الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

نحو تحقيق 317 مليار دولار.. هل يتحقق التحول الاقتصادي في الجزائر؟

Author
بثينة صايفي 05 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشكّل الأداء الاقتصادي للدول مؤشرا أساسيا على مدى قدرتها على تحقيق النمو والاستقرار في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وفي هذا السياق، تبرز التوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي كمرجع مهم لتقييم آفاق الاقتصاديات الوطنية، حيث تعتمد على معطيات دقيقة وتحليلات معمّقة لمختلف المؤشرات المالية والاقتصادية.

وبحسب أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، يُنتظر أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للجزائر نحو 317,17 مليار دولار خلال سنة 2026، ما يعكس ديناميكية اقتصادية لافتة مقارنة بباقي دول المنطقة، وتضع هذه التوقعات الجزائر في صدارة البلدان المغاربية من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، بفارق معتبر عن بقية الاقتصادات المجاورة، الأمر الذي يعكس تحسّن الأداء الاقتصادي الوطني واستفادته من عدة عوامل، أبرزها عائدات قطاع الطاقة والإصلاحات الاقتصادية المنتهجة.

 

نمو اقتصادي بالأرقام… لكن التحدي في النوعية

يرى الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي، أن توقّعات صندوق النقد الدولي بوصول الناتج المحلي الإجمالي للجزائر إلى 317,17 مليار دولار بحلول 2026 تمثل في ظاهرها مؤشرا إيجابيا يعكس تحسنا في المؤشرات الكلية للاقتصاد، غير أنها لا تعني بالضرورة حدوث تحوّل عميق في بنية الاقتصاد الوطني أو انتقاله إلى نموذج أكثر تنوعا واستدامة.

ويشرح تيغرسي أن هذا النوع من النمو قد يكون في جزء كبير منه مرتبطا بتقلبات أسواق الطاقة، خاصة عائدات المحروقات، ما يجعله نموا “كميا” يعتمد على الظرفية الخارجية أكثر من اعتماده على ديناميكية داخلية قائمة على الإنتاج والإبداع، وبالتالي، فإن ارتفاع الأرقام يجب ألا يُفهم تلقائيا كدليل على قوة هيكلية للاقتصاد، بل يجب تفكيكه لفهم مصادره الحقيقية ومدى استقراره على المدى المتوسط والطويل.

ويضيف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حجم الناتج المحلي بحد ذاته، وإنما في نوعية هذا النمو، هل هو ناتج عن توسع في القطاعات المنتجة أم مجرد انعكاس لارتفاع أسعار المواد الأولية؟ ويؤكد في هذا السياق أن الاقتصاد القوي هو الذي يخلق ثروته من داخل نسيجه الإنتاجي، وليس من تقلبات السوق العالمية.

ويبرز أن المرحلة الحالية تفرض إعادة توجيه النمو نحو نموذج اقتصادي جديد قائم على الإنتاج والقيمة المضافة، عبر دعم الصناعة، الفلاحة، والخدمات ذات المحتوى المعرفي، بدل الاستمرار في الاعتماد المفرط على الريع، فبالنسبة له، التحوّل الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاقتصاد قادرا على توليد الثروة بشكل مستدام، مستقل عن دورة المحروقات، ويضمن استقرارا طويل الأمد وفرصا أوسع للتشغيل والتنمية.

هواري تيغرسي خبير اقتصادي
هواري تيغرسي خبير اقتصادي

السياق ذاته، يبرز تيغرسي أهمية تعزيز الزراعة الذكية كرافعة مزدوجة للأمن الغذائي والنمو الاقتصادي، من خلال إدماج التكنولوجيا في الإنتاج الزراعي، وتوسيع الاستثمار في المناطق الصحراوية، بما يقلّص التبعية للاستيراد ويحوّل الفائض مستقبلا إلى مورد تصديري، كما يلفت إلى أن كل تقليص في فاتورة الاستيراد يمثل مكسبا اقتصاديا مباشرا، يعادل في أثره خلق ثروة جديدة داخل الاقتصاد الوطني.

أما فيما يتعلق بالاقتصاد الرقمي، فيعتبره تيغرسي قطاعا استراتيجيا قادرا على إحداث قفزة نوعية، نظرا لمرونته وقلة ارتباطه بالمحروقات، فضلا عن قدرته على خلق وظائف عالية القيمة واستقطاب الكفاءات الشابة، ويؤكد أن الاستثمار في الشركات الناشئة والخدمات الرقمية يمكن أن يمكّن الجزائر من تصدير “الخدمات” بدل الاقتصار على السلع، ما يعزز اندماجها في الاقتصاد العالمي. ويخلص إلى أن هذا المسار المتكامل كفيل بنقل الجزائر من اقتصاد يصدّر المواد الخام إلى اقتصاد يصدّر القيمة والمعرفة.

 

إصلاحات هيكلية واستثمار ذكي لعائدات النفط

ويؤكد الخبير الاقتصادي، هواري تيغرسي، أن نجاح هذا التحوّل لا يرتبط فقط بتحديد القطاعات الواعدة، بل يظل رهينًا بإصلاح عميق وشامل لمناخ الأعمال، باعتباره الأرضية التي يقوم عليها أي إقلاع اقتصادي، ويشير إلى أن تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية يعدان شرطا أساسيا لتحرير المبادرة والاستثمار، إلى جانب ضرورة ضمان استقرار الإطار القانوني والتشريعي بما يعزز ثقة المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، كما يبرز أهمية تحديث المنظومة البنكية لتواكب متطلبات الاقتصاد الجديد، من خلال تسهيل التمويل، تنويع أدواته، ومرافقة المشاريع الإنتاجية بدل الاكتفاء بالأدوار التقليدية.

وفي السياق ذاته، يدعو تيغرسي إلى استغلال الفوائض النفطية بشكل أكثر نجاعة وذكاء، عبر توجيهها نحو الاستثمار المنتج بدل الاستهلاك الظرفي، من خلال إنشاء صناديق سيادية قادرة على تمويل مشاريع استراتيجية طويلة المدى، خاصة في مجالات البنية التحتية، التكنولوجيا، والابتكار. ويرى أن هذه الآليات من شأنها تحويل عائدات المحروقات إلى رافعة حقيقية للتنويع الاقتصادي، بما يضمن استدامة النمو ويقلل من هشاشته أمام تقلبات الأسواق العالمية.

ويخلص إلى أن الجزائر تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما الاستمرار في نموذج اقتصادي هش يظل رهينة لتذبذب أسعار النفط، أو اغتنام هذه المرحلة كفرصة تاريخية لبناء اقتصاد متنوع، مرن، وقادر على الصمود. ويؤكد أن الرهان في النهاية ليس فقط اقتصاديا، بل هو رهان تنموي يرتبط بقدرة البلاد على خلق فرص مستدامة للأجيال القادمة وترسيخ أسس نمو متوازن طويل الأمد.