن خسارة المجلس الانتقالي للمناطق الشرقية، وخصوصا حضرموت والمهرة، تمثل ضربة قاصمة على مستوى النفوذ السياسي والعسكري للمجلس في الجنوب. وأشار إلى أن هذه الخسارة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل انعكست على الهيبة والمصداقية التي كان يتمتع بها المجلس في معاقله التقليدية مثل عدن وأبين ولحج والضالع، ما أدى إلى هشاشة قواعده الشعبية وفقدان الثقة في قدرته على حماية مصالح الجنوب.
وأضاف البحري أن التداعيات تشمل تراجع النفوذ الميداني وصعوبة فرض السيطرة على الأراضي الجنوبية، ما يجعل المجلس في موقف دفاعي أمام التحالف، خاصة السعودية التي باتت تتحكم بشكل أكبر في موازين القوى على الأرض. كما أشار إلى أن الضغوط الخارجية والتهديدات المباشرة من الرياض أجبرت قيادات المجلس، وعلى رأسها الزبيدي، على اتخاذ مواقف انفعالية أدت إلى فقدان السيطرة على أدوات النفوذ، بما في ذلك التحالفات المحلية والعلاقات مع المكونات الجنوبية الأخرى.
وحول ما يُسمى "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، رأى البحري أنه يمثل خطوة سياسية أخيرة لمستقبل المجلس، وكشف عن الأزمة العميقة التي يعيشها المجلس الانتقالي وقياداته. وأوضح أن الإعلان جاء بمثابة مفاجأة للقوى السياسية داخليا وخارجيا، كما أنه يعكس فقدان المجلس القدرة على قيادة الجنوب أو تحقيق أهدافه السابقة.
وأكد البحري أن الإعلان لا يمهّد بالضرورة لإعادة مشروع الانفصال على الأرض، بل يمثل مأزقا سياسيا كبيرا، حيث لم يعد المجلس يمتلك الأرض أو التأييد الشعبي الكافي، بينما تفرض الرياض، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، واقعا جديدا يحد من قدرة المجلس على ممارسة أي نفوذ مستقل. في الوقت نفسه، يعتبر الإعلان إجراء رمزيا أو استراتيجية داخلية للضغط على الأطراف الأخرى، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن ضعف المجلس وتقهقره أمام الضغوط الإقليمية والدولية.
وبناء على ذلك، يرى البحري أن أي تغيير جوهري في الإشكالية الجنوبية لن يكون ممكنا إلا عبر تحولات إقليمية ودولية كبرى، وأن الوضع الحالي سيبقي المجلس الانتقالي وقياداته في مأزق خلال السنوات القادمة، مع استمرار تأثير القوى الإقليمية والدولية على مستقبل اليمن والقضية الجنوبية. وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز دور السعودية في إدارة التوازنات داخل الجنوب، بما يشمل توجيه مكونات المجلس الانتقالي والتأكد من عدم تمكن أي جهة من احتكار المشهد السياسي والعسكري.
تؤكد هذه التحليلات على أن ما حدث في الأيام الأخيرة، هو جزء من تحولات متشابكة في المشهد اليمني، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية مع التحديات التي يواجهها المجلس الانتقالي على الأرض بين السكان الجنوبيين. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة المزيد من التطورات، خاصة مع استمرار التوترات بين مكونات الجنوب وتزايد الضغوط على المجلس الانتقالي لتقديم تنازلات، بينما يسعى التحالف بقيادة السعودية إلى فرض توازنات جديدة في الساحة الجنوبية، بما يضمن إدارة النزاعات المستقبلية بطريقة أكثر مرونة وفعالية.
وهكذا، فإن الأحداث الأخيرة في الجنوب اليمني تكشف حجم الأزمة التي يمر بها المجلس الانتقالي، وتبرز الدور الحاسم للسعودية في إعادة هندسة المشهد السياسي، مع استمرار المخاوف من تداعيات أمنية كبيرة نتيجة الفراغ وانتشار السلاح، وتأثير ذلك على الاستقرار في المحافظات الجنوبية، خصوصا عدن وأبين ولحج والضالع. ورغم كل ذلك، تظل المفاوضات والتفاهمات السياسية، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية، العامل الحاسم في تحديد مستقبل المجلس الانتقالي وقياداته، ومصير الجنوب ككل، خلال المرحلة المقبلة.

