2025.12.04
اعترافات موجة هاربة مقالات رأي

اعترافات موجة هاربة


"ولأنَّ للبحر أدبه ورونقه، ولملحِه ذاكرة تتخبَّطُ مع الموج، فلما لا نتركه يعبّر عن ضجيج أعماقهِ؟". اعترافات موجة هاربة: "ألقى بأمواجِهِ هربًا من ولادتِه.. هكذا تنتحرُ عاصفةُ البحورِ!".

غضبًا يثور، وحزنًا يغرقُ في نفسه، وعند انسلاخِ الفجرِ تولدُ فقَّاعةٌ في العمقِ ثرثارةٌ، تطفو في لغوها فتنفجرُ زبَدًا فوق رملِ الشَّاطئ!

هل شكَكتَ يومًا في حقيقةِ البحرِ؟ إنَّهُ امتدادٌ لك، وانحسارٌ لنفسك. تطفو وتغرق، وقدماك لمَّا تزل تُداعب رملَه. وبمكرٍ جنونيٍّ تحاولُ الهرب منه، فتصطادَ نفسكَ في شباكِه.

ومرَّةً أُخرى تشتعلُ زخَّاتُ مائهِ فوق جلدكَ، ترفعُ بصركَ، تمدُّ يدكَ، تمسكُ طرف الشَّمس، تكاد تطفئها بلمسةٍ مِن إصبعكَ و... تنفجر فقَّاعةٌ مشاكسةٌ في وجهكَ... وتعود وكأنَّه لا خلاص منه!

تشربُ ملحهُ وتنسى... أَأنتَ منهُ أم هو فيكَ؟ وتتذكَّر ولادتكَ بقطرةِ ماءٍ، وتغوص في نفسكَ، وتبحرُ عند آخر مرفأٍ توجدُ سفينتك ومصباحك وحفنة تُرابٍ لتسكتَ جوعَ البحرِ فيك... ثُمَّ تخلع عنكَ خوفكَ وتبدِّد من رأسكَ أنَّكَ ابتلعتَ البحر بحزنكَ، بشوقكَ، بصمتكَ، وأنَّكَ غارقٌ في داخلك!

الكون زجاجة والحياة رسالةٌ مخبَّأةٌ فيها، ووحدكَ البحر مع كل موجةٍ تولد، وتموت عندما تشهقُ الثَّانية. وتنسى أنَّكَ رهن زوبعتهِ وجنونِهِ.

ثم تفيضُ لمقلتيكَ شوقًا لحبيبةٍ، فيفيضُ بك اختناقًا. وعلى صخرةٍ منسيَّةٍ تركتَ ذاكرتكَ وحبيبتك ومعطفًا حمل دفء اللَّحظةِ، وقبلة خجولةً ولمسةً شاردة، توشوشُ السَّمكة لأختها قائلةً: "مسكين عالقٌ في نفسه".

تشهدُ أنَّكَ حيٌّ، ووحدهُ قلمكَ يعرفُ سرَّ أمواجكَ وطائرٌ النَّورس المزعج! فتضحكُ ألمًا وتكتب في مفكِّرتكَ "أشهدُ أنِّي عشتُ جنون البحرِ، ومتُّ عند قدمِه منكسرًا، وأشهدُ أنَّني غارق فيه حتَّى في اشتعالي".