الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

اقتحام زنازين الأسيرات.. هل يحوّل بن غفير القمع إلى استعراض سياسي وإعلامي؟

Author
سهام سعدية سوماتي 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

يأتي اقتحام الوزير الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، لزنازين الأسيرات الفلسطينيات، وما رافقه من تصوير واستعراض أمام الكاميرات، في سياق يثير تساؤلات حول توظيف معاناة الأسرى في الخطاب السياسي للاحتلال، وتحويل ظروف احتجازهم إلى مشهد يخدم رسائل تتجاوز جدران السجون.

في هذا السياق، يؤكد مختصون حاورتهم “الأيام نيوز”، أن هذه الممارسات تجمع بين استعراض القوة والإذلال والتوظيف السياسي والإعلامي، من خلال تقديم التضييق على الأسرى والأسيرات باعتباره تعبيرا عن التشدد والقدرة على الانتقام، بما يحوّل المعاناة الإنسانية إلى مادة تخدم الخطاب السياسي وتغذي توجهاته الانتقامية.

فمن جانبه، أفاد مأمون أبو عامر، باحث في الشأن الفلسطيني الصهيوني، بأن زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، قسم الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، تندرج ضمن سياسة متعمدة تقوم على استعراض القوة أمام الأسرى والأسيرات، وتحويل الزيارة إلى وسيلة للإذلال والتنكيل بهم.

زيارات بن غفير للأسرى استعراض للقوة وتوظيف سياسي لمعاناتهم

وأشار أبو عامر إلى أن هذه الممارسات لم تقتصر على الأسيرات، وإنما شملت الأسرى الرجال أيضا، مستشهدا بزيارات سابقة قام بها بن غفير لعدد من الأسرى، من بينهم القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي الموجود في العزل.

وأوضح المتحدث أن هذه الزيارة تكشف، من جهة أخرى، عن توظيف قضية الأسرى والأسيرات في الدعاية السياسية والانتخابية داخل الكيان الصهيوني، أكثر من ارتباطها بعمل سياسي أو إداري، لافتا إلى أن الأحزاب اليمينية والدينية الصهيونية تتنافس في الشارع الإسرائيلي لإظهار من يمتلك الخطاب الأكثر تشددا تجاه الفلسطينيين، ومن يستطيع تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على ممارسة العنف والتنكيل بهم.

وأبرز أن هذا النوع من الممارسات يجد تغذية من جانب الإعلام الإسرائيلي الذي يساهم في ترسيخ حالة من الشعبوية داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد “طوفان الأقصى”، موضحا أن أجواء التوتر والخوف تُستغل من قبل أطراف داخل الحكومة لتوسيع دائرة الاستهداف الفلسطيني، كل وفق موقعه ومسؤولياته.

وفي هذا السياق، ذكر أبو عامر أن بن غفير يوظف موقعه في ممارسة التضييق على الأسرى والأسيرات ودعم الاستيطان، فيما يواصل بتسلئيل سموتريتش، بحكم موقعه الوزاري، رعاية مشاريع الاستيطان والتوسع في الضفة الغربية، بينما يضطلع يسرائيل كاتس بدور في إدارة العمليات العسكرية وما يرافقها من قتل ودمار في غزة، إلى جانب السياسات الإسرائيلية في لبنان وسوريا، معتبرا أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة عامة تحظى برعاية رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي.

وفي جانب آخر، لفت الباحث إلى خصوصية قضية الأسيرات الفلسطينيات، بالنظر إلى طبيعة الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالمرأة، مشيرا إلى حرمانهن من عدد من الاحتياجات الأساسية، على غرار مستلزمات النظافة والملابس وتبديلها، فضلا عن الغذاء والشراب وغيرها من المتطلبات الحياتية.

وأضاف أن ما تتعرض له الأسيرات يطرح تساؤلات بشأن موقف المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والنسوية من هذه الانتهاكات، متسائلا عن أسباب غياب التحرك الدولي تجاه حرمان الأسيرات من أبسط حقوقهن الإنسانية، ومؤكدا أن كرامة المرأة وحقوقها الأساسية تحظى بحماية واضحة في القوانين والمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية.

ويرى محدثنا أن التعامل الإسرائيلي مع الأسيرات الفلسطينيات يكشف عن ممارسة ممنهجة للإذلال وسلب الحقوق الأساسية، مبرزا أن كونهن نساء فلسطينيات لا يمكن أن يكون مبررا لحرمانهن من حقوقهن الإنسانية.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، نوّه أبو عامر إلى أن المشاهد التي ظهرت خلالها الأسيرات وهن يتحدثن عن ظروف احتجازهن وما يعانينه من انتهاكات، تثير حالة من الغضب والاستنكار، داعيا إلى تحرك جاد من مختلف الجهات المعنية بحقوق الإنسان من أجل حماية الأسيرات وضمان حقوقهن الأساسية، ومشددا على أن استمرار هذه الأوضاع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه ما تتعرض له النساء الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية.

اقتحام زنازين الأسيرات يحوّل القمع إلى استعراض سياسي أمام الكاميرات

من جهته، أبرز سعيد محمد أبو رحمة، كاتب ومحلل سياسي فلسطيني، أن اقتحام الوزير الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، زنازين الأسيرات الفلسطينيات، وما رافقه من تصوير واستعراض أمام الكاميرات، يتجاوز كونه إجراء داخل منظومة السجون، ليأخذ طابعا سياسيا يقوم على تحويل معاناة الأسرى إلى مادة في الخطاب الانتقامي للاحتلال.

وأوضح أبو رحمة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا النوع من الممارسات يحوّل الزنزانة من فضاء مغلق مخصص للاحتجاز إلى مسرح تُنتج داخله رسالة سياسية موجهة إلى جمهور أوسع من الأسيرات أنفسهن، مشيرا إلى أن الكاميرا في هذه الحالة لا تؤدي وظيفة توثيقية محايدة، وإنما تمنح المعاناة وظيفة دعائية، من خلال إظهار الوزير وهو يمارس السيطرة، وتقديم الأسير الفلسطيني باعتباره هدفا للعقاب والإذلال.

وأضاف أبو رحمة أن هذه الممارسة تكتسب دلالة أكبر عند وضعها ضمن ما يمكن وصفه بمعادلة “الرد على الرد”، حيث تُستخدم أفعال ارتكبتها جهات فلسطينية لتبرير تشديد العقوبات على الأسرى الفلسطينيين بصورة عامة، بما ينقل الخطاب من المسؤولية الفردية عن فعل محدد إلى تحميل الفرد المحتجز مسؤولية جماعية مرتبطة بانتمائه، معتبرا أن ذلك يدفع بالممارسة من منطق القانون إلى منطق الانتقام.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن استهداف الأسيرات تحديدا يضيف بعدا رمزيا إلى المشهد، موضحا أن إظهار امرأة فلسطينية في وضع مهين، محرومة من أبسط احتياجاتها، أمام مسؤول سياسي وكاميرا، لا يعكس فقط قسوة ظروف الاحتجاز، وإنما يبرز أيضا اختلال ميزان القوة وقدرة السلطة على التحكم في الجسد والخصوصية والكرامة.

ونوّه أبو رحمة إلى أن الكاميرا تصبح، في هذه الحالة، جزءا من المشهد السلطوي نفسه، لأن الهدف لا يقتصر على إيقاع المعاناة بالأسيرة، وإنما يتعداه إلى عرض هذه المعاناة باعتبارها “إنجازا سياسيا”، بما يجعل الصورة أداة لإيصال رسالة تتجاوز جدران السجن.

ويرى أن خطاب بن غفير يقوم، من هذه الزاوية، على تحويل الألم الفلسطيني إلى رأسمال سياسي، إذ يمكن تقديم تشديد الإجراءات ورفع مستوى القسوة أمام القاعدة الانتخابية اليمينية باعتبارهما دليلا على التشدد والوفاء لشعارات الأمن والردع.

وأكد أن المشهد يجمع بذلك بين ثلاثة مستويات متداخلة، تتمثل في العقوبة داخل السجن، والإذلال باعتباره ممارسة للسيطرة، والصورة الإعلامية بوصفها أداة للتعبئة السياسية.

كما أبرز أن الخطورة تكمن في تحوّل المعاناة، التي يفترض أن تفتح باب المساءلة حول ظروف الاحتجاز، إلى دليل على نجاح السياسة المتبعة، بحيث يصبح انتهاك الكرامة الإنسانية قابلا للتسويق السياسي.

وذكر أن الأسيرات لا يُستخدمن فقط كموضوع للعقوبة، وإنما تتحوّل معاناتهن إلى وسيلة لإرسال رسالة إلى جمهور سياسي أوسع مفادها أن السلطة قادرة على الانتقام، وأن إظهار هذا الانتقام يمكن أن يتحوّل إلى مصدر للقوة والشعبية.

خِتاماً، أشار سعيد محمد أبو رحمة إلى أن اقتحام الزنازين أمام الكاميرات يعكس انتقال القمع من ممارسة تتم داخل السجن إلى أداء سياسي علني، بحيث لا تعود المعاناة نتيجة للسياسة فقط، وإنما تصبح جزءا من الطريقة التي تُمارس وتُعرض وتُسوّق بها هذه السياسة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑