الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

اقتصاد المقاومة الرقمي.. كيف حوّلت طهران تقنية “البلوكشين” إلى درع حماية من الحصار الأمريكي؟

Author
مولود صياد 16 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خضم التصعيد الجيوسياسي والعدوان الأمريكي الصهيوني المستمر، تتجه الأنظار مجدداً نحو الآليات الاستراتيجية المبتكرة التي طورتها طهران لكسر جدار العقوبات الاقتصادية الخانقة.
ففي مواجهة سياسة “الضغوط القصوى” التي أعادت تفعيلها وعززتها الإدارة الأمريكية، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام سلاح الخزانة الأمريكية وتحكمها المطلق في نظام “السويفت” للتحويلات المالية، بل نجحت في شق مسارات بديلة ومستدامة، متخذة من الفضاء الرقمي وسوق العملات المشفرة ” البلوكشين” درعا ماليا يحمي سيادتها الاقتصادية ويضمن استمرارية شرايينها الحيوية.

 

المقاومة المالية الرقمية.. تحوّل استراتيجي وليس مجرد تكتيك

وفي قراءة تحليلية لهذا الصمود الاقتصادي، يرى المحلل والناشط في مجال العملات الرقمية، محمد بن البار، في حديثه لصحيفة “الأيام نيوز”، أننا نشهد “تحولا بنيويا حقيقيا وليس مجرد حيلة مالية مؤقتة للتهرّب”.
وأوضح أن توجه طهران نحو العملات الرقمية لم يكن ترفا تقنيا، بل كان استجابة سيادية ضرورية وحتمية لحرب اقتصادية استهدفت خنق البلاد وإغلاق كافة المنافذ المالية التقليدية في وجهها على مدى عقود.
هذا الحصار، الذي بلغ ذروته بالانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، دفع العقل الاستراتيجي الإيراني إلى بناء منظومة مالية موازية بالكامل تتمتع بالاستقلالية والمرونة.
وكشف بن البار أن الأرقام المتداولة تعكس نجاحا لافتا يتجاوز التقديرات الغربية؛ إذ يشير تقرير مؤسسة “تشيناليسيس (Chainalysis) لعام 2026، إلى أن حجم النظام الرقمي الإيراني تجاوز عتبة الـ7,78 مليارات دولار في عام 2025، وهو رقم يعادل الناتج المحلي لدول بأكملها.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية ليس فقط في الحجم الإجمالي، بل في قدرة المؤسسات السيادية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، على إدارة تدفقات مالية ضخمة (تجاوزت 3 مليارات دولار في الربع الأخير من 2025) لدعم حلفاء طهران الاستراتيجيين في المنطقة، وتأمين مبيعات النفط، وتوفير التكنولوجيا والمعدات الحيوية، في تحدٍ صريح وناجح لمحاولات العزل الغربية.

تقنية “البلوكشين”.. شرايين حرة تتجاوز الرقابة الأمريكية

ويؤكد بن البار أن هذه الأرقام تمثل فقط الجزء الظاهر من جبل الجليد، المتمثل في المحافظ الرقمية المعروفة. ويضيف: “نحن نقف أمام شبكة تمويل سيادية متكاملة تعمل على تقنية البلوكشين (Blockchain)، وتربط إيران بحلفائها في محور المقاومة، من لبنان إلى اليمن والعراق. لقد تم استبدال القنوات المصرفية الخاضعة للرقابة الأمريكية بمحافظ رقمية لا تعترف بحدود أو وصاية من أي بنك مركزي أجنبي”. ولا يقتصر دور هذه الشبكة على نقل الأموال، بل يمتد ليكون شريانا آمنا لتسهيل حركة التجارة، السلع، والعتاد العسكري، ما يثبت عمليا أن طهران استطاعت إفراغ العقوبات التقليدية من محتواها، مؤسسة لاقتصاد مقاومة قادر على التمدد والنمو تحت أقسى ظروف الحصار.

عبقرية الرد.. رسوم مضيق هرمز ومفارقة العملات المستقرة

وتجلت البراعة الإيرانية في إدارة هذه المعركة المالية، بحسب بن البار، في قرار فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الاستراتيجي تُسدد فوريا بالعملات المشفرة. هذه الخطوة، التي تُحصّل دولارات رقمية عن كل برميل نفط يعبر المضيق، تمثل قمة البراغماتية في بيئة مشحونة بالضغوط العسكرية؛ حيث توفر عملات مثل (USDT) والبيتكوين سرعة استجابة فائقة تتيح تحصيل الحقوق السيادية في ثوانٍ معدودة، بمنأى عن أي تعقيدات مصرفية أو تدخلات من وسطاء خاضعين للولايات المتحدة، ما يجعل محاولات المصادرة الغربية شبه مستحيلة.
وفي هذا السياق، يقلل الخبير من تضخيم واشنطن لخطوة تجميد 344 مليون دولار بالتنسيق مع شركة “تيثر ” (Tether). واعتبر أن هذا الإجراء يعكس، في واقع الأمر، مأزق الإدارة الأمريكية التي تضطر للجوء إلى الضغط على الشركات الخاصة المركزية المسجلة لمحاولة كبح جماح التدفقات الإيرانية. وهو ما يكشف مفارقة كبرى: واشنطن، التي تتباهى بنظامها المالي، باتت تستجدي أدوات رقابية تكنولوجية لملاحقة أموال تتحرك في فضاء صُمم أصلا ليكون لا مركزيا وحرا.

 

اختراق النظام المالي الأمريكي بأدواته الخاصة

وتؤكد التقارير والتقديرات الدولية، ومنها بيانات مؤسسة “إليبتك” (Elliptic) ، أن صانع القرار المالي الإيراني بات يمتلك أرصدة ضخمة تتجاوز 500 مليون دولار بعملة “الإيثريوم” لدعم التجارة الخارجية، ما يخفف العبء عن الريال الإيراني. وقد أظهرت المنصات المحلية الإيرانية نضجا وسرعة بديهة في التعامل مع التوترات، من خلال تسهيل عمليات نقل الأصول إلى محافظ خارجية آمنة تحييدا لأي مخاطر مفاجئة.
وفي مفارقة استراتيجية بالغة الدلالة، يشير تحليل لموقع “ياهو فاينانس” إلى أن إيران تعتمد بشكل واسع على منصة “نوبيتكس” (Nobitex) المحلية لتحويل أصولها إلى عملات مستقرة. المفارقة هنا تتمثل في استخدام طهران لعملة “تيثر” المدعومة جزئيا بسندات الخزانة الأمريكية؛ أي أن إيران، بذكاء تكتيكي، تستخدم أدوات مالية قائمة على الدين العام الأمريكي لتمويل نشاطاتها وتجاوز القيود التي تفرضها واشنطن بالذات. هذا الاندماج المعقد يضع النظام المالي الدولي في حالة ارتباك، حيث تقف السلطات الأمريكية عاجزة أمام ديناميكية إيرانية نجحت في تحويل سلاح الخزانة الأمريكية إلى أداة تعمل لصالح الاقتصاد الإيراني ضمن منطقة رمادية لا تطالها عصا العقوبات.

Author مولود صياد
صحفي ومدقق حقائق خريج جامعة الجزائر 3 كلية الإعلام والاتصال